المجتمعات العربية أكثر جاهزية مما مضى لتقبل الإصلاحات السياسية

 

فارس بريزات

 

المجتمعات العربية أكثر جاهزية لتقبل الإصلاح السياسي والتكيف معه مما تعتقد النخب العربية الحاكمة. المقولات الدارجة في المجال السياسي العربي تتمحور حول مسألة الشرعية السياسية أساساً.

في الأنظمة الملكية في بعض الدول العربية والخليجية حُسمت هذه المسألة وسلّمت القوى السياسية المحلية بشرعية النظام السياسي لأسباب مختلفة في كل بلد ولكن في الأنظمة الجمهورية التي لم تلتزم بالممارسة الديمقراطية بل حولت الجمهوريات إلى ملكيات ، لا يبدو أن هناك شرعية تُجمع عليها الأغلبية من المجتمع السياسي الفاعل.

وبعد ارتفاع وتيرة الحديث حول الإصلاح السياسي في العالم العربي تطوعت الأنظمة السياسية سواء في الممالك أو الجمهوريات أو غيرها بتقديم العديد من المبررات لدعم استمراريتها وتأييد سياساتها المناهضة للديمقراطية والتنافس السياسي الديمقراطي الذي يضمن المساواة في الحقوق والواجبات بين المواطنين.

من هذه المبررات أن المجتمعات العربية غير جاهزة للممارسة الديمقراطية وأن التعددية والتنافس السياسي المدني لم يتطور بعد ليكون أساس الاختلاف السياسي وعادة ما يتم تصوير التنافس السياسي على أنه تعزيز للاختلاف على أسس غير مدنية مثل الصراع الطائفي والإثني أو الجهوي.

وتقدم الأنظمة السياسية العربية نفسها على أنها صاحبة القواسم المشتركة التي تدفع جانباً بالتنافس غير الإيجابي. ومن جانب آخر تقدم نفسها للعالم الديمقراطي على أنها الأفضل بين البدائل المُتاحة في الوقت الراهن ولكن ليس بالضرورة من وجهة نظر شعوبها.

يختلف بعض المثقفين العرب المستقلين عن مثقفي السلطة من ناحية تشخيص الظاهرة والتعامل معها  ففي الوقت الذي يرى المثقفون المستقلون أن الأسباب التي تقدمها الأنظمة ضد التنافس السياسي السلمي المدني هي غير شرعية، يرى منظرو الأنظمة أن هذه الأسباب تشكل عوامل تشتيت وتفرقة للوحدة الوطنية.

يبقى الرأي العام العربي مُغيبا في هذا الحوار لعدة أسباب لعل أهمها هو عدم وجود بيانات علمية موثوقة تدلل على اتجاهات الرأي العام العربي نحو هذه الظواهر الاجتماعية -السياسية.

وثانيها أن الرأي العام العربي غير مؤثر في عملية صنع القرار السياسي بحكم عدم وجود ديمقراطية سياسية يمكن أن يؤثر - أي الرأي العام- في مجراها.

الآن توفّر استطلاعات الرأي العام التي ينفذها مشروع مقياس الرأي العام العربي أدلة علمية للوقوف على وجهة نظر الرأي العام في موضوعين لهما علاقة بالديمقراطية وهما التنافس السياسي بين الأحزاب وكيفية إجراء الإصلاح. وهما مؤشران يمكن أن يتم الاستدلال بهما على الآلية التي تحكم آلية تفكير المجتمعات العربية.

يوضح الشكل رقم (1) مدى موافقة الرأي العام في كل من الأردن والجزائر وفلسطين والمغرب والكويت على العبارة التالية "الاختلاف والتنافس بين القوى السياسية هو أمر جيد". تُعبر هذه العبارة عن أحد أساسيات العمل السياسي الديمقراطي.

باستثناء الرأي العام الفلسطيني توافق الأغلبية في كل من الأردن وبنسبة %60 على هذه العبارة، و%63 في الجزائر، و%67 في المغرب، و%79 في الكويت. في فلسطين وافق على العبارة نصف مجتمع المستجيبين للدراسة وعارضها %57 منهم.

وهناك العديد من النقاط المثيرة التي تقدم إجابات على فرضيات ومقولات مثقفي الأنظمة. أولها أنه وبالرغم من حالة الصراع السياسي العنيف الذي شهدته الجزائر خلال حقبة التسعينيات ما زالت الأغلبية من الجزائريين تؤيد التنافس والاختلاف بين القوى السياسية وعلى الرغم من حالة الاحتقان السياسي التي يمر بها المجتمع الفلسطيني (والتي نُفذ الاستطلاع خلالها) ما زال نصف المجتمع يؤيد التنافس والاختلاف.

وهذا مؤشر على القيمة التي يضفيها الرأي العام في كل من فلسطين والجزائر على هذه الخاصية من خصائص الديمقراطية السياسية  وفي المجتمعات التي فيها نوع من الحراك السياسي الديمقراطي النشيط في جو من الأمان مثل الكويت والمغرب والجزائر والأردن نجد أن هناك نوعا من العلاقة بين الاستقطاب السياسي من جهة وبين ارتفاع نسبة من يوافق على الاختلاف والتنافس السياسي.

ففي الكويت مثلاُ هناك حالة من الاستقطاب السياسي والمحاسبة للسلطة التنفيذية التي تجعل من التنافس السياسي ظاهرة مفيدة للمجتمع وتؤشر في مدى استجابة الرأي العام للحراك السياسي الداخلي.

الجانب الثاني من العملية هو ما يتعلق بالإصلاح السياسي وكيفية تنفيذه. وعلى عكس ما يُقال عن الرأي العام بأنه غوغائي وغير عقلاني ومتسرع، يبدو الرأي العام العربي ممثلاً في الرأي العام في كل من الأردن، وفلسطين، والكويت، والمغرب، والجزائر غير متسرع وعقلاني حيث توافق الأغلبية على العبارة القائلة بضرورة أن يكون الإصلاح مرحليا وتدريجيا وليس متسرعاً.

وحتى المجتمع الفلسطيني الذي يُعاني الاحتلال وعدم الاستقرار الأمني والسياسي والاقتصادي يؤمن بضرورة الإصلاح التدريجي وربما يكون للتجارب المتسرعة في العراق وفلسطين مع ظروف الاحتلال أثر في تشكل هذا النوع من الرأي العام.

ولكن هذا لا يمكن أن يكون السبب الوحيد. وحتى قبل احتلال العراق وقبل التجربة الانتخابية الفلسطينية تشير استطلاعات المسح العالمي للقيم التي أجريت في مصر والمغرب والجزائر والأردن إلى أن الرأي العام في هذه الدول يُفضل الإصلاح التدريجي على الإصلاح الجذري والفوري.

ويظهر التعليم كأحد محددات الموقف من التنافس والاختلاف السياسي. وعلى الرغم من أن نسبة التأييد مرتفعة بشكل عام للتنافس السياسي في المجتمعات الخمسه، إلا أن مستوى التعليم يُظهر أثراُ في مواقف الرأي العام.

والاتجاه العام للعلاقة بين التعليم وتأييد التنافس السياسي هو اتجاه طردي بشكل عام، أي أن التأييد للتنافس السياسي يزداد بازدياد مستوى التعليم. وأبرز دليل متوافر على هذه العلاقة يأتي من البيانات الأردنية.

حيث نجد أن نسبة الذين يؤيدون التنافس السياسي بين الأميين هي %40 فقط، وترتفع النسبة نحو %50 بين ذوي التعليم الابتدائي (ست سنوات من الدراسة) والإعدادي (تسع سنوات من الدراسة) والأساسي (10 سنوات من الدراسة)، وترتفع النسبة إلى %60 بين ذوي التعليم الثانوي، وإلى %71 بين حملة الدبلوم العالي وإلى %75 بين حملة شهادة البكالوريوس، وإلى %91 بين حملة الماجستير والدكتوراة.

ولعل لنوع التعليم أثرا في نوع المواقف التي يتبناها الناس من التنافس السياسي. ويبدو ذلك جلياً من مقارنة مواقف الأردنيين (حسب المستوى التعليمي) بالدول الأخرى في الشكل رقم3. وعلى سبيل المثال في فلسطين تبقى العلاقة الطردية هي الأبرز باستثناء انخفاض النسبة بين حملة البكالوريوس الفلسطينيين إلى %40. ومن اللافت أن مستويات التعليم بين الكويتيين لا تُظهر أثراً كبيراً في مواقفهم تجاه التنافس السياسي.

وفيما يتعلق بالعلاقة بين التعليم والموقف من طريقة إجراء الإصلاح السياسي يبدو أن العلاقة الطردية هي السائدة بشكل عام وإن كان هناك كثير من التفاوت بين هذه المجتمعات. وأبرز نمط لهذه العلاقة هو ما تظهره البيانات المتوافرة من الأردن.

إذ تُظهر أن نسبة تأييد الإصلاح التدريجي بين الأميين هي الأقل %53، وترتفع النسبة مع ارتفاع مستوى التعليم حيث تبلغ %69 بين ذوي التعليم الابتدائي، و %75 بين ذوي التعليم الإعدادي والأساسي، و%82 بين ذوي التعليم الثانوي، و%83 بين حملة الدبلوم العالي والبكالوريوس، و%77 بين حملة الماجستير والدكتوراة.

على الرغم من كل ما يُقال عن مُعيقات الديمقراطية فإن آخر ما يمكن قبوله هو عدم جاهزية الشعوب العربية للممارسة الديمقراطية، لأن الشعوب العربية في المحصلة مكونة من أفراد عقلانيين في أغلبيتهم الكبيرة جداً.

ولذلك فإن فرضية أن يسلك هؤلاء سلوكا سياسيا عقلانيا، أي يتناسب مع مصالحهم الاقتصادية الأساسية قصيرة ومتوسطة المدى هو شيء طبيعي. السلوك العقلاني يمكن تحديده بعدة عوامل وأمثلة، منها على سبيل المثال لا الحصر أن الدول الغنية تستطيع تأمين المصالح الاقتصادية للناس بدون تمثيل سياسي ديمقراطي، حيث إن السلوك السياسي العقلاني يكمن في التماهي مع مؤسسات الدولة القائمة والاستفادة من مكوناتها دون طلب تمثيل سياسي يحقق هذه المصالح.

الخيار العقلاني إذن هو الأقرب إلى الحالة الطبيعية للسلوك البشري في حال توافر المكونات الاقتصادية وهذه المكونات متوافرة في البلدان المصدرة للنفط والغنية. حيث تمكنها هذه الثروة من الاستجابة لمتطلبات المجتمع دون تقديم مقابل سياسي.

بينما في الدول الفقيرة فإن الحال يختلف جوهرياً إذ إن التوزيع الأمثل للثروة المحدودة لا يمكن أن يتم بشكل متواز وعادل في غياب مؤسسات الحكم الديمقراطي والسبب الأساسي هو أن صغر حجم الثروة المتاحة للتنافس وكبر حجم المتنافسين في الحصول عليها يشجع الطرق غير القانونية وغير الديمقراطية على تحصيل مدخل إلى الثروة المتاحة. من هنا يلاحظ أن حجم التأييد للحكم الديمقراطي في البلدان الأكثر فقراً عادة يكون أكثر بروزاً منه في الدول الأغنى.

الحكم الديمقراطي هو آلية لحل الإشكاليات الناجمة عن الاختلاف حول المصالح الاقتصادية بالطرق السلمية. لذلك من الطبيعي أن يظهر للعيان وللعامة الطلب على هذه الآلية في المجتمعات ذات التفاوت الطبقي والتي يوجد فيها طبقة من الفقراء وهي الطبقة التي تكون أقل تعليماً وعادة ما تكون الأكثر قبولاً بالأفكار التي تطالب بالتغيير الجذري.

إضافة لجاهزية الرأي العام لأسس العملية السياسية الديمقراطية المتمثلة بالاختلاف المدني والتنافس السياسي والإصلاح التدريجي، هناك مقومات سياسية مبنية على عدم تمكن الحكومات المعينة وغير الديمقراطية في الدول متدنية ومتوسطة الدخل من حل المشاكل الاقتصادية العالقة على مدار عقود من الزمان لذلك لا بد من تعديل قواعد اللعبة السياسية في هذه البلدان لتمكين الناس من التحاور مع من يحكمهم ولم يتمكنوا من حل مشاكلهم.

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر:مجلة المجلة