الديمقراطية... وإعادة بناء الثقافة الوطنية

 

د. حسن حنف

 

كثر الحديث عن الديمقراطية في الآونة الأخيرة. امتلأت بها الصحف والقنوات الفضائية والندوات المحلية والمؤتمرات الدولية. وصب فيها رأس المال الدولي مئات الملايين من الدولارات حتى ملأت الدنيا وشغلت الناس. وهي موجة من موجات الاستقطاب الذهني مثل العولمة، وحوار الحضارات، وحقوق الأقليات، وحقوق الإنسان، وحقوق المرأة، بعيداً عن مصالح الناس المباشرة، الفقر والفساد.

وكثرة الحديث عن شيء تعني أنه لا يتحقق، واستعمال الكلام كغطاء على إبقاء الأمر الواقع كما هو، القهر والتسلط  لذلك يحدث رد الفعل عند جماعات العنف السياسي بإعطاء الأولوية للأفعال على الأقوال والإعداد لقلب بعض نظم الحكم التي أسهبت في استعمال الأقوال كغطاء يخفي العجز عن الأفعال أو عدم القدرة عليها أو الرغبة فيها وكثرة اليقين توحي بالشك لأنه لا وجود ليقين مُطلق.

مازال الحديث عن الديمقراطية يخضع لعقلية المفتاح السحري القادر على حل كل شيء مثل "الإسلام هو الحل"، "الديمقراطية هي الحل". إذ لا يوجد حل إنساني واحد لكل شيء. بل هناك عدة حلول لبعض الأشياء.

والسؤال هو: مَن يريد الديمقراطية بالفعل؟ مَن الصادق في قوله من بين آلاف المقالات والنداءات؟

وهل الذي يتحدث عن شيء يفعله أم أن الحديث مكتفٍ بنفسه بدعوى التوعية كما هو الحال في الوعظ الديني؟

من هم أصحاب المصلحة الحقيقية في الديمقراطية على مستوى الأفعال وليس على مستوى الأقوال؟ ما هي العقبات التي أمامها والتي لا يزيلها أحد، ويُكتفى بالبكاء والعويل أمام الحائط المنيع؟

هناك ثلاث قوى رئيسية تتحدث عن الديمقراطية إلى درجة الصراخ. القوة الأولى الولايات المتحدة الأميركية والبلدان الأوروبية وإسرائيل فيما يسمى بـ"مشروع الشرق الأوسط" الجديد أو "الكبير" حتى يضم إسرائيل. ويطول الخطاب إيران وتركيا.

والدعوى هي القياس على العالم الحر، وتدعيم القيم "العالمية"، واتخاذ النموذج الغربي نموذجاً للتحديث وحتى تقل كراهية وعداء عالم الستار الحديدي ومحور الشر وجماعات الإرهاب للغرب: "لماذا يكرهوننا؟". وهي كلمة حق يُراد بها باطل إذ يعني المشروع الأميركي الصهيوني بها الليبرالية الاقتصادية وليس السياسية، والخصخصة والسوق والربح، وتخلي الدولة عن سيطرتها على أدوات الإنتاج.

فالعالم قرية واحدة. والعولمة عصر الجميع. والمنافسة حرة، والمجتمع المدني المفتوح له الأولوية على الدولة الأيديولوجية المغلقة، والشعوب في حاجة إلى استهلاك والتمتع بمستوى الحياة الأميركية. والإنتاج مهمة الدول الأخرى مثل مجموعة الثماني الأكثر تصنيعاً.

والعدالة الاجتماعية مؤجلة. تعني الديمقراطية الرأسمالية الاقتصادية دون قيمها الليبرالية في العقلانية والترشيد واحترام قوانين المنافسة الحرة دون احتكار أو تلاعب بالأسواق أو التهرب الضريبي.

والقوة الثانية بعض نظم الحكم القائمة. فإنها تروج للديمقراطية في أجهزة الإعلام الرسمية، مَلكية أكثر من الملك، رضوخاً للضغوط الخارجية لتلقي المساعدات الأجنبية، ودفاعاً عن نفسها ضد الكرباج الذي تلهب به القوى الخارجية ظهرها، وورقة الضغط الخارجي عليها مع ملفات أخرى مثل ملف حقوق الإنسان وملف الفساد.

أحياناً تستعمل الديمقراطية من بعض نظم الحكم للاستهلاك المحلي ولاتقاء نقد أحزاب المعارضة والمزايدة عليها وملء الساحة بالخطاب الديمقراطي حتى على مستوى الأقوال دون الأفعال. وإن حدثت أفعال فإنها تتم نفاقاً ورياءً.

واجهة ديمقراطية دون مضمونها مثل معظم مجالس الشعب والشورى القائمة التي أتت إما بانتخابات مزيّفة لصالح الحزب الحاكم أو بالتعيين، كلها أو جزء منها هي ديمقراطية الحزب الواحد بالرغم من التعددية السياسية الصورية.

لا ترى حرجاً في تغيير مواد الدستور من أجل مد حكم الرئيس مدى الحياة أو من أجل التوريث أو من أجل سن قوانين ضد الديمقراطية مثل الأحكام العرفية وقوانين الطوارئ وقوانين مكافحة الإرهاب، وتحريم انشغال الجمعيات الأهلية والجامعات بالسياسة، وملء السجون بالمعتقلين السياسيين، والتشريع لمعارضة مستأنَسة دون السماح لأحزاب معارضة لها رصيد في الشارع السياسي.

والقوة الثالثة بعض أحزاب المعارضة السياسية ذاتها التي تستعمل ورقة الديمقراطية كأداة ضغط على النظام ووسيلة لزعزعته. فهي من ضمن أدوات الصراع السياسي في الداخل. وبعض الأحزاب الليبرالية تستعمل الورقة لكسب رضا القوى الخارجية عليها كما يفعل الليبراليون الجدد الآن بما في ذلك التطبيع الفوري مع إسرائيل.

وفي نفس الوقت أيضاً لتكسب رضا الشعوب التي تتوق إلى الحرية والديمقراطية. ولا ترتبط الديمقراطية بمشروع متكامل يضع مع الحرية العدالة الاجتماعية ومع الديمقراطية التخطيط الشامل. أما الجمعيات الأهلية فإنها مازالت محدودة الأثر، محاصرة، تخاطب النخبة. ويتصدَّر نشاطها موضوع حقوق الإنسان.

هنا تكمن أزمة الديمقراطية. لا تجد قوة سياسية تدافع عنها في الخارج أو الداخل، شكلاً ومضموناً، دفاعاً عن مصالح الشعوب. لا أحد يؤمن بها.

الكل يستغلها لصالحه الخاص، والخاسر هو الشعب. إنما يكون الإخلاص للديمقراطية بنزع جذور التسلط من الثقافة الوطنية الحامل لتراث طويل من ثقافة الإكراه التي تحولت إلى بنية اجتماعية تقوم على التسلط. خلقت مجتمع "سي السيد"، في الأسرة، الأب أو الأخ الأكبر، وفي المجتمع، الشرطي ورئيس المؤسسة أو الهيئة المتكرر في المديرين العموميين ورؤساء الهيئات والوزراء، وفي المؤسسات الإعلامية والتعليمية، رئيس التحرير وناظر المدرسة... إلخ.

تكمن أزمة الديمقراطية في سيادة الثقافة المضادة واستمرارها بل وترسيخها بعد انهيار التجارب التحديثية المعاصرة، الليبرالية والاشتراكية والقومية، بل والدينية والماركسية، لأن الثقافة الوطنية الحامل للنهضة القومية مازالت تقوم على عناصر مناهضة للحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية.

مازالت الثقافة الوطنية تقوم على عناصر مناهضة للديمقراطية والتعددية السياسية والانتخابات الحرة.

هي أزمة الأقوال المأثورة عن القدماء مثل "إن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن" والتي تعطي الأولوية للحكومة على الشعب، والسلطة السياسية على الحق السياسي. هي أزمة الفقه السياسي الذي يهمش تراثاً فقهياً يقوم على النصيحة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

فأعظم شهادة "كلمة حق في وجه إمام جائر". هي أزمة الأمثال العامية التي ترسبت في الوجدان الشعبي مثل "إن كان ليك عند الكلب حاجة قول له يا سيد"، "الباب اللي يجيلك منه الريح سده واستريح"، "ابعد عن الشر وغني له".

الحل إذن هو إعادة بناء الثقافة الوطنية من الأساس، وإعادة تأسيسها ليس على ثقافة الإكراه بل على ثقافة الاختلاف، وأن الكل راد ومردود عليه، وأدب الحوار ضد امتلاك الحقيقة والاستئثار بالرأي، "ما خاب من استشار".

وفي فقه الاختلاف لو خالف واحد إجماع الأمة يكون الإجماع ناقصاً احتراماً للرأي الآخر. الحل هو تثوير الثقافة الوطنية وجعلها الحامل الرئيسي للنضال السياسي والنهضة القومية. الحل هو تحريك الأغلبية الصامتة وحشد الناس دفاعاً عن مصالحهم العامة حتى تخرج الديمقراطية من معركة النخبة إلى نضال جماهيري واسع. فتعود الأمة إلى مسارها التاريخي دون توقف.

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر:الإتحاد الإماراتية-8-9-2007