الاستبداد العربي... صخرة عنيدة

 

خالد الحروب

  

من حق الجميع أن يتساءل: أين طُويت أجندة الإصلاح العربي التي تصدرت الحديث الرسمي وغير الرسمي بُعيد حرب العراق, وتمكنت من أن تصبح العنوان الرئيسي في مؤتمر القمة العربية بتونس في مارس 2004. بل وأين "الـعهد بين قادة الدول العربية" الذي أعلنه القادة بعد تلك القمة والتزموا فيه بمسيرة إصلاحية في بلدانهم؟

الآن نشهد انحساراً مؤسفاً لفكرة وخطاب ونشاط الإصلاح والدمقرطة وتحقيق آليات فعالة لضمان حقوق الإنسان العربي في معظم, إن لم نقل كل, الدول العربية. خلال ارتفاع موجة الحديث عن الإصلاح والدمقرطة, وخشية بعض الأنظمة المستبدة أن تزعزع أركانها تلك الموجة شبة الفجائية, تحدث أكثر من مسؤول عربي في السر والعلن باطمئنان مريب عن أن "كل تلك الزوبعة ليست سوى موسم عابر سرعان ما ينتهي وتعود المياه إلى مجاريها".

و"مجاري" تلك الأمور كما نعلم هي ديمومة الوضع القائم, واستمرار التردي السياسي والإحباط الاجتماعي وزيادة التطرف الديني واللامبالاة الجماعية بمصائر الأوطان والمجتمعات وتوافقاتها الثقافية وثرواتها المتعددة.

"الاطمئنان المريب" عند أولئك المسؤولين بدا مرتكزاً على قناعة راسخة هي أن عناد صخرة الاستبداد العربي كفيل بالإطاحة بكل محاولات الانفتاح السياسي, وبكل الجهود لتغيير الوضع القائم, سلمياً وتدريجياً وديمقراطياً, في الكثير من البلدان العربية باتجاه بناء اجتماعات سياسية قائمة على الحرية والمواطَنة المسؤولة والتبادل السلمي للسلطة. لكن ذلك الاطمئنان المدمر لا يريد أن يعي قناعة أكثر رسوخاً وهي أن إطالة أمد الوضع القائم من دون جدولة زمنية ثابتة لبث الحرية في أوردة التسيُّس العربي المتكلِّسة لا يعمل سوى على زيادة العفَن تحت السطح, وهو الذي يمثل المناخ المطلوب لانتعاش كل أنواع التطرف والراديكاليات.

والشيء المؤسف فعلاً وحقاً هو ألا تتبوأ أجندة الإصلاح العربي موقع الصدارة في الاهتمام العربي إلا بسبب الزخم الدولي ومدفوعة بأفكار وتهويمات "الشرق الأوسط الكبير" التي جاءت بها إدارة بوش, بما فيها من مركزة لفكرة الدمقرطة.

ومع أن فكرة العامل الخارجي في تحفيز أي تغيير داخلي يجب ألا ترفض قلباً وقالباً, وأن تقيم بحسب كل حالة وكل وضع, حتى لو كانت الأهداف والغايات مكشوفة النهايات, إلا أن صدقية شعار الإصلاح سرعان ما تآكلت لكثرة ما لاكتها ألسن المسؤولين في إدارة بوش, الفاقدة لأدنى معايير ومستويات الصدقية هي نفسها.

طبعاً كان من الواضح منذ بداية "الاكتشاف الأميركي" لضرورة دمقرطة المنطقة أن مثل هذا الاكتشاف وإدراجه في سياق تحقيق المصلحة القومية الأميركية سيؤخر عوض أن يقدم في الإصلاح المطلوب.

فقد وقعت مطالب تحقيق الديمقراطية والإصلاح السياسي والاجتماعي, وهي تاريخياً تقع في قلب حركات النضال العربية ضد الديكتاتوريات, في براثن الخطاب الأميركي المحافظ بما أحرج المطالبين الأصليين بها, وأبعد الناس العاديين عنها.

ومع تغير الوضع الاستراتيجي في المنطقة, والفشل المتلاحق لسياسة الولايات المتحدة خاصة في العراق (وإفلاسها الفكري بحسب أحدث التقييمات, وعلى لسان قائد الجيش البريطاني السابق الجنرال مايك جاكسون) وتصاعد وتائر النفوذ الإيراني, تبدلت المصلحة القومية الأميركية وصار محورها محاربة إيران والحد من نفوذها.

وهذه البوصلة الجديدة لا تحتمل ترف التركيز على الدمقرطة ومواصلة المطالبة بالإصلاح، حتى وإن كانت تلك المطالبات قد استمرت نبرتها في الخفوت التدريجي إلى أن انطفأت تماماً خلال زيارات كونداليزا رايس الأخيرة للمنطقة, وإعادة الاعتبار للسياسة الأميركية التقليدية القائمة على البحث عن مصالحها مع الأنظمة من دون الاهتمام بممارسات تلك الأنظمة الداخلية ضد شعوبها.

إذن تمر مواسم الاهتمام المصلحي والانتهازي الأميركي والرسمي الغربي بمسألة الديمقراطية في المنطقة, ويعود هذا الملف العنيد لقوى المجتمع المدني, وللمنظمات والجمعيات والناشطين من مشرق العالم العربي إلى مغربه. وهؤلاء مطلوب منهم إعادة لملمة هذا الملف ونفض ما لحق به من تشوهات سياسية دولية, ثم فتحه داخلياً على مصراعيه.

لكن في نفس الوقت ينبغي للقوى الحاكمة أن تدرك أن إدامة فتح هذا الملف, ثم التحرك الفعال باتجاه الإصلاح, هي السبيل الوحيد لإخراج المجتمعات العربية تدريجياً من النفق المظلم الذي يحدق بمستقبلاتها.

كما يتعين عليها أن تعي أنه ليس هناك تيار فكري أو سياسي أو حزبي في المنطقة العربية يتصف بالشعبية والتأثير الفعال يسعى نحو قلب الأوضاع القائمة بطريقة ثورية وانقلابية. إذ ثمة قناعة شبة جماعية الآن تقر بأن المنهج العملي الأقرب لخلق أوضاع سياسية واجتماعية صحية هو التغيير التدريجي والبطيء.

فالتجارب التاريخية الحديثة في البلدان العربية, وحيث نماذج الانقلابات الثورية الحادة غدت ثرية بما فيه الكفاية لتقليل الحماس إلى الحد الأدنى لأي تغيير جذري مفاجئ. فالعفن السياسي والطائفي والرسمي والانتقامي المتراكم عبر عقود طويلة وصل إلى مراحل قاتلة, حيث لابد من التنفيس عنه تدريجياً وإلا ينفجر آخذاً كل الأشكال الدموية المتوقعة, وربما غير المتوقعة. لكن التدرج المطلوب يجب أن يكون محقَّباً على مراحل زمنية واضحة, بحيث يقدم برنامجاً للمعارضة وللمجتمعات يستحق أن يُصبر عليه وأن تتواضع لتحقيقه الجهود.

ليست مهمة الإبقاء على ملف الإصلاح السياسي والاجتماعي العربي بالمهمة السهلة, فهي معقدة وحساسة وتثير التوتر عند النظم الحاكمة  لكن ليس هناك من بديل سوى الغرق أكثر فأكثر في ركود الوضع الآسن الذي لا ندري إلى أي قاع سينتهي بنا.

ويكفي أن نتأمل أوضاع بعض البلدان العربية التي تسير من حالة احتراب إلى أخرى, وتندفع نحو حروب وصراعات أهلية وطائفية لا يُعلم مداها أو منتهاها. ويكفي أن نتأمل في أوضاع بلدان أخرى تسير حثيثاً نحو التحول من جمهوريات (على ما في ذلك الوصف من عدم انطباق على الموصوف) إلى مَلكيات وراثية, أي باتجاه معاكس تماماً لما تسير عليه بقية أرجاء المعمورة. ويكفي أن ننظر في أية قائمة دولية مختصة بالدمقرطة, أو الانفتاح السياسي, أو حقوق الإنسان, أو احترام الأديان, أو سوى ذلك, لندرك أننا نحتل أواخر تلك القوائم.

سيدفع الملل والإحباط واللامبالاة كثيراً من النشطين السياسيين للخروج من دائرة النشاط الفكري والسياسي. وسيظن كثيرون أيضاً أن الإصلاح المطلوب سياسي فقط, على غير حقيقته، إذ هو سياسي, اجتماعي, وديني. لكن من دون أن يستمر النقاش والفاعلية دائمين في هذه الصدد فإن غموض المعاني وغياب الأهداف الجماعية من وراء أية فكرة إصلاحية سيضيف إلى التشتت وعدم الفاعلية ما لا حاجة لنا به.

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر:الإتحاد الإماراتية-3-9-2007