تعامل خلاّق مع التنوع

 

جميل مطر

 

أذكر أنه عندما بدأت الحملة الأمريكية “لتحديث” الشرق الأوسط، وبعبارة أكثر دقة، حملة إدارة الرئيس بوش لتسريع عملية تحديث العالم الإسلامي، كان في صدارة بنودها نشر الوعي بحقوق الأقليات وتشجيع هذه الأقليات على ممارسة كل ما من شأنه أن يدعم ثقافتها وخصوصياتها. كان التنوع، حسب فلسفة هذه الحملة، ميزة وحقاً وحافزاً لإقامة الديمقراطية وتوفير الحريات وتأكيد الحقوق.

وكعادة السياسيين في منطقتنا، تملكهم الشك في نوايا الحملة، فالتنوع بالنسبة لهم يتناقض مع ما وصل إليهم عن أن الفكر السياسي العربي الإسلامي يفضل التوحد والإجماع. وبالفعل لا تجد في التاريخ العربي كثيرين من العلماء اعتنقوا مبدأ القوة في التنوع، أو حق الاختلاف في الرأي على أساس الاختلاف في العنصر واللغة، ولا تجد ما يشير إلى أنهم نشطوا في نشر إيجابيات التنوع الخلاق والتبشير به في جماعات “الأمة”.

وبالغ سياسيون ومفكرون عرب المبالغة نفسها التي استطرد فيها كثير من الدعاة الغربيين الذين واجهوا صعوبات في نشر الدعوة إلى “التغريب” السياسي في العالم الإسلامي، هؤلاء اختصروا المشوار وأعلنوا مبكراً أن شعوب هذه المنطقة، وبمعنى محدد، شعوب هذه الأمة، غير مؤهلة للديمقراطية وحريات التعبير والرأي وحقوق تداول السلطة وإقامة أحزاب مدنية تتجاوز الأعراق والمذاهب والقبائل والجهات.

وكانت حجتهم أن المسؤولين عن أحوال شعوب العالم الإسلامي يعرفون أن مجتمعاتهم تمتاز بالتنوع والتعددية ولكنهم لا يتحدثون عن هذه الحقيقة، وبالتالي لا يعدون العدة للاستفادة من التنوع، وفي الحد الأدنى، لتفادي مشكلات قد تنجم عن عجز في العدالة أو المساواة أو المشاركة.

ثم جاء من الغرب من يقول إن التنوع في مجتمع ليس بالضرورة أمراً حسناً أو حظاً طيباً. إذ صدرت دراسة اشتغل في إعدادها عالم سياسة أمريكي معروف واسمه روبرت باتنام، ووضع لها عنواناً يكاد يكون نصه “اللعب منفرداً”.

توصل باتنام في هذه الدراسة التي استغرقت سنوات إلى خلاصة تقول إنه “كلما تنوعت الثقافات والأعراق والطوائف في مجتمع ما قل عدد المواطنين المشاركين في العملية السياسية.. وانخفض عدد المنغمسين في العمل التطوعي وانحسرت التبرعات للأعمال الخيرية في الأحياء أو القرى، أي في المجتمعات المحلية”.

بمعنى آخر، يريد باتنام أن ينقل إلينا حقيقة علمية جديدة تنفي عن المجتمعات المتعددة الأعراق والمذاهب القدرة على إقامة نظام ديمقراطي، لأن الناس في مثل هذه المجتمعات لا تشارك في الانتخابات ولا تنضم للأحزاب ولا تمارس أنشطة في منظمات المجتمع المدني وجمعياته التي هي أحد أسس النظام الديمقراطي السليم.

في هذه الحالة سيفتقد المجتمع رأسماله الاجتماعي  إن المجتمع الذي لا يقيم فيه الناس علاقات قوية ببعضهم بعض، ولا يقيمون احتفالات ومهرجانات في الأحياء ولا يشاركون بحماسة في عملية التعداد السكاني ولا يتبرعون للمدارس والنوادي الاجتماعية، ينخفض فيه مستوى الأمن والصحة العامة وتزداد فيه تعاسة الناس وشقاؤهم، إنه مجتمع فقير “اجتماعياً”، لأنه عاجز “بشرياً” عن تحقيق النمو والتقدم.

في مثل هذا المجتمع، يقول الباحث، لا يثق المواطن بجيرانه المنتمين إلى ثقافات أخرى وتتعاظم الشكوك بين المواطنين وينعزلون في شققهم أو بيوتهم أو أحيائهم. ويدلل على ذلك بما اكتشفه خلال دراسته من أن الناس في المجتمعات المحلية ذات الثقافات المتعددة يعودون مبكراً إلى مقار سكناهم ويجلسون ساعات أطول أمام أجهزة التلفزيون وتصبح سلوكياتهم أقرب ما تكون إلى سلوكيات “السلحفاة” التي تسحب رأسها وأطرافها داخل صدفتها كلما اقترب منها “الآخر”.

لا يستقيم ما توصل إليه الباحث، وأمثاله، مع ما نشأنا عليه وما درسناه عن أسس المجتمع والسياسة وعلومها. نشأنا على فكرة أن التنوع الثقافي مدخل صحي وجيد ورصيد إيجابي في المواجهة مع الآخر وبالتالي نحو الإبداع.

ونشأنا أيضاً على فكرة أن خليطاً من الصراع والوفاق هو الذي يشكل أساس استمرار العنصر البشري وتقدمه. الصراع ضروري ولكن وحده غير كاف، وكذلك الوفاق الكامل ضروري لاستمرار الحياة وتقدمها ولكن وحده غير كاف.

تعودت أن أتعامل باهتمام شديد مع دراسات من هذا النوع، فما تطرحه من خلاصات قد يكون بعضه خطيراً ويتسبب في أذى كبير سواء صحت نتائجها ولم يسعفنا الوقت لنفعل شيئاً لمواجهتها، أو بقيت النتائج معلقة لا تجد من يؤكدها أو يثبت صحتها علمياً فيشتد اللغط وتتدخل النوايا السيئة.

وبالفعل جاء رد الفعل لهذه الدراسة سريعاً إذ عقدت جماعات الضغط الأمريكية التي تعمل على حماية المهاجرين المتحدثين بالإسبانية عدداً من الاجتماعات بهدف تصعيد الحملة ضد خطط إصدار قوانين هجرة جديدة.

وانتشرت اتهامات ضد باتنام مؤلف هذه الدراسة والمناصرين له بأنهم يسعون إلى إثارة النعرات العنصرية في الولايات المتحدة، وتجدد الجدل في أوروبا حول شكل المستقبل في ظل التنوع المتزايد فيها وبخاصة في بريطانيا وفرنسا، وفي ظل تعدد اللغات المستخدمة بين سكان الحي الواحد والقرية الواحدة حتى إنه قيل في جهد واضح لتضخيم القضية إن مدينة صغيرة في غرب ألمانيا يعيش فيها حالياً مواطنون ينتمون إلى 160 جنسية ويتحدثون بعشرات اللغات.

واختار كاتب غربي نموذج جزر بابوا غينيا الجديدة حيث تتعدد القبائل وتتنوع لغاتها إلى حد أن أفراد القبيلة الواحدة يطلقون على أنفسهم كلمة “ونتوكس” وهي كلمة مشتقة من عبارة talks One أي الذين يتكلمون لغة واحدة وغير مستعدين للتعامل مع غيرها، ولا شك أنه نموذج متطرف لعصبية جديدة متطرفة تنتشر كالنار في الهشيم في أنحاء الدنيا كافة.

ومع ذلك لا تبدو قضية التنوع، بالنسبة لمجتمعات كثيرة، بالخطورة التي تبدو بها في مجتمعات أخرى، ولكنها بالتأكيد مرشحة لتكون القضية الأشد أهمية بالنسبة للأغلبية العظمى من المجتمعات بعد عقد أو عقدين من الزمن. وقد بدأنا نقرأ عن اقتراحات وأفكار للتخفيف من سلبياتها أو تأجيل وقوعها.

وكان بعض الاقتراحات بالفعل مثيراً. قرأنا عن اقتراح بتكثيف تعليم اللغة الإنجليزية للبشر كافة حتى تصير لغة التخاطب الأساسية بين جميع الشعوب وفي كل المجتمعات المحلية. وقرأنا أيضاً عن اقتراح لا يقل غرابة وابتكاراً، وهو تدشين حوار عالمي لصياغة محتوى جديد للضمير “نحن”، يسبق ويتجاوز أي محتوى آخر كالوطن والدين والعرق والمذهب والقبيلة، ويحظى برضاء جميع شعوب العالم، وتفرضه الدول على مؤسساتها التعليمية والإعلامية.. وتعقد من أجل تأكيد الالتزام به اتفاقية دولية في رحاب اليونسكو أو غيرها من المؤسسات الدولية.

ما لا أفهمه، برغم المحاولات المتعددة، هو هذا الخوف لدى السياسيين ولدى قادة الأغلبيات في كل مكان، من التنوع، حتى كدت اقتنع بأن هذا الخوف ناتج عن العجز في القدرة على توليد الأفكار والآليات التي تجعل التنوع، مهما اتسع وتكثف، خلاقاً.

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر:المثقف السياسي-11-9-2007