الليبرالية العربية ستخفق إذا ما واصلت استفزاز الناس في إيمانهم!

 

 

قال المفكر البحريني د. محمد جابر الأنصاري إن ثمة تراكمات إيجابية كثيرة في المخزون العربي تنتظر من يجمعها ويفتح أمامها الطريق، ولا مفر من صيغة كيان عربي أكبر مع مراعاة الكيانات العربية القائمة، وجزم الأنصاري في لقاء شامل مع ( المجلة ) تناول مختلف جوانب المشهد الاجتماعي والسياسي العربي المعاصر، جزم بأن على الأمم الناهضة أن تقتنص حقها في النهوض من بين براثن الوحوش، ومواجهة الأمة بأقدارها وباستحقاقات النهضة، قائلا: إن أول شروط التحرر النهضوي هو التحرر من خداع الذات.

الأنصاري الذي قضى الـ 35 عاماً الأخيرة باحثاً ومنقباً ومحللاً للوضع الحضاري العربي الراهن لم يتردد في التأكيد قائلاً : إن الدول العظمى ليست جمعيات خيرية لمساعدة الضعفاء، غير أن التاريخ لاينتهي، ولكن العولمة في أساسها تطور تكنولوجي أتاح لمن يملكها ويتحكم في تقنياتها أن يفرض مصالحه من خلالها. أما الرأسمالية – على ظلمها وظلاماتها - فهي اقتصاد السوق الأكثر نجاحاً، لكنها لن تستقر إلا إذا التزمت بالعدالة الاجتماعية.

وحول التيار (الليبرالي) العربي قال الأنصاري: إذا لم يعمد إلى تجذير أفكاره في تربته الإنسانية العربية المسلمة بالتوافق مع ما في تراثها الإسلامي من طاقات تجديدية وتحديثية وواصلت بعض عناصره تحدي واستفزاز الناس في إيمانهم الذي يحتاجون إليه، فإن مصير هذا التيار لن يكون غير الإخفاق.

وفيما يلي تفاصيل الحوار:

- في كتابك (تجديد النهضة) باكتشاف الذات ونقدها تقول: (هزمت بريطانيا بالفحم (الإنتاجية) ذهب الإسبان الذين سبكوا ذهبهم حدوات لأحصنتهم (الاستهلاك)، وتقارن بين (فحم الإنجليز وذهب الإسبان كنمطين من أنماط سلوك الأمم في التاريخ)، أين نحن كدول عربية نفطية من النمطين؟ وأين نحن من اقتناص الفرصة التاريخية التي أمامنا للنهوض؟ على الرغم من المعوقات التي تتمثل في قيود الدول العظمى على النهوض العربي؟

- مازلنا بين بين، نقدم رجلاً ونؤخر أخرى. ما لاشك فيه إن بنية تحتية مهمة قد تم إنشاؤها في عدد من بلداننا العربية وإن هذا الجانب مغفل في الوعي العربي في ظل الهزائم السياسية، ننسى في مناخ سياسي محبط كهذا أن منجزات عمرانية وإنمائية وتعليمية قد أقيمت، وهذه خطوات مهمة للغاية لعصر مقبـل حتى في جانبه السياسي.

وأود التذكير قبل الاسترسال بأن الثروة النفطية لا تنحصر في دول الخليج كما يذهب تفكير الكثيرين فثمة دول عربية نفطية في المغرب والمشرق من الجزائر وليبيا إلى العراق. ولنا أن نتساءل ماذا فعلت بثرواتها النفطية أيضاً؟ كما أن الدول العربية الأخرى يملك أكثرها من الموارد المائية والزراعية والمعدنية - وأيضاً النفطية - ما ينبغي عدم إسقاطه من الحساب والمحاسبة.

أما الاستهلاك فهو عنوان اللعبة السائدة عربياً اليوم من المحيط إلى الخليج. يقولون إن الأشخاص القلقين يأكلون بشراهة ويسمنون! يبدو أن هذا ينطبق على المجتمعات أيضاً في شراهتها الاستهلاكية وهي تعاني قلـق المصير الذي تتهرب منه!

ما يقلقني أكثر من هذه النزعة الاستهلاكية هو أن مقومات ومنجزات التنمية التي تحققت لا تملك درعاً دفاعياً واقياً، فبعض هذه المنجزات قائم لمجرد أن أيدي الطامعين لم تمتد إليه.. بعد! أما إذا امتدت.. فاليوم خمر وغداً أمر!

ولا مفر من الانطلاق من مشروع إصلاحي حضاري في كل بلد عربي فلم يعد ممكناً أن تطاع الحكومة لمجرد كونها حكومة، بل ما هو مشروعها للمستقبل الذي يمكن أن تحاسب وتقيّم عليه - أما فيما يتعلق بقيود الدول العظمى فهذا أمر متوقع ومن طبيعة الأشياء وهذه الدول ليست جمعيات خيرية لمساعدة الضعفاء. وعلى الأمم الناهضة أن تقتنص حقها في النهوض من بين براثن الوحوش ولن تأتيها النهضة (هدية) من أحد.

- قلت (نحن نتعاطى مع منتوجات الحضارة لا الحضارة ذاتها من الداخل)، وعلى الرغم من أنك لا تستبعد نظرية المؤامرة إلا أنك تحمل الذات العربية الجانب الأعظم من المسؤولية، ترى أين الذات العربية أفرادا أو مجموعات من امتلاك قرار التغيير؟ ألا ترى أن تحميل المسؤولية للذات العربية التي لاتملك من أمرها شيئا، جلداً للذات؟ وما هي خريطة الطريق للصعود في مدارج الحضارة ؟

- إذا كانت ( الذات العربية ) جديرة بالنهضة - وهي بها جديرة - فعلينا أن نكف عن إظهارها بمظهر الكائن المتهالك البائس أمام القوى المعادية وإذا بقيت الذات العربية لا تملك قرار وقدرة التغيير إلى مالا نهاية، فعلينا أن نعلن ( وفـاة العرب ) كما قال نزار قباني. أكرر ما قلته في إجابتي الأولى: على الأمم الناهضة - إن كانت راغبة في النهضة حقاً - أن تقتنص حقها في النهوض من بين براثن الوحوش، ولن تأتيها النهضة ( هدية ) من أحد.

وعلينا ألا نوزع الوعود الوردية الكاذبة والواهمة. علينا مواجهة الأمة بأقدارها. فإن كان ذلك جلداً للذات فلعله جلد من أجل صحوة حقيقية فكفانا مسحاً للجوخ في محاريب الذات الجمعية، أما تجار الوهم فلن يوصلوا الأمة إلا إلى المزيد من الكوارث فأول شروط التحرر النهضوي هو التحرر من خداع الذات والكذب عليها ومصارحتها بحقائق ضعفها أياً كانت.

وإذا كان العرب لا يستطيعون الارتفاع إلى مستوى الوعي الصحيح فكيف سـيبدأون الخطوة الأولى في الاتجاه السليم ؟ هل تنتظر مـن (الإمبرياليــة) و(الصهيونية) مساعدتنا في تحقيق هذا الوعي ؟! ونفهم أن الذات العربية مضغوطة عملياً وفعلياً من قبل الأعداء، ولكن ذهنياً أليس في مستطاعها الوعي بنفسها سلباً وإيجاباً؟! هل (الإعاقة) وصلت إلى هذه الدرجة؟

- تقول إن النهضة العربية عمرها أقل من مائتي سنة، وإن هناك أمما شرقية استطاعت أن تغير واقعها وأن تتطور نحو الأحسن (الصين، اليابان، الهند)، هل ترى إمكانية نهوض مواتية وقريبة للأمة العربية؟ وماهي الأثمان التي يجب أن تدفعها أمتنا للوصول إلى مرحلة النضج المعاصر؟ علماً أننا ( في عصر الكيانات الكبرى، والحضارة لايستوعبها إلا كيان كبير).

- الوعي العميق بنجاحات الأمم الشرقية الثلاث التي ذكرت مطلب مهم للغاية ليس في حد ذاته فحسب، وإنما للخروج من مظنة ( التغريب ) المرفوض إلى ( التحديث ) الذي لابد منه. لقد ظلت التهمة توجه إلى كل من يدعو إلى التحديث بأنه داعية تغريب. حسناً، وهذه الأمم الشرقية الناهضة - كل بنهجه المنبعث من إرادته وتاريخه - هل كل ما قامت به لدخول العصر هو عملية ( تغريب )؟

لماذا نصد ونغض النظر عن هذه التجارب الإنسانية التحديثية العظيمة؟ التي بدأت تفرض نفسها علينا في المنطقة العربية بكل معنى الكلمة. أذكر عندما بدأت البحث في هذه التجارب قبل أكثر من ربع قـرن سـمعت أصواتاً تقـول إن هـذه القـوى أوجدتها ( الإمبريالية ) - وليس كدح شعوبها - للمشاغبة على الاتحاد السوفياتي !!

وكما نهجت أمم آسيا، فلابد أن يكون للعرب مشروع تحديثي منسجم مع واقعهم وتاريخهم  وأعتقد أن ثمة تراكمات إيجابية كثيرة في المخزون العربي تنتظر من يجمعها ويفتح أمامها الطريق ولا مفر من صيغة كيان عربي أكبر مع مراعاة الكيانات العربية القائمة. هنا يكمن الاختبار الذي لم ننجح فيه حتى الآن، لكن الاستعداد له في الواقع العربي أقرب مما نتصور.

- هل انتهى التاريخ فعلاً ؟ هل توقف الزمان أم سيتوقف عند القطب الواحد؟ هل نبوءة فوكوياما لها نصيب من الصحة في استقرار الحراك الإنساني عند (العولمة الرأسمالية) برغم التراجع الأميركي بل الفشل الذريع لـ 240 ألف جندي أميركي في معاودة تركيب العراق، و صمود حزب صغير مثل حزب الله في مواجهة شرطي أميركا في المنطقة العربية (إسرائيل)، ناهيك عن عودة الحياة لطالبان في أفغانستان، وظهور النووي الإيراني، وبدء ملامح يقظة روسية هل انتهى التاريخ فعلاً ؟

- أولاً : أمريكا قوة عسكرية عظمى اليوم ككل القوى العظمى التي من المحال أن تكون قوى أخلاقية عظمى في الوقت ذاته، لكنها لا يمكن أن تبقى على قوتها العسكرية هكذا وذلك بحكم تآكل كل القوى في التاريخ.

غير أن هذا سيأخذ وقتاً قد يستنفد صبرنا ونفسنا القصير. ولا ننسى أن لأمريكا جامعاتها ومراكز بحثها التي تجعل منها قوة مؤثرة أيضاً. فهـي ليست قوة حربية فحسب. وهـذا يعيدنا إلى ذلــك التمـييز المصـيري الذي أضعناه بـين الغـرب (الاسـتعماري) والغرب (الحضاري) .. وأدركته اليابان بكل دقة.

ثانياً : علينا أن نتأكد من ديمومة وثبات المؤشرات المضادة التي تشير إليها لنتيقن من قوتها الموضوعية وليس ما توحيه من عزاء لنفوسنا المتعبة وأعتقد أن أمريكا لا يمكن أن تواجهها إلا قوة في مثل تأثيرها كالصين أو أوروبا مستقبلاً، فلا يفل الحديد إلا الحديد.

أما مثل طالبان في أفغانستان، كما تشير، فلا تملك قدرة المواجهة على المدى الطويل. وبالمناسـبة، (المحتفلون) بعودة طالبان في إعلامنا العربي هل هم مستعدون لإرسال أبنائهم وبناتهم إلى مناطق سيطرتها؟!

والتاريخ لم ينته بطبيعة الحال، ولا يمكن أن ينتهي، ولكن العولمة في أساسها تطور تكنولوجي أتاح لمن يملكها ويتحكم في تقنياتها أن يفرض مصالحه من خلالها.

أما الرأسمالية - على ظلمها وظلاماتها - فهي اقتصاد السوق الأكثر نجاحاً كما يتضح. لكنها لن تستقر إلا إذا التزمت بالعدالة الاجتماعية فذلك أساس ( شرعيتها ). وعلينا مراقبة القوى المضادة اليـوم التي نتابع، بعواطف جياشة أحياناً ( مقاومتها ) للنفوذ الأمريكي كيف ستقاوم حقاً الدخول في الفلك الأمريكي إذا دعيت إلى مؤتمر أو غيره أو جاءتها إشارة إصبع من الشيطان الأكبر! نأمل ألا تخيب ظن أحد.

- على الصعيد الخليجي نشهد للتيار الليبرالي ( المتأمرك ) صعوداً ( اصطناعيا ) يشابه في الكم ويختلف في النوع والتوجه، الصعود الذي صادفه التيار الإسلامي ( السلفي ) في حقبة الثمانينيات، إذ يتاح حالياً لتيار ( اللبرلة ) مالا يتاح لغيره من دعم مادي وسياسي خارجي واحتفاء استثنائي برموزه وسعي حثيث للترويج عربيا وخليجياً، غير أنه على الرغم من هذا الصعود لا يجد المراقبون أي تجذر لهذا التيار في التربة الشعبية، السؤال هو: هل من مستقبل للتيار الليبرالي في المجتمعات الخليجية/ العربية المحافظة بطبيعتها؟

- التيار (الليبرالي) إذا لم يعمد إلى تجذير أفكاره في تربته الإنسانية العربية المسلمة بالتوافق والتصالح مع ما في تراثها الإسلامي من طاقات تجديدية وتحديثية وواصلت بعض عناصره تحدي واستفزاز الناس في إيمانهم الذي يحتاجون إليه، فإن مصير هذا التيار لن يكون غير الإخفاق.

ولكن ثمة حاجة أيضاً إلى تطعيم النظم الإسلامية بجرعات ليبرالية من نتاج العصر. وأتمنى لو أن كل مواطن عربي قرأ مقدمة الدكتور محمد حسين هيكل، لكتابه القيّم ( حياة محمد )، وهي وثيقة في غاية الخطورة كشهادة تاريخية من سخونة الواقع، وقد اقتبست منها وحللتها مطولاً في كتابي الفكري الأول (تحولات الفكر والسياسة، عالم المعرفة، الكويت 1980).

أما التيار المضاد الآخر والذي كانت بداياته الراهنة في أفغانستان في ظروف دولية مشبوهة غدت واضحة للجميع، فإنه بمعاداته للتقدم الإنساني الحضاري وما انطوت عليه الحضارة الإسلامية ذاتها من عقلانية وثورة ضد التقاليد العمياء وتقديس الأجداد والأسلاف، فإنه ( قرة عين ) القوى التي لا تريد للعرب والمسلمين تقدماً حقيقياً والتي تبحث عن (شواهد) واقعية تثبت مزاعمها بمعاداة الإسلام للتقدم والتسامح.

أما مسـألة احتفاء بعض القوى المحلية والدولية ببعض رموز التيار الليبرالي حالياً، فلا أجد ما أتمثل به إلا الآية الكريمة: ( أما الزبد فيذهب جفاءً، وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض ) وبعد الحرب العالمية الأولى قام الرئيس الأمريكي تيودور نلسون بحملة ( ديمقراطية ) على شعوب العالم الثالث أكثر تحضراً وذكاء مما نراه حالياً لكن الديمقراطية بقيت حيث لها جذور، وتلاشت حيث هي غريبة عن التربة التي هاجرت إليها! ولن تقوم أية ديمقراطية إلا باستعداد التربة المحلية لها..والباقي قبض الريح!

- ( الفوضى الخلاقة ) ذلك المصطلح الجديد الذي تتبناه الإدارة الأمريكية المحافظة الحاكمة حالياً، والذي أضافته إلى أدبياتها المبشرة لتسويق مشروع الشرق الأوسط الكبير بما يصنفه المحللون السياسيون ( أعلى مراحل التبعية )، ماهو تقييمك لفرص نجاح هذا المشروع مع ملاحظة تصاعد قوى وثقافة الممانعة في مواجهة ثقافة الاستتباع، ليس في المنطقة العربية فحسب بل في العالم بأجمعه؟ (يلاحظ في هذا تظاهرات أميركا الجنوبية ضد زيارة بوش).

- دخل مصطلح (الفوضى الخلاقة) أو المبدعة ضمن سياق سياسي أمريكي يستدعي المسـاءلة عن حقيقة النوايا خلفه حيال العرب، خاصة تماسك دولهم الوطنية القائمة، وهو مفهوم مخفق حتى في مضمونه العملي والفلسفي فكيف للفوضى أن تكون خلاقة ؟!

ولكن مصطلح (الفوضى الخلاقة) - وإن أخرجه الأمريكان من أضابير اللغة الأيديولوجية المستهلكة - فهو ليس مصطلحاً جديداً.

إن الراصد لتحولات الحياة العربية، يمكنه أن يتذكر أنه منذ منتصف القرن الفائت مارست جماعات (تروتسكية) وفوضوية هذه المفهوم حيال الأوضاع العربية في محاولات للتشويـش على مشروعات التطوير والتغيير المسؤول في المنطقة العربية إن (الفوضى الخلاقة) كما يصفها أصحابها قد مورست، على سبيل المثال، ضد اللغة ! نعم ضد.. اللغة !

كانت مدرسة قصيدة (التفعيلة) التي مثلها السياب والبياتي ونازك الملائكة وخليل حاوي وأحمد عبد المعطي حجازي وصلاح عبد الصبور سائرة في تطويرها الحضاري المسؤول للغة الشعرية العربية والشعر العربي. فجأة ظهرت علينا مدرسة ما سُمّي (قصيدة النثر) التي لا تعدو كونها ترجمة رديئة لقصائد فرنسية وإنجليزية أو أصداء لتلك الترجمات للمبتدئين الذين لا يجيدون لغة عالمية.

وجاءت قصيدة النثر بمثابة (عز الطلب) لكل مبتدئ لا يريد أن يبذل جهداً في دراسة الشعر ومقوماته. ما عليه إلا أن يركب كلمات (توحي) بالعمق والإشارات الغامضة دون أن تكون ثمة معايير نقدية صالحة لتقويمها.

وللأسف فقد نشأت على هامش هذه الظاهرة غير الصحية (مدرسة) نقدية فصلت (النص) عن الحياة وجعلته (اقنوماً) مقدساً و (لا حقيقة خارج النص) حسب زعمها في مناقضة معرفية لكل ما تعارفت عليه مناهج النقد الرصين، بل وصل الأمر إلى تدريس تلك النصوص و (نقدها) في الجامعات، بما أدى إلى تخريج (ضحايا) كثيريـن لتلـك (الفوضى)! وللأمانة ربما كان ثمة شعراء مبدعون أصابتهم العدوى، فضاعت مواهبهم في دهاليزها وهؤلاء هم أكبر ضحاياها!

إن الفن الجيد ليس مطالباً بالخضوع لمعايير خارجة عنه، لكنه إن كان جيداً فلابد أن يستطيع النقاد استخراج معاييره من داخله. هذا ما تفتقده قصيدة النثر العتيدة مع تعاطفي مع من أمضوا حياتهم وهم يحاولون إنتاجها !!

الجدير بالملاحظة أن الشاعر أدونيس، وله قصائد ممتازة من شعر التفعيلة، وقف وقفة مراجعة واعتراف قبل سنوات فوصف تلك اللغة الرديئة المسماة (قصيدة النثر) بأنها أصبحت (كتابة بدون كاتب)، بعد أن دشنها هو شخصياً في قصيدة نثر عام 1961 في مجلته (مواقف) بعنوان: (قبر إلى مدينة نيويورك) أو ما يقرب من هذا المعنى داعياً في حنينه إلى تأسيس ما دعاه اللغة الجديدة بنهـج (التخطي والتجاوز) وغيرها من كلمات لا تعني في الواقع شيئاً إلا الوقوع في الفراغ والعدم. فالتغيير المسؤول يقدم مشروعاً محدداً للغد لا تهويماً لغوياً في الفراغ، وهذا ما يقع فيه اليوم كثير من (المثقفين) الذين نشـأوا على ثقافة كهذه.. ثقافة الفوضى الخلاقة !

والملاحظ أن أدونيس عاد إلى تقديم قصائده من مدرسة التفعيلة وصــار يتجنب (قصائد) نثره، إن صحت تسميتها بالقصائد.

وعلى الرغم من مرور عقود على هذه (الفوضى الخلاقة) فإن أحداً من نقادها لم يقم بجمع عدد من نماذج قصيدة النثر في كتاب واحد كما تم جمع مختارات الشعر الجاهلي والعباسي والحديث.. إلخ و( قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين ).

يقال اليوم لأولئك وهؤلاء.. أعني قدامى مدرسة الفوضى الخلاقة في اللغة ومحدثي الفوضى الخلاقة في السياسة.. إلى الآن لم نجد في ظل الفوضى الخلاقة – سياسياً – غير السيارات المفخخة وقتل الأبرياء والتمهيد لحروب أهلية وما هو أسوأ منها.

أما فيما يختص بتنامي ظاهرة الممانعة ضد هذه النزعة التخريبية - في الثقافة والسياسة على السواء - فأرجو أن تستند هذه الظاهرة إلى مقومات موضوعية غير عابرة وأن تمتلك بديلاً فلسفياً وسياسياً صلباً وليس مجرد شعارات وصراخ لا تغير من حقيقة العالم شيئاً !

- تتبنى دوماً ضرورة التأسيس لمجتمع مدني حديث للتعليم والتنمية ضمن مشروع إصلاحي شامل وطويل، مع ضرورة عدم إغفال الواقع المجتمعي أو ما دعوته ( القاع السوسيولوجي )، بل وتحذر من معاودة إنتاج التخلف لذاته إلى ما لا نهاية، هل المطلوب فكر اجتماعي حداثي يتجاوز مسلمات المجتمع العربي وثوابته القارة؟ أم المطلوب ثورة تصحيح شاملة تستنبت الإيجابيات ضمن أطر وثوابت المجتمع العربي الاسلامي؟ وكيف يتم ذلك؟

- هذا أمر لا مفر منه. لقد تجاوزت أمم ناهضة كثيرة عوائقها الموروثة القديمة. وهي في تقديري، وبالنسبة للتكوينات العربية، معطيات مجتمعية اختفت بعض الوقت تحت قشور التحديث والتقدم ثم عادت تطل برأسها لدى كل تأزم.

وأود التشديد على أنها تكوينات مجتمعية، من القاع السوسيولوجي، في الأساس لكنها قادرة على التأثير في الفكر الديني والسياسي وفي الحياة الاجتماعية بعامة ولا ينحصر تأثيرها في حد ذاتها.

فالموقف من المرأة مثلاً مرده إلى أعراف قبلية تتلبس فقهاً دينياً وتفرض نفسها على حياة الناس. ومن زاوية التاريخ، نعلم أن الإسلام دعا إلى تجاوز القبلية وغيرها من العصبيات، لكن هذه الترسبات المجتمعية بقيت وأعاقت تطور الحضارة الإسلامية ذاتها وفي ظهور مختلف الفرق والمذاهب نلاحظ شبح العشيرة خلفها !

يقولون فتش عن المرأة وأقول في تفسير تاريخنا العربي الإسلامي: فتش عن العشيرة!

ومنذ البدء كان سؤال الفكر السياسي في تاريخنا: (من يحكم) وليس كيف يكون الحكم!

وفي تقديري، أن الاختبار المصيري اليوم هو كيف نقوم بإصلاح وتصحيح شامل يتجاوز هذه التضاريس التاريخية ونأخذ منها العبرة بشرط إذابة الترسبات والعصبيات في إطار مجتمع مدني - وذلك ما سيأخذ وقتاً طويلاً وهو معيار النجاح.. نجاحنا نحن.. وليس خروج متظاهرين في أمريكا اللاتينية!.