هل يطلق أردوغان عملية الانتقال إلى الجمهورية الثانية؟

 

بكر صدقي

 

قال رجب طيب أردوغان، في تصريحه الأخير بمناسبة انتهائه من تحديد تشكيلة حكومته الجديدة، إن تركيا أصبحت كطائرة على مدرج الإقلاع، ولن يقف أمامها شيء.

لقد تمكنت حكومة أردوغان، في الأشهر الأربعة الأخيرة، من تجاوز الشراك التي نصبتها لها المعارضة العلمانية والجيش، وحصلت على تفويض شعبي غير مسبوق، ومن المتوقع أن يفوز عبد الله غل في الجولة الثالثة من الانتخابات الرئاسية، في نهاية الشهر الجاري. الإصلاحات الاقتصادية والسياسية والإدارية التي بدأتها حكومة أردوغان الأولى، والهادفة إلى التوافق مع معايير الاتحاد الأوروبي، تباطأت كثيراً، في السنتين الأخيرتين. وإذا كان موقف بعض الدول الأوروبية السلبي من عضوية تركيا، قد لعب دوراً مهماً في تصعيد النزعة القومية المنغلقة في تركيا، وارتفاع الأصوات الداعية إلى وقف المسار الأوروبي برمته، فإن المعارضة العلمانية في البرلمان والقصر الرئاسي، لم يقلّ دورها سلبيةً. وثمة عامل آخر يتضافر مع العاملين المذكورين، ويتمثل، كما أشار الكاتب إتيين محجوبيان، في الحالة السيكولوجية لحكومة لديها مشكلة مع الشرعية من وجهة نظر الأيديولوجيا المسيطرة (الكمالية).

تصريح أردوغان المذكور يأتي، إذن، في الشروط المؤاتية التي أوجدتها الانتخابات العامة، وينم عن ثقة مستعادة بالذات، بعد الاهتزاز الكبير الذي تعرضت له، في الأزمة المفتعلة حول الانتخابات الرئاسية، في نيسان الماضي.

تشبيه تركيا بالطائرة التي على وشك الاقلاع، ينبىء بتغييرات كبيرة جداً في تركيا. وإذا تذكرنا أن تغيير الدستور النافذ هو أحد الوعود الانتخابية لحزب العدالة والتنمية، وما تتناقله الصحافة التركية من أن الحزب قد كلف خبراء قانونيين بصياغة مشروع دستور مدني للبلاد، فمن الممكن توقع منحى التغييرات الطموحة التي ستطلقها حكومة أردوغان الثانية.

سئل دينيز بايكال، رئيس حزب المعارضة العلمانية الرئيسي، في حوار تلفزيوني، عن أسباب فشل حزبه في الانتخابات الأخيرة، فحدد تلك الأسباب من وجهة نظره. البند اللافت للانتباه، من بين الأسباب التي ذكرها، كان: تيار الجمهورية الثانية  فما هو هذا التيار، ومن هم أبرز ممثليه، وما هو تصورهم لمستقبل تركيا، وبم يتقاطعون مع حزب العدالة والتنمية؟

أطلق تعبير الجمهورية الثانية للمرة الأولى في بداية العام 1991، في مقالة صحفية كتبها أستاذ الاقتصاد البروفسور الدكتور محمد آلتان. ثم تنامى المفهوم، في الرأي العام التركي، ككرة الثلج، وأثار مناقشات صاخبة بين مؤيدين ومعارضين، لم تخمد إلى اليوم، واتهم الأخيرون الأولين باتهامات خطيرة كالخيانة الوطنية والعمالة للغرب والسعي إلى تقسيم البلاد وغيرها. ومثل الأب الروحي للتيار محمد آلتان أمام المحكمة بسبب مقالتين، دعا الجيش، في الأولى، إلى العودة إلى ثكناته، وطالب، في الثانية، بمحاكمة المسؤولين عن الانقلابات العسكرية.

وينطلق مفهوم الجمهورية الثانية من نقد تاريخ الجمهورية القائمة التي بناها مصطفى كمال أتاتورك، في عشرينات القرن الماضي، فيصفها بدولة الوصاية العسكرية، وغياب سيادة الشعب المفترض أنها لب تعريف النظام الجمهوري.

صحيح أن الجمهورية أنهت النظام الملكي الوراثي، لكنها نقلت السلطة من نخبة إلى نخبة أخرى، بدلاً من الشعب الذي يجب، في الأنظمة الجمهورية، أن يحكم بوساطة المؤسسات التمثيلية.

أما في ما يتعلق بالجـــماعات الإثنية والدينية والمذهبية التي تتكون منها البلاد، فقــــد تم الانتقال من إمبراطورية كوزموبوليتية، إلى اختلاق «دولة – أمة» تمحورت حول الهوية التركية.

ويميّز آلتان بين «الأمة - الدولة» كما تشكلت في تجارب الشعوب الأخرى، و»الدولة - الأمة» في التجربة الجمهورية التركية، فيقول إنه في النموذج الأول، تقوم جماعة إثنية معينة، بنتيجة امتلاكها لوعي ذاتها كأمة، ببناء دولتها المستقلة؛ في حين أن الدولة، في النموذج التركي، قد خلقت أمتها الخاصة. لذلك كان من الطبيعي أن تكون الطبقة البيروقراطية العسكرية - المدنية، هي الحاكمة سياسياً والمالكة اقتصادياً. واستمرت هذه الحال إلى اليوم.

وفي نقدهم للإيديولوجيا الكمالية، يقول أنصار الجمهورية الثانية إن أهدافها الستة لم تتضمن الديموقراطية، وإنه تم تقديسها وفرضها على الناس من خلال مواد الدساتير المتعاقبة التي صاغها العسكر. وتم تحريم وتخوين أي نقد يوجه إليها، كما حوربت الأفكار والإيديولوجيات المختلفة عنها، بالتصفيات والملاحقات القضائية والحظر، مما أدى إلى شلل الديناميات الاجتماعية وتسطيح الثقافة وإعاقة تطور البلاد بصورة عامة.

أما في المجال الاقتصادي، فقد ورثت الجمهورية، في رأيهم، نظاماً ريعياً يعتمد على ملكية الأرض، وحافظت النخبة البيروقراطية على امتيازات الاستفادة من الريع بصورة مباشرة، فلم تطور أي نموذج اقتصادي منتج، الأمر الذي وصل، في العقود الأخيرة، إلى نهب مكشوف لموارد الدولة. وبقيت تركيا، في أواخر القرن العشرين، بلداً ريفياً، يعمل نصف سكانها في الزراعة بإنتاجية متدنية.

تعني الجمهورية الثانية، وفقاً لمفكري التيار، الانتقال من النظام التسلطي القائم إلى النظام الديموقراطي، ومن الاقتصاد الزراعي الريعي إلى اقتصاد منتج  ويتطلب ذلك نزع وصاية العسكر على السياسة، ونقل ملكية الاقتصاد من الدولة إلى المجتمع، وتغيير الدستور بما يتوافق مع المعايير الدولية للديموقراطية وحقوق الإنسان، وتمكين دافع الضرائب من مراقبة كيف تنفق الحكومة حصيلتها أي، باختصار، قلب العلاقة القائمة بين المجتمع والدولة رأساً على عقب، بحيث يتحول المجتمع إلى سيد، وتصبح الدولة في خدمته.

وجه بعض المعارضين نقدهم إلى المصطلح، فعدّوه تقليداً للمثال الفرنسي، بترقيم الجمهوريات بعد كل دستور جديد، وقالوا بأن تعبير التحول الديموقراطي يفي بالغرض (مثلاً الكاتب زلفو ليفانيلي، من حزب الشعب الجمهوري).

رد أنصار التيار بأن ما يقترحونه لا يشبه في شيء المثال الفرنسي. فالدساتير تتغير وتعدّل في تركيا، لكنها لا تؤدي إلى تغيير الوضع القائم. وسبب ذلك هو عجز- أو انعدام إرادة - الطبقة السياسية عن محاسبة تاريخ الجمهورية أو مقاضاة العسكر على الانقلابات التي أطاحوا فيها بالحكومات المنتخبة ومارسوا الفظائع بحق الناس. هي جمهورية ثانية، يقولون، لأنها غير ممكنة بدون تصفية الحساب مع الجمهورية الأولى، والقطع الإيديولوجي والسياسي معها.

لم يتأطر أنصار الجمهورية الثانية في حزب سياسي، لكنهم شغلوا الرأي العام طيلة العقد ونصف العقد الماضيين  من أبرز مفكريه محمد آلتان البروفسور في الاقتصاد، والكاتب جنكيز تشاندار والكاتب إتيين محجوبيان.

ليس ثمة أي تقاطع فكري بينهم وبين حزب العدالة والتنمية، فهم علمانيون، وإن كانوا يفهمون من هذه الأخيرة دولةً تقر بحرية الاعتقاد وتقف على مسافة واحدة من جميع المعتقدات والأفكار والإيديولوجيات، بخلاف العلمانية الكمالية التي هي عقيدة الدولة الرسمية.

رأوا في إجراءات حكومة أردوغان الأولى ما يفتح الطريق أمام تحقيق أحلامهم الفكرية ومطالبهم السياسية، وانتقدوها «من يسارها» إذا جاز التعبير، حين رأوا إصلاحاتها تتباطأ، وبسبب اهتمامها الزائد بموضوع رمزي كالحجاب «برنامج» تيار الجمهورية الثانية يعلق آمالاً عريضة على عملية الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، ولا يرون فاعلاً آخر يمكن التعويل عليه لتحقيق التغيير المرغوب.

في هذه النقطة بالذات وجد التيار نفسه قريباً من برنامج حكومة أردوغان، الأمر الذي حدث مع أطر اجتماعية أخرى أيضاً كحال الأرمن وقسم كبير من الأكراد و»الجناح الديموقراطي في الشريحة الاجتماعية العلمانية» وفقاً لتعبير إتيين محجوبيان. وفي الأزمة السياسية الأخيرة بمناسبة انتخابات الرئاسة دافع أنصار الجمهورية الثانية بقوة عن ترشيح عبد الله غل للرئاسة، بوصفه الرد الضروري على إنذار العسكر في 27 نيسان (ابريل).

وإذ لاحظوا تردداً من أردوغان، وسط ما شاع عن رغبته باستبدال مرشح آخر من حزبه بغل، رغبةً منه في تجنب الصدام المباشر مع المؤسسة العسكرية، أطلق محمد آلتان تصريحات صحافية، عشية إعلان اسم مرشح الحزب الحاكم للرئاسة، قال فيها إن عدم ترشيح غل سيشجع العسكر على الانقلاب.

من جهته، لا ينطلق أردوغان من تقاطع فكري مع تيار الجمهورية الثانية، فضلاً عن خوفه من المساس بمقدسات الإيديولوجيا الحاكمة  لكن مصالح القاعدة الطبقية لحزبه (رأسمالية ناشئة بعيداً عن الدولة) تقتضي أوسع اندماج بالاقتصاد العالمي من بوابة الاتحاد الأوروبي، الأمر الذي يضعه موضوعياً في موقع المنفذ لبرنامج فكري طموح أطلقه، منذ عقد ونصف، عدد محدود من المثقفين.

* كاتب سوري.

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر: الحياة - 30-8-2007