إرهاصات ميلاد الجمهورية التركية الثانية

 

فهمي هويدي

 

الحدث التركي أكبر وأعمق مما نتصور، والسلفية العلمانية هي أكثر ما يعكر الأجواء، رغم أنها تلعب في الوقت الضائع

 

(1)

 من يتابع الصحافة التركية هذه الأيام، لابد أن يندهش حين يلاحظ أنه وسط التحولات الكبيرة التي تشهدها البلاد، فإن الرأي العام مشغول بحجاب السيدة خير النساء وهذه السيدة هي زوجة رئيس الجمهورية الذي انتخب في الأسبوع الماضي. ومشكلتها أنها لا تؤدي الصلوات الخمس فحسب، إنما الأدهى والأمر أنها محجبة.

وعند غلاة العلمانيين فإن التهمة الأولى قد تغتفر، أما الثانية فلا تسامح معها ولا غفران وبسبب حجاب رأسها ذاك فإنه لم يسمح لها بأن تكمل تعليمها وتلتحق بجامعة أنقرة قبل ربع قرن، فتمسكت به ورضيت بأن تبقى في البيت ولم تفطن إلى ما فعلته ابنتها حين التحقت بالجامعة مؤخراً، إذ تمسكت بحجاب الرأس، ولكنها وضعت فوقه “باروكة” لكي تستمر في الجامعة.

بعدما أصبح عبد الله غول رئيساً للجمهورية تحولت خير النساء إلى قنبلة  إذ اعتبر العلمانيون المتطرفون أن دخول سيدة محجبة إلى القصر الجمهوري إعلان عن تفويض النظام العلماني.

ورغم أنهم احتملوا، مكرهين وعلى مضض، فكرة أن يجلس في مقعد كمال أتاتورك رجل مثل عبد الله جول يؤدى الصلوات الخمس، فإنهم لم يتصورا مبدأ أن تدخل إلى القصر الجمهوري سيدة محجبة، واعتبروا أن مشاركتها في أي مناسبة رسمية كفراً بواحاً بالعلمانية يتعذر احتماله أو قبوله.

بسبب من ذلك فإن حجاب السيدة خير النساء أصبح احدى أهم قضايا الساعة في تركيا  صحيح أن العسكر الذين يمثلون السلفية العلمانية قاطعوا حفل تنصيب الرئيس عبد الله غول، ورفض رئيس الأركان الجنرال يشار بيوك أنيت تأدية التحية له، لكنهم اعتبروا أن حضور زوجته احتفال عيد النصر، الذي كان أول مناسبة قومية رسمية حلت بعد التنصيب خطاً أحمر، فلم يوجهوا إليها الدعوة.

وقد أراحهم الرجل وامتص غضبهم حين أعلن أنه لن يصحب زوجته في الحفلات الرسمية، ثم مازحهم قائلاً إنه هو الرئيس وليست هي، ولا غضاضة في حضوره لأنه ليس محجباً.

هذا الكلام لم يوقف اللغط حول الموضوع، وإنما تساءل البعض عن موقف السيدة خير النساء حين تسافر مع زوجها إلى الخارج، وهل ستحضر حفلات الاستقبال التي ستقام للرجل أم لا. وتحدث آخرون عن محاولتها ارتداء حجاب يستوحي "الموضة" ولا يثير غضب العسكر.

وقالوا إنها كلفت مصمم أزياء عالمياً من أصول تركية يقيم في فيينا عاصمة النمسا منذ عشرين عاماً اسمه أتيل كوتوغلو، أن يحل لها مشكل الحجاب بتصميم يبتكره، ولم تعرف بعد نتيجة ذلك المسعى.

(2)

المشهد التركي في هذه الزاوية بدا عبثياً وبالغ الدلالة في ذاته الوقت. وجه العبث فيه أن العسكر الذين اعتبروا أنفسهم حراس العلمانية، أصبح شاغلهم الأكبر هو الحفاظ على الرموز والطقوس، من الحجاب إلى مراسم الحفلات الرسمية. أعني أنهم أصبحوا معنيين بالشكل بأكثر من المضمون.

وكان قادة حزب العدالة من الذكاء بحيث إنهم ركزوا من جانبهم على الجوهر، وتركوا ساحة الطقوس والرموز للعسكر يصولون فيها ويجولون  وهو ما بدا تبادلاً للأدوار في الصورة النمطية الشائعة لدى كثيرين، ممن يأخذون على أصحاب التوجه الإسلامي عنايتهم بالأشكال، ويتباهون بنزوع العلمانيين إلى الاهتمام بقيم التغيير في المجتمع. في حين أن العكس تماماً حاصل في المشهد التركي الراهن.

أما دلالة هذا التركيز على الطقوس والرموز فتتمثل في أن هذه هي المساحة التي بقيت للعسكر، بعدما تقلص دورهم بمضي الوقت، وبعدما نجح قادة حزب العدالة والتنمية في حشد أكبر إجماع شعبي حولهم، الأمر الذي قطع الطريق على تغول العسكر وأضعف سطوتهم.

وهم الذين قادوا ثلاثة انقلابات عسكرية في السابق (على مدار السنوات 1960 و70 و80) وفي الانقلاب الثاني إعدم رئيس الجمهورية عدنان مندريس بسبب ما قيل عن مشاعر دينية لديه، وهم أيضاً من أسقط حكومة نجم الدين أربكان في منتصف التسعينات من خلال انقلاب سلمي. لكنهم هذه المرة لم يستطيعوا ان يفعلوا شيئاً أكثر من معاندة رئيس الجمهورية الجديد على النحو الذي سبقت الإشارة إليه، وإصدار بيان عشية انتخابه حذر فيه رئيس الأركان من أن “أوكار الشر تسعى في خبث وسرية إلى النيل من النظام العلماني”.

(3)

حين يكون ذلك غاية ما يستطيعه العسكر في مواجهة عهد جديد، صنفه رئيس الأركان ضمن أركان الشر التي تهدد النظام العلماني، فمعناه أن ثمة عهداً ظهرت إرهاصاته في الأفق، يختلف عن كل العهود التي تعاقبت منذ إقامة الجمهورية قبل ثمانين عاماً.

وليس ذلك مجرد استنتاج، ولكنه يمثل احدى أهم حقائق المشهد التركي، التي أدركها نفر غير قليل من الباحثين والمعلقين، ممن لم يترددوا في وصف الوضع الراهن بأنه بداية ميلاد للجمهورية التركية الثانية.

وهو المعنى الذي عبر عنه بصيغة أخرى رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان، حين قال إن تركيا أصبحت كطائرة على مدرج الإقلاع، ولن يقف أمامها شيء. والعبارة يمكن فهمها على أنها إعلان عن أن تركيا تشهد انطلاقة جديدة لا يستطيع العسكر إيقافها.

الكلام عن الجمهورية الثانية ليس وليد اليوم  فقد ذكر الباحث السوري بكر صدقي في دراسة نشرتها صحيفة “الحياة” اللندنية (28- 8) أن الفكرة أطلقت في عام ،1991 حين كتب أستاذ الاقتصاد البروفيسور محمد ألتان مقالة دعا فيها إلى نقد تاريخ الجمهورية القائمة، التي بناها مصطفى كمال أتاتوك في عشرينات القرن الماضي.

ووصفها بأنها دولة الوصاية العسكرية وتغييب سيادة الشعب، الأمر الذي انتهى بإقامة نظام تحكمت فيه الطبقة البيروقراطية العسكرية والمدنية  ولأن البروفيسور ألتان دعا أيضاً إلى عودة الجيش إلى ثكناته وإلى محاكمة عن الانقلابات العسكرية في البلد، فإنه قدم إلى المحاكمة واتهم بالخيانة الوطنية والعمالة للغرب والتآمر لتقسيم البلاد.. إلخ.

لكن أفكاره لم تذهب هباء. وإنما كانت بمثابة حجر كبير ألقي في بحيرة النخبة السياسية الراكدة، فأثارت جدلاً لا يزال مستمراً، وكما وجدت ناقدين ومعارضين، فإنها لقيت آذاناً صاغية، وأسست قاعدة من المؤيدين الذين ساندوا الفكرة وطوروها حتى تحولت إلى مشروع للتغيير، توافق مع مشروع حزب العدالة والتنمية وبرنامجه الذي خاض به الانتخابات من أهم أولئك المؤيدين، إضافة إلى البروفيسور ألتان، أثنان من أبرز الكتاب الأتراك هما جنكيز شاندار واثيين محجوبيان.

الآن يتحدث منظرو الجمهورية الثانية بصوت عال، قائلين إن "الكمالية" حددت أهدافاً ستة لمشروعها لم تكن الديمقراطية من بينها  وقد تم تقديس الكمالية وفرضها على الناس من خلال مواد الدستور المتعاقبة التي صاغها العسكر.

وتم تحريم وتخوين وملاحقة أي نقد يوجه إليها. كما حوربت الأفكار المختلفة عنها بالتصفيات والملاحقات القضائية والحظر، مما أدى إلى شلل الحياة السياسية وتسطيح الثقافة وإعاقة نمو البلاد.

يقول هؤلاء أيضاً إن النهوض بالواقع التركي يتطلب الانتقال من النظام التسلطي الراهن إلى النظام الديمقراطي، ومن الاقتصاد الزراعي إلى الانتاجي  وذلك يتطلب نزع وصاية العسكر على السياسة، وتغيير الدستور بما يتوافق مع المعايير الدولية للديمقراطية وحقوق الإنسان، وتمكين دافع الضرائب من مراقبة كيف تنفق الحكومة حصيلتها. وهذه دعوة تستهدف قلب العلاقة القائمة بين المجتمع والسلطة رأساً على عقب، بحيث يتحول المجتمع إلى سيد وتصبح الدولة في خدمته.

(4)

في حين ظل العلمانيون المتطرفون يخوضون معركتهم ضد الحجاب، ويتشبثون بميراث الكمالية الذي عفا عليه الزمن، فإن فكرة الجمهورية الثانية لتجديد النظام التركي والنهوض به كانت تكبر وتكسب المزيد من الأنصار.

وتزامن ذلك مع ظهور حزب العدالة والتنمية بمشروعه الذي كان يصب في الوعاء نفسه. وكان من الطبيعي أن يلتقي المشروعان، وأن يعتبر متطرفو الجمهورية الثانية أن حزب العدالة هو القوة السياسية التي يمكن الاعتماد عليها لتحقيق هدفهم المنشود. ونجح التوافق بين المشروعين لثلاثة أسباب رئيسية هي:

أنهما أصبحا يمثلان استجابة للظرف التاريخي الداعي إلى التغيير في تركيا.

أن الطرفين تعاملا مع بعضهما بعضاً بغير عقد. فدعاة الجمهورية الثانية، وهم علمانيون بامتياز يصنفون ضمن المعتدلين، لم يجدوا غضاضة في التوافق مع الحزب بخلفيته الإسلامية وموقفه المعتدل. وكانت المصلحة الوطنية هي القاسم المشترك الأعظم بينهما. ومن ثم تحلل الطرفان من العقد المسكونة بالخوف والتوجس الشائعة في عالمنا العربي.

أن رموز الطرفين ينتمون إلى جيل الوسط الآتي من خارج دائرة السياسيين المحترفين، الذين تلوثوا بممارسات ودسائس وفساد المرحلة السابقة.

تبدى ذلك التوافق بشكل واضح في مسألة ترشيح عبد الله غول لرئاسة الجمهورية ذلك لأنه حين بدا أن رجب طيب اردوغان تردد في مسألة الترشيح وفكر في استبداله بآخر، لتجنب الصدام مع المؤسسة العسكرية، فإن البروفيسور محمد ألتان الأب الروحي لمشروع الجمهورية الثانية، أطلق في تصريحات صحافية حملة تأييد لغول، وقال صراحة إن عدم ترشيحه سيؤدي إلى استقواء العسكر ويشجعهم على الانقلاب.

بعد انتخاب عبد الله غول، عاد الانسجام المفقود بين رئاسة الجمهورية والحكومة، وفقد العسكر حليفهم التقليدي في القصر الجمهوري، الأمر الذي فتح الباب واسعاً للتقدم على طريق تحقيق حلم الجمهورية الثانية.

وهو ما لم تقصر فيه الحكومة التي كانت قد وعدت بإدخال تعديلات على الدستور تضع الأساس لإحداث التغيير المنشود. فشكلت لجنة من الخبراء القانونيين البارزين توشك الآن على الانتهاء من مهمتها، لطرح التعديل على الاستفتاء العام في أواخر شهر أكتوبر- تشرين الأول القادم.

في دراسة للدكتور إبراهيم غانم أستاذ العلوم السياسية وخبير الشؤون التركية نشرت في عدد أول سبتمبر/ أيلول من “الملف الاستراتيجي” الذي يصدره مركز الدراسات في “الأهرام”، عرض لأبرز معالم الدستور الجديد، تمثلت في أربعة أمور هي:

انتخاب رئيس الجمهورية بالتصويت المباشر بدلاً من أن يكون التصويت مقصوراً على أعضاء البرلمان، بحيث تصبح مدة الرئاسة خمس سنوات بدلاً من سبع، ولا يعاد انتخاب الرئيس لأكثر من مرة واحدة.

الحد من صلاحيات رئيس الجمهورية بحيث تصبح مقصورة على تعيين المحافظين والسفراء وبعض الأمور البروتوكولية الأخرى.

زيادة أعضاء المحكمة العليا من 11 إلى 17.

وضع تصرفات الجيش تحت رقابة المؤسسات المدنية وعلى رأسها البرلمان والقضاء.

إن في الحدث التركي الكثير مما يمكن الإفادة منه وتعلمه، بشرط أن يتوفر أمران، أولهما ديمقراطية حقيقية تقبل بالاحتكام إلى صناديق الانتخاب، وثانيهما توافق وطني تتخلى فيه التيارات السياسية عن عقدها ومراراتها التقليدية. وفي تجربتنا، فإن كل واحد من الشرطين أصعب من الآخر.

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر: الخلیج الإماراتيه - 7-9-2007