منظمات المجتمع المدني وبناء الديمقراطية

 

حسام السراي

 

هناك اسباب عديدة تدعو الدول لأن تسن قوانين تضمن وجود قطاع مدني مستقل وقوي، واهم هذه الاسباب حماية حريات التعبير والاجتماع والتجمع السلمي المعترف به دوليا، فهذه الحريات مضمنة في الاتفاقيات الدولية والاقليمية التي تربط فيما بين البلدان، بالاضافة الى ذلك، فان الدساتير وقوانين العديد من البلدان تحمي الحريات الاساسية، ولا يشترط على الفرد لدى انشائه كيانا قانونيا رسميا وفق قانون منظمات مدنية محلية، ان يكون في امكانه ممارسة احدى الحريات الاساسية او عدد منها بيد ان القوانين التي تسمح للجماعات بان تنظم نفسها في كيانات ذات شخصية قانونية من شأنها تعزيز هذه الحريات..

فنجد معظم الافراد غير مهمين او مؤثرين بما فيه الكفاية، لأن اصواتهم الفردية لاتسمع، كما لاتؤخذ اعمالهم وانشطتهم الفردية بعين الاعتبار، الا ان انشطتهم عندما يصبحون عصبة متحدة بهيئة منظمة مدافعة ونصرة لحماية البيئة او منظمة انسانية لمساعدة اللاجئين، وبالسماح للمنظمات المدنية الرسمية وغير الرسمية وحمايتها، تمنح القوانين في بلد ما معنى حقيقيا لحريات التعبير والاجتماع والتجمع السلمي، وبالاضافة الى حماية الحريات الاساسية، هناك عدد من الاسباب الكامنة وراء ما يدعو المجتمعات الى وجوب تبني القوانين التي تساند قطاعا حيويا ومستقلا من المنظمات المدنية الرسمية، وهذه تشمل تشجيع التعددية وتروج لاحترام حكم القانون وتدعم الديمقراطية وتحتضن الكفاءة الاقتصادية وتعالج فشل سوق القطاع العام.

المنظمات صمام أمان

ان الافراد والجماعات المتواجدين في مجتمع ما يتمتعون بمصالح وحاجات متنوعة، وقوانين المنظمة المدنية تساعد هؤلاء (افرادا وجماعات) على تحقيق مصالحهم المتباينة. وبتشجيع التعددية التي تنجم من السماح للمنظمات المدنية الرسمية بان توجد، يتبين المجتمع انه يقوم التنوع في اوساط اعضائه ويحترمه، ويجعل المجتمع يلتصق اكثر بمبدأ التسامح.

ولا يمكن مجانية التنوع، لانه ضروري جدا، ففي العديد من المجتمعات ينتمي الناس الى خلفيات إثنية مختلفة ويتكلمون لغات مختلفة ويمارسون اديانا مختلفة ايضا، وهم بهذا مختلفون من ناحية (الجنوسة) والاعمار والمهن والهوايات، وقد يعبر عن هذه الاختلافات بطريقة قانونية او غير قانونية، لتمثل المنظمات المدنية صمام امان ضروري واساسي للضغوط والطاقات الاجتماعية التي تنبني وتنشأ في اي مجتمع، وبالنسبة للاشخاص المنتمين الى خلفيات إثنية او عرقية او دينية مختلفة فان المنظمات توفر لهم العمل المشترك بما فيه صالحهم العام، لتكون حصنا ضد اي عنف يحتمل اندلاعه بين مختلف طوائف المجتمع.

ما المطلوب لنجاح الديمقراطية؟

ومن المعروف ان نجاح اية ديمقراطية يتطلب مع مرور الزمن التعددية والاستقرار الاجتماعي واحترام حكم القانون الذي يعززه دعم القطاع المدني ومساندته وحمايته، والديمقراطية تتميز بكونها شكلا متأصلا غير ناجز للحكومة، وغالبا ما يكون فوضويا، كما يمكن ان تكون محبطة وغير ذات كفاية، انها الشكل الاوحد للحكومة، اذا ما علمنا ان ذلك يضمن حكومة ستعمد بوجه عام الى خدمة مصالح الجمهور، وليس العكس، ولكي نضمن نجاح الديمقراطية يتوجّب على كل شريحة مجتمعية ان تؤمن بانه يمكن الوثوق عموما بمؤسسات الدولة، وممكن ان تحظى بفرصة للتأثير في القرارات عبر ممثليها المنتخبين او حتى بفرصة حيازة صوت اكثري في الحكومة.

علينا معرفة امر مهم هو ان وجود قطاع مدني قوي ومحمي ومسؤول يساعد في بناء التعددية والاستقرار الاجتماعي والثقة العامة واحترام حكم القانون، وغيرها من اللوازم التي تعضد قيام نظام ديمقراطي على المدى البعيد غير ان المنظمات المدنية تضطلع بدور حيوي اخر في الديمقراطية فهي تسمح للافراد والجماعات بالتخفيف من نفوذ الاغلبية والتي يمكن بخلافها تشكيل حكومة ديمقراطية لايمكن تحملها من قبل الاقلية، التي لاتستطيع ان تحصل على دعم كاف لتعكس افكارها وقيمها في سياسات الدولة، والمنظمات بالنسبة الى هذه الجماعات تشق طريقا رئيسة لتتمكن من خلالها المضي لتحقيق مصالحها واهدافها، من دون تداخل مع رغبات الاغلبية او الوقوع تحت قمعها وتستطيع هذه المنظمات تقديم منافع وسلع وخدمات عامة على نحو أكفأ من مؤسسات الدولة وهيئاتها، لان المنظمات غالبا ما تدفع اقل او توظف عددا اقل من الناس، مقارنة بما تقوم به وكالة حكومية، صوب الهدف نفسه، ونرى الاشخاص العاملين فيها يكرسون وقتهم وطاقاتهم لحل المشكلات العامة مجانا وتطوعا، وخلافا لسلطة الدولة الاحادية المتراصة، توفر المنافع والسلع وغيرها، ويمكنها تحقيق الوفورات في التكاليف التي تنشأ من المنافسة بين المنظمات الساعية الى تقديم مثل تلك الخدمات، مثال ذلك في منظمة مدنية صغيرة ومحلية اعرف بحاجات الناس الفعلية ممن يتوجب عليهم خدمتهم، وهي اعرف ايضا بالطريقة التي يمكنها من خلالها تلبية ذلك.

اذا ما قارناه بهيئة او سلطة حكومية كبيرة، حتى بدأت العديد من الدول بالاعتراف بكفاءة المنظمات العالية في حالات ومواقف كثيرة.

السوق واسداء المعونات

ومن الادوار التي يجب ان تقوم بها الحكومة تحديد (اخفاق السوق) في تقديم ما يحتاج اليه عموما من منافع وخدمات عامة فهيئات الدولة والكيانات المتوخية الربح لاتتمكن من الوصول الى تكهنات محددة تتعلق بمجمل الخدمات المرغوبة من المواطنين وبالتالي توفيرها، وبسبب ذلك تبذل بلدان غير قليلة جهودا مكثفة لاشراك القطاع المدني في تقديم الخدمات ضمن مجالات معينة وفي بعض المناطق تتلاءم هذه الحركة مع (مبدأ اسداء المعونات) وفي مناطق اخرى، وبفعل خفض موازنات الدولة تجبر الحكومات على التخلي عن البرامج التي يستمر القطاع المدني على استكمالها الى الحد الممكن، ويتحول هذا البلد او غيره الى اقتصاد السوق ووجود قطاع مدني جيد التطور والنمو، يؤمن دعما غيرمباشر لنجاح نمو هذا الاقتصاد، ومنه تنزع اقتصاديات السوق الى الازدهار على نحو افضل حيث تسود التعددية والاستقرار الاجتماعي والثقة العامة بالمؤسسات واحترام القانون.

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر:جريدة الصباح-15-9-2007