ثنائية النفط والديمقراطية والمواجهة المقبلة

 

ثائر الناشف

 

في ظل تزايد القلق الدولي من الارتفاعات الحادة التي يشهدها قطاع النفط وتنامي الطلب لمصادر الطاقة من قبل الدول المستهلكة والخوف من نفاذ تلك المصادر، تتجه الأنظار إلى منطقة الشرق الأوسط لاحتوائها على خزان نفطي يشكل ثلاثة أرباع الثروة النفطية في العالم، يتواجد أغلبها في دول إسلامية أو تمر  عبر أراضيها .

الولايات المتحدة المصنفة في المرتبة الأولى من حيث الاستيراد والاستهلاك العالمي للنفط، أدركت بمرارة أن قضية النفط ليست محصورة بالشق الاقتصادي فقط، إنما ترتبط بالمصلحة العليا للأمن القومي الأميركي، بعد أن تحولت منابع النفط مؤخراً إلى مناطق تعتبرها أراض ٍمنتجة للتطرف والإرهاب وهي غير جديرة بالثقة على حد قول جورج بوش، لذلك تسعى جاهدة لإقناع الدول النفطية، بأنها تفصل ما بين سياساتها النفطية وشركاتها الاستثمارية العاملة فيها، لتتمكن من بناء إستراتيجية نفطية متجددة تقوم على ضرورة تعدد مصادر الطاقة وطرق النقل وخطوط الإمداد، ومن ثم الحصول على النفط بأسعار مناسبة وحرمان الدول المعارضة لسياسات واشنطن التوسعية من الحصول عليه بنفس السعر والكمية .

الواقع أن الإدارات الأميركية ركزت في سياساتها النفطية منذ مطلع العام 2000، على ترويج مصطلح الديمقراطية لتشكل إحدى ركائز السياسة الخارجية القائمة على ضرورة تشجيع ما يسمى بالثورة الديمقراطية العالمية كاستثمار استراتيجي للأمن القومي التي عبر عنها وارن كريستوفر وزير الخارجية الأميركي الأسبق .

بدأت سياستها النفطية الجديدة باستغلال حالة الجمود والتصلب المتمثلة بفساد الطبقة السياسية للدول الشرق أوسطية، والتخوف المزدوج من ظهور حركات أصولية متشددة، وظهور لاعبين جدد على ضوء تسارع معدلات النمو والانتعاش الاقتصادي في كل من الصين والهند، إضافة إلى اللاعب الروسي الحاضر دوماً على الساحة، ويقيم علاقات جيدة مع أسيا الوسطى، والساعي لأن تكون له موطئ قدم في الشرق الأوسط عبر إعادة إحياء مصالحه النفطية السابقة، التي سار عليها إبان الحقبة السوفيتية، حتى في عراق اليوم رغم معارضته للاحتلال، سرعان ما فتح النفط العراقي شهية مصالحه، حينما منحه الرئيس العراقي جلال الطالباني في عام 2005، عقداً نفطياً برعاية أميركية، جرت في أروقة الجمعية العامة للأمم المتحدة، مقابل اقتناع روسيا بإحالة ملف إيران النووي إلى مجلس الأمن الدولي إن ُطلِبَ منها ذلك، بناءً على رغبة بوش باصطفاف الموقف الروسي إلى جانبه كورقة ضغط على طهران ووسيلة لإغراء موسكو بإعادة تفعيل علاقاتها الدبلوماسية مع العراق، فضلاً عن تأكيد مواقفها الداعمة لبقاء القوات المتعددة الجنسيات لأجل غير مسمى بناءً على رغبة الطرف العراقي .

الخيارات الأميركية تراوحت بين اللجوء إلى الخيار العسكري أحادي الجانب، الذي استخدمته في العراق تحت نواياها النفطية المبيتة لتستشرف مرحلة جديدة من الصراع في محاربة ما تسميه بالإرهاب، وباعتقادها سيفضي في حال انتصرت عليه بغرس قيم الديمقراطية الممزوجة برائحة مصالح شركاتها النفطية الكبرى.

لكن استخدام أسلوب العصا الغليظة لا يتماشى مع دول أخرى، نظراً للدروس القاسية التي تتلقاها قواتها يومياً في العراق، ليبقى هناك خيار آخر أمام البيت الأبيض يتمثل بدعم الحركات المناوئة لأنظمة شمولية، يعتبرها أنظمة مستبدة لا تراعي حقوق الإنسان، انتهى دورها بانتهاء الاتحاد السوفيتي، وتجلى ذلك بثورات جورجيا وأوكرانيا وقرغيزيا الملونة، كما تسميها واشنطن برياح عدوى تشيع الديمقراطية، وتحاول تحريكها بين الحين والآخر في بيلاروسيا الخاصرة الجيو استراتيجيه لروسيا الاتحادية، لاحتوائها على ممرات بحرية مخصصة لنقل النفط الروسي لشمال أوروبا ومحاذاتها لحلف الناتو الطامح بالتوسع نحوها .

لا شك بأن الفترة المقبلة ستكون بمثابة تحول مرن في الإستراتيجية الأميركية نحو دول الشرق الأقصى، والدول التي لا يروق لها التعامل معها، وتعدها في خانة الدول المتطرفة وتصنف أنظمتها بالظلامية المستبدة ولابد من اقتلاعها وإن استعصى ذلك يعاد تأهيلها بعقد تسويات حول بعض القضايا التي تشترك فيها مع خصومها، على أن تصب نتيجتها لصالحها كما هو الحال مع كوريا الشمالية وإيران .

تتمنى واشنطن أن تتجه التحولات الديمقراطية نحو الصين ثاني أكبر مستورد للنفط بعدها، لذلك أدخلت الصين في حساباتها، لأن المواجهة المقبلة معها ستأخذ أشكالاً متعددة وليست محصورة بشكلها العسكري، فأغلب دول الشرق الأقصى كونها تشهد ارتفاعاً متزايداً في عدد سكانها، وتفتقر لمصادر النفط على المستوى المحلي، بالتالي فإن استهلاكها النفطي ونشاطها الاقتصادي المستقبلي سيتحدد من آبار الشرق الأوسط وأفريقيا .

لا يخفى أن الولايات المتحدة تحتفظ لنفسها بقواعد عسكرية ضخمة في كوريا الجنوبية واليابان، فضلاً عن تقربها من تايوان الخصم اللدود لبكين، فجميع القضايا العالقة في تلك البقعة لا يمكن حلها دون اللجوء لواشنطن باعتبارها المرجعية التي تستند إليها تلك الدول في حل خلافاتها الإقليمية .

السيناريو الأميركي المقبل يقوم على جذب الدول الآسيوية للسوق الأميركية، بتقديم التسهيلات والضمانات الكفيلة لها، وهو ما يعني مساندتها تلقائياً لواشنطن من جديد، مثلما تم في فترة الحرب الباردة، قصارى القول، المواجهة المقبلة بين الكبار ستكون على ملعب الصغار تفرضها أوجه التنافس على النفوذين الإقليمي والدولي .

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر:المثقف السياسي-30-8-2007