الدرس التركي: لا تعارض بين الديمقراطية والإسلام

 

جاكسون ديل

 

توشك فكرة التعارض التام المزعوم بين الديمقراطية والإسلام، على تلقي صفعة قاضية، في ذات اللحظة التي توشك فيها أن تترسخ كمُسلّمة غير قابلة للجدل في أوساط واشنطن. ذلك أن البرلمان التركي سيُقدِم يوم غد على تعيين عبدالله جول، السياسي الليبرالي الموالي للغرب، رئيساً للبلاد، في خطوة منه لتفادي وقوع أية مفاجأة سياسية كحدوث انقلاب عسكري على سبيل المثال.

هذا ويتحدث عبدالله جول اللغة الإنجليزية بطلاقة، بينما عرف عنه أنه صديق دائم للولايات المتحدة الأميركية، وإن عرف عنه هدوؤه في التعبير عن هذه الصداقة، خلال الأربع سنوات التي أمضاها في منصب وزير خارجية بلاده.

كما يعرِّف عبدالله جول شخصيته بكونه مسلماً ملتزماً في بلد تجذرت فيه العلمانية وبلغ عمرها زهاء خمسة وثمانين عاماً. أما زوجته فترتدي الحجاب الذي يحظر حتى هذه اللحظة ارتداؤه رسمياً في المكاتب الحكومية والجامعات، وكذلك في قصر "كنكايا" الرئاسي في العاصمة أنقرة.

هذا ويبدي الكثيرون في تركيا مخاوفهم من أن يكون انتخاب "جول" للمنصب الرئاسي بداية النهاية لنموذج الدولة الغربية الحديثة الذي عرفت به بلادهم، وخاصة أن رئيس الوزراء الحالي، رجب طيب أردوجان، يعرف بجذوره السياسية الإسلامية.

وبتعيين "جول"، سيحكِم "حزب العدالة والتنمية" الإسلامي قبضته على جهازين رئيسيين من أجهزة الحكم في البلاد، وبالتالي سيتمتع بصلاحيات كبيرة في سن تشريعات جديدة وتعيين القضاة ومديري الجامعات، فضلاً عن قيادته للجيش من الناحية النظرية.

وفي واشنطن هناك من يبدي قلقه أيضاً على هذه التطورات الجارية في تركيا، خاصة في أوساط حلفاء إسرائيل، الذين يتهمون "أردوجان" بالتعاطف مع حركة "حماس"، بينما يتهمه المحافظون بالتآمر على تقويض الدولة العلمانية التركية.

والاعتقاد السائد في أوساط هؤلاء أن الإسلاميين يستغلون الديمقراطية في سبيل الوصول إلى السلطة كأداة لفرض أيديولوجيتهم الشمولية، بحيث تكون أي انتخابات يفوزون فيها هي الانتخابات التمثيلية الأخيرة.

غير أن الخمسة أشهر الماضية من الصراع السياسي الحاد الذي شهدته أنقرة حول السلطة، عكس مجرى الصراع تماماً. فزعماء "العدالة والتنمية" لم يبرزوا كممثلين للديمقراطية فحسب، وإنما بدوا تجسيداً حياً للوسطية والاعتدال أيضاً.

وبالنتيجة فقد تحول غلاة العلمانية إلى مُهدِّد حقيقي لاستقرار تركيا السياسي، ولمسار التطور الديمقراطي فيها. ذلك أنهم لم يتورَّعوا عن توظيف المظاهرات والاحتجاجات الشعبية، وعمدوا إلى تزوير الأحكام القضائية الصادرة عن المحاكم، إلى جانب استخدامهم الشرس لما أصبح يعرف في لغة اليوم بـ"انقلاب الإنترنت".

ثم تكشفت الحادثة الغريبة في 27 من شهر إبريل المنصرم، حين أعلن الجيش عبر بيان نشر في ساعة متأخرة من ليلة اليوم المذكور، في موقعه الإلكتروني، عن تقصِّيه لتحركات تشكل تهديداً متصاعداً لحكومة أنقرة العلمانية.

وليس خافياً على أحد نبرة الانقلاب العسكري التي تنطوي عليها مثل هذه العبارات، وخاصة أن الجيش التركي عُرف بإطاحته عبر انقلابات عسكرية مختلفة بعدد من الحكومات الديمقراطية المنتخبة منذ عام 1960.

وفي تلك اللحظة كان ترشيح عبدالله جول للمنصب الرئاسي أمام البرلمان، بيد أن المحكمة العليا اعترضت على التصويت بزعم عدم توفر النصاب القانوني. ولما كان قرار المحكمة العليا قد تأثر بعصا التهديدات العسكرية، فقد كان لصالح ممثلي المعارضة، التي تمكنت من سد الطريق أمام ذلك الترشيح.

وكان افتراض الجنرالات واليساريين التقليديين الوطنيين، أنه في الإمكان إرغام "جول" على سحب ترشيحه لصالح مرشح وسطي يتم تدبيره داخل الغرف المجاورة المغلقة لتولي المنصب.

لكن بدلاً من ذلك دعا "أردوجان" إلى إجراء انتخابات عامة. وبذلك تمكن رئيس الوزراء من دعوة المواطنين الأتراك إلى النظر الموضوعي إلى سجل حزبه السياسي، بعيداً عن تلك السيناريوهات المعادية التي تتهمه بالزحف السري بتركيا نحو الأسلمة، وهي الاتهامات التي يحيكها ضده الجنرالات والمعارضة التقليدية.

وكانت تلك مناورة ذكية منه، لكون حكومته من أكثر حكومات أنقرة ليبرالية وإسهاماً في حركة التحديث بين كافة الحكومات التي عرفها التاريخ التركي الحديث. ففي ظلها دفعت أنقرة بعيداً باتجاه المفاوضات من أجل الانضمام إلى عضوية الاتحاد الأوروبي، إلى جانب التشريعات الإصلاحية في مجال حقوق الإنسان.

وبالنتيجة نالت النساء والأقلية الكردية حقوقاً أكبر بينما ألغيت عقوبة الإعدام. وفي الوقت نفسه تم تحرير الاقتصاد التركي، وفتحت الأبواب على مصراعيها أمام الاستثمارات الأجنبية وبدلاً من بقاء أنقرة على امتداد الفترات السابقة في غرفة إنعاش صندوق النقد الدولي، فها هي وقد تحولت إلى نمر اقتصادي زاد معدل نموه السنوي على 7 في المئة.

ولذلك كله فلابد من أن تكون نتائج انتخابات الشهر الماضي قد أخرست ألسن الجنرالات. فقد حصد خلالها أنصار "أردوجان" نسبة قاربت 47 في المئة من إجمالي الأصوات، مقارنة بنسبة 34 في المئة حصلوا عليها في انتخابات عام 2002، بينما حصلوا على 340 مقعداً من مقاعد البرلمان البالغ عددها 550 مقعداً وعليه فقد كانت الرسالة التي بعث بها الناخبون واضحة وضوح الشمس: لا للتدخل العسكري.

ذلك أن ملايين الناخبين الأتراك، شأنهم شأن التديُّن المعتدل الذي جسدته حكومة "أردوجان"، إنما يبدون ارتياحاً ورغبة في استمرار السياسات الاقتصادية الرأسمالية الموالية للغرب، ولا يرون أي تعارض بين هذه السياسات وتدين زعيمهم "أردوجان".

وبالقدر ذاته فإن انتخاب "جول" للمنصب الرئاسي من قبل البرلمان، إنما يقف دليلاً على انتصار الديمقراطية، بقدر ما هو انتصار للمبدأ القائل بأن في وسع الحزب السياسي الديني أن يكون معتدلاً وليبرالياً في ذات الوقت.

أما واشنطن فقد بدت مندهشة ومعقودة اللسان أمام هذه التطورات الإيجابية، بدلاً من أن تبدي فرحتها وترحيبها بها. وكيف لها أن تفعل ذلك وهي التي حض مسؤولها أنقرة على ضرورة "الإجماع" السياسي على انتخاب رئيس آخر للبلاد عدا عبدالله جول؟!

*كاتب ومحلل سياسي أميركي

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر:الإتحاد الإماراتية-ينشر بترتيب خاص مع خدمة "لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست"-28-8-2007