دور المجتمع المدني في بناء الدولة

 

 

الدولة في منطقتنا العربية مازالت تعيش الارث التاريخي لدولة الفرد، الحاكم، دولة الاستبداد والتسلط،وان وضعت لها في بعض الاحيان بعض الرتوش من القانونية والشرعية، ولكن حتى هذه الرتوش ومحاولة شرعنة الوجود واكتساب شرعية مؤسساتية،لم يخضع لها الحكام بل تعاملوا معها بكل استهانة واستخفاف، فبقيت متشبثة بالارث الاستبدادي لاتستطيع مفارقته.

ومن هنا وعلى وفق تصنيف الباحثين فان الدولة في منطقتنا مازالت دولة قديمة،لم تستطع ان تحتضن روح العصر او تتلاءم معه، لان (دولة القانون من أهم معايير الانتماء إلى العصر الحديث، اذ إن أكثر ما يميز الدولة الحديثة عن الدولة القديمة هو أنها دولة قانون، بينما ليس للدولة القديمة من مرجع سوى شخص حاكمها) والاطار المجتمعي لدولة القانون وفاعليته هو الذي يكسب الدولة شرعيتها.وهنا يثبت دور الاطر المجتمعية وتشكيلاتها في عملية بناء الدولة.

يقول محمد عبدالجبار الشبوط: (يدخل الناس في علاقات وروابط ومؤسسات تكون الدولة طرفا في البعض منها، فيما يكون البعض الاخر منها طوعياً وتعاونياً بعيداً عن سلطة الدولة ونفوذها وتدخلها.

وهذا النوع الثاني من العلاقات والروابط والمؤسسات، اي ما كان خارج سيطرة الدولة، هو مايشكل ما يسمى بالمجتمع المدني، الذي لا يمكن الحديث عنه بعيدا عنها او بدونها، بل ان المجتمع المدني ليس في الحقيقة شيئاً اخر غيرها) والعلاقة بين المجتمع المدني والدولة كما يرى الشبوط ( وتشكل هذه الروابط حيزا بين الفرد والدولة، حيث تقوم بحماية الفرد من الانكشاف امام الدولة، وتؤمن استقلاليته عنها، كما من مسؤوليتها حفظ سلوك الفرد من الاعتداء على الدولة، او تجاوز النظام العام.

فهي تقوم بدور الحامي ( للفرد ) والضابط ( لسلوكه ) في وقت واحد) ويؤكد الباحثون على ان وجود المجتمع المدني هو العلامة الفارقة لوجود الدولة، ومن دون هذا لا يمكن ان تكون هناك دولة (ولا يعني الحديث عن المجتمع المدني تصور وجود للدولة او مناقض لها، انما هما، اي المجتمع المدني والدولة، طرفان متكاملان، بهما معا يتقوم وجود الأمة او الجماعة او المجتمع. فلا يمكن تصور دولة من دون مجتمع مدني، ولا يمكن تصور مجتمع مدني من دون دولة.

ولهذا نقول: ان الدولة التي تلغي وجود المجتمع المدني، بمعنى انها تلغي حق الافراد في الدخول في العلاقات والروابط والمؤسسات المستقلة عنها، انما تفقد في الواقع صفة الدولة، وتتحول الى محض سلطة، غالبا ما تتماهى مع شخص الحاكم.

ماذا يعني غياب الدولة؟

يقول الشبوط: (ان غياب الدولة لا يعني بالضرورة وجود مجتمع مدني قوي، انما قد يؤول أمر المجتمع ككل الى الانكفاء على منظومات فرعية، تستبدل الانتماء القومي او الوطني الواسع، بانتماء فرعي اضيق، مناطقي او طائفي او عرقي او عائلي، بانتظار قيام الدولة مرة اخرى. وفي احيان كثيرة قد يؤدي غياب الدولة وغلبة الانتماءات الفرعية الى قيام حروب اهلية بين المنظومات الفرعية بهدف السيطرة على مزيد من الارض او اكتساب المزيد من القوة او مصادرها، خاصة في ظل غياب تقاليد ديمقراطية راسخة تمكن المجتمع من اعادة انشاء الدولة بعد انهيارها، كما حصل في لبنان اثناء الحرب الاهلية. وفي هذه الحالة قد تبدو المنظومات الفرعية في حاجة الى ضامن خارجي لاعادة اللحمة الاجتماعية واعادة بناء الدولة.

يقول الدكتور هشام يونس: (الدولة، سلطة اجتماعية،نتاج عقد اجتماعي تفويضي من قبل الجماعة المنضوية في المجتمع المدني في حين أن واقع الدولة العربية المعاصرة يقارب في الكثير من وجوهه والحالات القائمة النظم الشمولية حيث تمنح الدولة حكماً مطلقاً استبدادياً متجاوزاً لطبيعتها التفويضية بل انها تصطنع وتعيد انتاج ما تسميه مجتمعاً مدنياً بمؤسسات،جمعيات وأحزاب زائفة التمثيل مصطنعة بغية منحها صورة دينامية اجتماعية وهمية).

لقد أدى تجاوز الدولة العربية المعاصرة بشكل عام،لمهمتها الحقيقية والطبيعية الى وضع المجتمع المدني العربي خارج موقعه الطبيعي وتقويض دوره والذي هو محرك عملية التطور الاجتماعي وتقدم وتطورالدولة عينها كتعبير نظمي عن تطور الجماعة وصيرورة العقد الإجتماعي وهو ما أدى بالتالي الى سقوط الدولة العربية بسقوط موضوعها.فكما ان الدولة ترعى المجتمع المدني وتوفر له سبل النمو فإن المجتمع المدني هو الذي يحمي الدولة من الجمود والشيخوخة ومن ثم التآكل والتهاوي.

فالعقد الاجتماعي عقد صيرورة يعيد انتاج الدولة ويجددها ويمدها بالحيوية وبالتالي فإن تنكرالدولة لوظيفتها وهويتها الاجتماعية قد أفرغها من موضوعها المعرفي والإجتماعي الحيوي وهو ما جعلها ساقطة بالقوة ما قبل سقوطها بالفعل.

وهو ما سينعكس بالتالي، نظراً لطبيعة العلاقة الجدلية ما بين " الطرفين" الإجتماعيين، على المجتمع المدني. حيث يمسي المجتمع المدني بشرائحه وقواه مكشوفاًَ لمخاطر لا حصر لها وسط تفكك إطار الدولة مع تفكك العقد الإجتماعي من حولها.

الدولة والمجتمع المدني.. علاقة تكامل

ان المجتمع المدني لا يشكل بديلا عن الدولة، خاصة انه لا يشكل بديلاً مناهضا ومعارضا لها، حيث ان هناك من يتهم الدولة بالهرم والتحجر وبالتالي فلابد من تهميش دورها ومن ثم إزالتها، يرى هذا المنظرون لاقتصاد السوق الذين ينظرون الى العالم على انه سوق كبيرة، او عدة أسواق فتصبح في هذه الحالة الدولة غير ذات جدوى،لأنها تشكل عقبة أمام اقتصاد السوق وحركة رأس المال، إذن لابد من ملاحظة ان ( المقولة الرائجة اليوم عن كون الدولة الوطنية سيتم تجاوزها، ليست ذات مضمون واحد بالنسبة للدول كلها، فالذين يتوقعون تحلل الدولة الوطنية يستندون الى حقائق العولمة المتمثلة في الشركات العملاقة التي لا جنسية واحدة لها ووسائل الاتصال التي تخترق الأجواء والحدود كافة إضافة الى الثورة المالية وحركة رؤوس الأموال والاستثمارات، وكل ذلك وغيره قد خلق واقعا جديدا يتجاوز الدولة الوطنية بآلياتها التقليدية، وهو ما أصبح يمس مفهوم السيادة إضافة الى مامر ذكره فان رجال الأعمال في الغالب لا يحبون الدولة فهي عندهم مفسدة للاقتصاد وهي تاجر مخفق،وصانع مخفق، الى آخر السلسلة من المثالب التي تلحق عسفا بالدولة،ان كل هذه المعايب التي تلصق بالدولة، كان أهم أسبابها، غياب دولة القانون وشيوع ما يسمى بالدولة( الرخوة ) التي تحتضن الفساد والإفساد والمحسوبية وغياب الشفافية في عملها، او وجود مايسمى بالدولة المستبدة الامنية التي ينتشر في ظلها القمع والإرهاب وغياب المشاركة السياسية، وتحكمها قيم قبلية وطائفية وعرقية ومن ثم غياب المواطنة،وغياب الولاء الوطني وانزياحه لولاءات فرعية.

ان مجمل ما ذكر يمكن إصلاحه، واهم آليات الإصلاح هو بناء وتطور المجتمع المدني،لان وجوده الفاعل يعني وجود دولة القانون،وجود المشاركة السياسية، وبناء المواطنة وتحقيق الانتماء الوطني، لان هناك علاقة عضوية ثابتة بين المشروع الديمقراطي والمجتمع المدني حيث لا يتحقق أي منهما في غياب الآخر،فلايمكن الحديث عن مجتمع مدني حقيقي في اطار دولة ضعيفة وهشة اوتسلطية وتابعة وناقصة او فاقدة الشرعية،بناء المجتمع المدني وتفعيله تتضمن في الوقت نفسه اعادة بناء الدولة بحيث تصبح دولة مؤسسات وقوانين يتم فيها الفصل بين السلطات الثلاث ( التشريعية والتنفيذية والقضائية ) تلتحم بمجتمعها المدني وتتفاعل معه تعبيرا عنه وانبثاقا منه.

من خلال ما يقدمه المجتمع المدني وتنظيماته من سند واستشارة ورقابة وتوجيه ومتابعة لخطط الدولة وبرامجها، وتحقيق تعبئة اجتماعية باتجاه البرنامج التنموي للدولة في جوانبه السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية، لما يمثله المجتمع المدني من انتشار واسع، ولجميع أطياف المجتمع وفئاته، على اعتبار أن مؤسسات المجتمع المدني هي قرينة الحداثة وادوات للتحديث في الوقت نفسه.

ومن هنا نرى أن المجتمع المدني يتكون من مؤسسات ومنظمات غير حكومية ونقابات مهنية وثقافية، وتعاونية، ووسائل إعلام خاصة، والتي تشغل الفراغ المحصور بين المجتمع السياسي(الدولة) والشعب او المجتمع.

مهمات المجتمع المدني

من مهام المجتمع المدني إعداد وتدريب قادة سياسيين جدد. يمكن لجماعات المصالح والحركات الاجتماعية وفعاليات المجتمع المختلفة أن تقوم بتدريب وإعداد مجموعة أكثر تنوعا وأغنى تمثيلا من القادة السياسيين الجدد، على نحو قد لا تتمكن الأحزاب السياسية من القيام به.

ونظراً للسيطرة التقليدية للرجال على مقاليد الحكم، يعتبر المجتمع المدني قاعدة هامة بصورة خاصة لتدريب النساء (وأفراد الجماعات المهمشة الأخرى) ودفعها إلى مراكز القرار السياسي. وحيثما تصبح الأحزاب غير قادرة على رفد الحياة السياسية بقادة جدد، فإن هذا الدور الذي يلعبه المجتمع المدني يمكن أن يكون حاسماً في إحياء الديمقراطية وتجديد مشروعيتها.

يقول الدكتور هشام يونس: (في العودة الى الدولة والوقوف عند وظيفتها،يحضرني التعريف الخلاق لهيغل حينما اعتبر الدولة تحقق "للأخلاق الفردية" ومن ثم الجماعية، هدفاً تبلغ فيه الحرية، تحققها الأعلى. من هنا فإن مبحث الدولة" هو حكماً مبحث أخلاقي، حيث لا تظهر الدولة في "الأخلاق المجردة" (Abstract Moral) بل ليس في مقدورها أن تظهر لأنها تقتضي شروطاً واكتمال عناصر لا تتوفر إلاّ في "الأخلاق الاجتماعية" (Social Ethics) الفعلية،وحيث "فيها وحدها يكون للإنسان وجود عاقل".

يقول ديندار شيخاني: (بناء دولة ديمقراطية عصرية من قبل المواطنين لا يقتصر فقط على مشاركتهم في الانتخابات، بل ان هذه المشاركة تأخذ صيغتين: اولاهما (المجتمع السياسي) عندما ينتظم الناس في الاحزاب السياسية بغية خوض انتخابات ديمقراطية وتشكيل حكومة دستورية. وثانيتهما (المجتمع المدني) بدخول المواطنين طوعياً في عضوية مؤسسات المجتمع المدني، أي التي لاتتعامل مع السياسة مباشرة، بل تعمل على مساعدة الحكومة من دون مقابل في مجالات خدمة الناس وبناء خلفية مؤثرة في السياسة لصيانة ودعم وتطوير الديمقراطية.

دولة المجتمع المدني

الدولة إذن، هي الروح الموضوعية التي يكون لكل مواطن شعوره فيها والدولة، بهذه الصفة، بوصفها الحقيقة الواقعية للحرية العينية، هي التي تتولى كفالة الحريات الفردية والمصالح الفردية ونحوها فيما يتعلق بما هو مشترك بين المواطنين.

ليس المقصود ان يشكل المجتمع المدني معارضة سياسية في مواجهة الدولة إذ أن فاعلية المجتمع المدني تنطوي على أهداف أوسع وأعمق من مجرد المعارضة،إنها المشاركة بمعناها الشامل، سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وثقافيا، و هذه المشاركة هي التي تسمح للمجتمع المدني وتتيح له فرصة مراقبة جميع البنى الاجتماعية بما فيها الدولة نفسها وضبطها وتصحيح مسارها، ان وظيفة المجتمع المدني هي وظيفة تسييرية شاملة للمجتمع كله،يحافظ فيها المجتمع المدني على استقلاليته عن الدولة، وعلى وفق تعريف الدكتورة ثناء فؤاد عبد الله فان المجتمع المدني ( كل المؤسسات التي تتيح للأفراد التمكن من الخبرات والمنافع من دون تدخل او توسط الحكومة.

وتتخذ منظمات المجتمع المدني أهدافا وأدوارا تعمل على تحقيقها في تمتين الهوية والولاء الوطنيين ورفع مستوى المشاركة الشعبية في الحياة السياسية والاجتماعية، وان أية دولة لديها مجتمع سياسي، يمكن ان تقدم بعض الحرية لمواطنيها، ولكن لا نستطيع ان نبني مجتمعا ديمقراطيا من دون مؤسسات المجتمع المدني التي هي هيكل البناء الديمقراطي وهي على رأس القائمة في متطلبات التغيير الاجتماعي والسياسي ).

ولابد لنا أن نقول، (لا وجود للمجتمع المدني من دون حماية الدولة له ، ولا بناء لمجتمع مدني من دون بناء للدولة، فالدولة والمجتمع المدني واقعان متلازمان، الدولة تستمد من المجتمع المدني قيمها وقواها وسياساتها، والدولة الوعاء او الإطار الذي يحتضن ويؤطر حركة المجتمع المدني ونشاطه، ومن دون مؤسسات المجتمع المدني تنفرد الدولة بالمجتمع لتفرض سيطرتها ).

إن الدولة لدينا( في العراق ) لم تكن تلك الدولة التي تحمل مشروعا وطنيا، ولم تكن النخب التي أقامتها او قدمت لها الإسناد تحمل مشروعاً كهذا، فانها بقيت قشرة رقيقة، ما جعلها معرضة للتقلبات الشديدة والتغيرات السريعة، لأنها عاشت وتغذت على العصبيات ( الهويات الفرعية ) التي انطلقت بعد ان نمت وترعرعت داخل مجتمع عصبوي (القبلية، الطائفية، العرقية، المناطقية) وتشكلت الولاءات للمكونات الفرعية ما أدى الى ضعف الولاء الوطني ووهنه، وبقيت الدولة خاملة نحيلة تشكل في المشهد الاجتماعي قشرة رقيقة هشة، وهذه الهويات غير مفتوحة الأفق لتكوين امة او تكوين هوية وطنية شاملة، انشغلت بالانتماءات الفرعية وتقودها نخب كانت ذات مصالح تخدمها الفرقة أكثر مما يخدمها الاجتماع ولابد لنا الا ان نتفق مع الدكتور برهان غليون في قوله :لا تنجح الدولة في الاستقرار والاكتمال إلا بقدر ما تنجح ممارستها في تحقيق مفهومها او برنامجها وقيمها سواء أكانت وطنية ام دينية،ففي هذه الحالة يتحول خضوع الأفراد بالقوة للجهاز الى ولاء للدولة كسلطة شرعية ومقبولة ومصدر هذا الولاء هو حصول الانتماء الى الدولة كمصدر لقيم اجتماعية أي كمركز لمشروع جماعي ممكن ومقبول، وفي السياق العراقي مازلنا نعيش مؤسسات وثقافة ( ما قبل الدولة) ولم نصل الى المجتمع المدني وثقافته، وقعنا تحت طائلة النسق القرابي الذي ( يفرق ) أو ( يبعد ) بين أبناء المجتمع.

من دون المجتمع المدني يكون الأفراد مجرد أشياء وليسوا مواطنين في دولة ديمقراطية، فالديمقراطية اذ تعني المشاركة في القرارات التي تؤثر في حياة الفرد ومصيره يستحيل ان توجد من دون مجتمع مدني، (وتتجسد المواطنة) بحصول الناس بغض النظر عن الفوارق الطبيعية والمكتسبة، على الفرص نفسها من المساواة في التعامل امام القانون في ظل الحريات العامة واذا كانت الديمقراطية تعتمد على المواطنة أساسا لبنائها فأن خصوصية المجتمع المدني وشرطه التاريخي كما يقول (عزمي بشارة) هو مفهوم المواطنة، فتطور مفهوم المجتمع المدني مرتبط بتطور مفهوم المواطنة.

أدوار المجتمع المدني

فإن وجود مجتمع مدني نشط من شأنه أن يشجع احترام المواطن للدولة والتعاطي الايجابي معها، وذلك عبر تعزيز قيم المساءلة والتفاعل والتجاوب، ومن ثم يحمي شرعية النظام السياسي. وفي النهاية، من شأن ذلك أن يحسن من قدرة الدولة على الحكم وعلى نيل ثقة مواطنيها.

علاوةً على ذلك، فإن قيام شراكة غنية بين المواطن والدولة يعطي نتائج إيجابية أكثر بكثير من تركيز الطلبات على الدولة، كما أنه يضاعف من قدرة الجماعات على تحسين وضعها والتخفيف من اعتمادها على الدولة.

وهكذا يمكن لجهود التنمية الفعلية أن تخفف من عبء التوقعات والآمال المنتظرة من الدولة، وبالتالي التخفيف من المخاطر السياسية، خاصةً على الصعيد الوطني في ظل النظام الشمولي الذي حكم البلاد والعباد، والذي تميّز بالتماهي بين الدولة والسلطة والمجتمع والحزب، واختصرت كلها في شخصية الحاكم، بعيدا عن أية مؤسسات رقابية حقيقية، بل السلطة الاولى واليد العليا للأجهزة الأمنية التي تلعب الدور الأهم في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، تقرّب أهل الولاء وتنفّر أهل الكفاءة.

ففي مثل هذا النظام كان من الطبيعي أن تغيب دولة الحق والقانون، الدولة الديمقراطية توفر الأطر المختلفة لقيام المجتمع المدني ومؤسساته بمهامها الاجتماعية، الرقابية والمؤسسية والتطوعية، وفقا للدستور والقوانين ذات الصلة بعملها ونشاطها.

لذلك فمن غير الممكن تصور اقامة دولة القانون والمؤسسات من دون العودة لروح مجتمعها المدني وتأسيس ثقافته في الجسم الاجتماعي، وضمان مؤسساته المستقلة عن سلطة الدولة، كي يأخذ المجتمع زمام المبادرة ويعبر عن حيويته وحراكه السياسي والثقافي، بما يخدم إعادة بناء دولة القانون والمؤسسات لإنّ الدولة التي لا تستمد مشروعيتها من مجتمعها المدني، وليد مفاهيم السياسة المدنية والعقد الاجتماعي، تكون هشة وضعيفة مهما ادعت القوة.

يقول الدكتور بسام دلة(شكل تعبير "دولة القانون" مصطلحاً سياسياً وقانونياً. فدولة القانون مصطلح سياسي بل "شعار سياسي" يعبر في الأساس عن طموح جمعي أو مجتمعي (المحكومين) لمواجهة السلطة (الحكم).

بيد أن مصطلح دولة القانون كشعار سياسي أصبح يستخدم من قبل السلطة (الحكم) لإضفاء صفة الشرعية التي يمثلها في مواجهة المحكومين. أي أن مفهوم دولة القانون كمصطلح سياسي يستخدم من قبل فريقين متنازعين على السلطة بشكل أزلي هما الحكام والمحكومون).

ويرى الشبوط ان (مفهوم الدولة الحديثة) مفهوم نسبي متحول، وان لكل عصر دولته الحديثة، وان الضابط الكلي في تعريفها هو انها تلك الدولة التي "تستلهم روح عصرها". وثابت هذا التعريف هو استلهام روح العصر، لكن متغيره هو روح العصر نفسها. فلكل عصر روحه.

ومهمة رواد الفكر وبناة الدول اكتشاف روح العصر الذي يعيشون فيه. والدولة الحديثة التي نتحدث عنها الان مؤسسة منفصلة عن شخص الحاكم، تقوم على اساس دستور ثابت، ومؤسسات دستورية مستقرة، و تعتمد على مبدأ المواطنة في علاقتها بافرادها الذين تتيح لهم فرصا متكافئة في تبوؤ المراكز العامة، والتبادل السلمي للسلطة، والفصل بين السلطات، والدخول في شبكة علاقات تجارية واقتصادية مع العالم تحمي البلد من العزلة الدولية، والمساهمة النشطة في التقدم العملي والتكنولوجي الانساني العالمي.

 و كل ذلك بحسب المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر:جريدة الصباح-6-9-2007