في إطار الأمن القومي العراقي : سيادة القانون و كفالة الحقوق و الحريات

 

المحامي طارق حرب

 

 

قد لا يحيط البعض بالآصرة التي تجمع بين مبدأ سيادة القانون وحقوق المواطن العراقي وحرياته من وجه والأمن القومي العراقي بحيث لا يدرك ان هذه العناوين الثلاثة تجتمع تحت مصدر واحد وتتفق تحت مقصد واحد هو اعلاء شأن العراق

الوطن والعراقي المواطن. فاذا كانت سيادة القانون تعني الجنوح الى ارادة الدستور ونصوص القانون بدلا من ارادة الحاكم في معالجة مسألة معينة وان الحقوق والحريات مبدأ يحكم جميع نصوص الدستور وأحكام النظام القانوني العراقي باعتبار ان الدستور لم يوجد الا لأجل اطلاق ممارسة الحقوق والحريات بالشكل الذي قرره الدستور والوجه الذي رسمه القانون فإن ممارسة العراقي لحقوقه وحرياته ليست الا تطبيقا لفلسفة سيادة القانون التي حددها الدستور.

وهذه وتلك ترتبط ارتباطا لا يقبل التجزئة مع موضوع الامن القومي العراقي. إذ ان ما يتم اتخاذه من اجراءات والقيام به من اعمال لتحقيق الامن القومي هو في حقيقته ليس الا تمكين اجهزة الدولة من ممارسة سلطاتها على وفق مبدأ سيادة القانون وليس الا فسح المجال واسعاً امام المواطن العراقي لممارسة حقوقه وحرياته التي كفلها الدستور. فما اقامة وتشكيل اجهزة الامن القومي الا لغاية واحدة هي ضمان تنفيذ احكام الدستور والقانون.

سيادة القانون في النصوص الدستورية

لقد وردت عدة نصوص في الدستور تتعلق بالموضوع، فلو رجعنا الى ديباجته لوجدناها تنص على (لم يثننا التكفير والارهاب من ان نمضي قدماً لبناء دولة القانون) ونصت ايضا (نحن شعب العراق.. عقدنا العزم.. على احترام قواعد القانون..) ونصت المادة (5) على (السيادة للقانون والشعب مصدر للسلطات) والمادة (6) على (يتم تداول السلطة سلميا عبر الوسائل الديمقراطية) والمادة (9) نصت على (تتكون القوات المسلحة العراقية والاجهزة الامنية من مكونات الشعب العراقي.... وتخضع لقيادة السلطة المدنية ولا دور لها في تداول السلطة وتدافع عن العراق ولا تكون اداة لقمع الشعب العراقي ولا تتدخل في الشؤون السياسية ولا دور لها ويحظر تكوين ميليشيات عسكرية خارج اطار القوات المسلحة ولا يجوز للقوات المسلحة العراقية وافرادها الترشيح في الانتخابات.. ولا يجوز لهم القيام بحملات انتخابية لصالح مرشحين فيها) وبالنسبة لجهاز المخابرات الوطني العراقي فأن تلك المادة عهدت لهذا الجهاز جمع المعلومات وتقويم التهديدات الموجهة للأمن الوطني وتقديم المشورة للحكومة العراقية ويكون تحت السيطرة المدنية ويخضع لرقابة السلطة التشريعية ويعمل وفقا للقانون وبموجب مبادئ حقوق الانسان.

الحقوق المكفولة في الدستور

اما بالنسبة للحقوق فان المادة (14) من الدستور قررت حق المساواة والمادة (15) التي قررت خلاصة هذه الحقوق والحريات وجمعتها وهي الحق في الحياة والامن والحرية وهذا هو المبدأ والاصل والقاعدة العامة التي تتفرع منها حقوق الانسان وحرياته بما فيها حق المساواة الوارد في المادة (14) ذلك ان المساواة تندرج تحت عنوان الحق في الحياة وبعد ذلك تناول بتفصيل هذه الحقوق والحريات كالحق في الخصوصية الشخصية وحرمة المساكن والحق في الجنسية العراقية باعتبارها الرابطة القانونية والسياسية بين الفرد والدولة والحقوق القضائية كاستقلال القضاء ولا جريمة ولا عقوبة الا بنص وقدسية حق الدفاع وقرينة براءة المتهم حتى تثبت ادانته وعدم رجعية القانون وعلنية جلسات المحاكم وحظر الحجز والحبس والتوقيف وحق المشاركة في الشؤون العامة والتمتع بالحقوق السياسية وحق العمل وحق الانتفاع بالملكية الخاصة وحق التملك في اي مكان في العراق وحق الانتقال للأيدي العاملة والبضائع ورؤوس الاموال في جميع أنحاء العراق والحق في  حماية الاموال العامة والحق في وجود سند قانوني لغرض الضرائب والرسوم والحق في حماية الاسرة والحق في منع التعسف والعنف والحق في الضمان الاجتماعي والصحي والمقومات الاساسية للعيش في حياة كريمة والحق في العيش في ظروف بيئية سليمة والحق في التعليم وحرية الانسان وكرامته وحرية الاعلام وحرية تأسيس الجمعيات والاحزاب ومنظمات المجتمع المدني والاتحادات والنقابات وحرية الاتصالات وحرية الفكر والضمير والعقيدة والحرية الدينية وحرية التنقل والسفر والسكن وسواها من الحقوق والحريات.

التزامات الدولة وضماناتها

غير ان الذي يلاحظ ان الدستور لم يكتف باعلان الحقوق والحريات وانما وضع التزاما على الدولة في احايين كثيرة لكفالة وضمان ممارسة الحق واستعمال الحرية مثاله كفالة الدولة تأسيس النقابات والاتحادات المهنية وان نزع ملكية المواطن لأمواله من قبل الدولة يجب ان يكون لأغراض المنفعة العامة وبتعويض عادل والتزام الدولة باصلاح الاقتصاد العراقي وتشجيع الاستثمارات وعدم جواز تنازل الدولة عن المال العام الا بقانون ومحافظة الدولة على كيان الاسرة وقيمها وكفالتها لحماية الامومة والطفولة والشيخوخة ورعاية النشء والشباب وكفالة الدولة بعدم استغلال الاطفال والتزامها بالضمان الاجتماعي والصحي للعراقيين ورعاية الدولة للمعاقين وضمانها لحماية البيئة والتنوع الاحيائي والتزام الدولة بالتعليم ورعايتها للمؤسسات الثقافية وتشجيعها للانشطة الرياضية وكفالة الدولة للفرد من الاكراه الفكري والسياسي والديني وكفالتها لحرية التعبير عن الرأي والصحافة والاجتماع والتظاهر وضمان حرية العبادة وحماية اماكن العبادة وحرص الدولة على تعزيز دور مؤسسات المجتمع المدني والنهوض بالقبائل والعشائر بما ينسجم والدين والقانون.

ان الذي يحكم المجتمع المعاصر مبدأ سيادة القانون ومقتضى هذا المبدأ التزام جميع اعضاء المجتمع وسلطات الدولة على السواء باحترام القانون كأساس لمشروعية الاعمال. وهذا لا يعني مجرد الالتزام باحترام احكامه بل يعني سمو القانون وارتفاعه على الدولة وهو ما يتطلب ان تبدو هذه السيادة في مضمون القانون لا في مجرد الالتزام بأحكامه ومن حيث المضمون يجب ان يكفل القانون الحقوق والحريات للمواطنين. فهذا المضمون هو اساس سيادة القانون. فالقانون ليس اداة لعمل الدولة فقط ولكنه ايضا الضمان الذي يكفل الحقوق والحريات في مواجهة الدولة.

اذ ان هذه الحقوق والحريات هي الشرط الاساس لممارسة الديمقراطية. واذا كان الدستور ينظم علاقة سلطات الدولة فيما بينها فأنه فوق ذلك يكفل احترام الحقوق والحريات للأفراد في مواجهة الدولة فالدستور بهذا الوصف هو اداة فعالة لحماية هذه الحقوق والحريات في مواجهة الجميع بما في ذلك السلطة التشريعية (مجلس النواب) ويتفق مبدأ سيادة القانون مع ما يتطلبه مبدأ حكم القانون Rule of law في المصطلح البريطاني ومبدأ اتباع الوسائل القانونية السليمة Due Process of law في المصطلح الاميركي.

فالدولة القانونية بخلاف الدولة المغلقة (البوليسية لا تجعل القانون مجرد اداة لعملها بل تجعله سبيلاً لتقييد سلطاتها لصالح الحقوق والحريات بجميع اضربها وانواعها. فالديمقراطية تفترض ان تعمل السلطة وفقا للقانون ففيها لا يعلو احد فوق القانون وهذا ما اكدته المادة (5) من الدستور والتي تقرر سيادة القانون والمادة (6) التي اعلنت ان تداول السلطة يتم سلمياً عبر الوسائل الديمقراطية.

وفي هذا المعنى جاء في الاعلان العالمي للديمقراطية الذي اقره مجلس الاتحاد البرلماني الدولي في القاهرة سنة 1997 {ان الديمقراطية تقوم على سيادة القانون ومباشرة حقوق الانسان} واذا كانت الشرعية الدستورية كضمان للحقوق والحريات باعتبار ما هو مدون في نصوص الدستور فانها ترتبط ارتباطا وثيقا بكل من الديمقراطية وسيادة القانون وهذا الامر تبلور في اعلانات وعهود دولية لحقوق الانسان وحرياته وتأكيد الرقابة القضائية الدستورية حيث تختص المحكمة الاتحادية العليا بالرقابة الدستورية على القوانين والانظمة النافذة على وفق احكام المادة (93) من الدستور.

الأمن القومي في الدستور

اما بالنسبة للأمن القومي فانه بالاضافة الى النصوص الدستورية التي اسلفناها فأن الغاية من الاجهزة الامنية كالجيش والشرطة والمخابرات واجهزة الامن القومي هي العمل على استعادة اوضاع الامن والاستقرار في البلاد وايجاد الظروف التي من شأنها تمكين المواطن العراقي من ممارسة الحقوق والحريات والمستقبل السياسي.

لذلك صدر القانون 68 لسنة 2004 (امر سلطة الائتلاف) المنشور في جريدة الوقائع العراقية 3983 حزيران 2004 لأجل تنسيق العمل بين مختلف الوزارات المكلفة بحماية وتعزيز مصالح الامن القومي العراقي وخاصة في مجال التصدي لخطر الارهاب. حيث انشئت بموجب هذا القانون اللجنة الوزارية للأمن القومي المشكلة من وزارات الدفاع والداخلية والمالية والعدل وتم استحداث منصب مستشار الامن القومي يتولى ادارة العمل في هيئة الامن القومي.

كذلك ورد في القانون 22 لسنة 2003 (امر سلطة الائتلاف) المنشور في جريدة الوقائع العراقية 3979 والخاص بتشكيل جيش عراقي جديد ان الجيش مؤسسة الغرض منه توفير قدرة تدعم امن العراق والدفاع عن الدولة وتوفير الحماية العسكرية بقوات مسلحة محترفة وغير سياسية.

فالاجهزة الخاصة بالأمن القومي بما فيها الجيش والشرطة والاجهزة الاخرى يتم عملها على وفق الدستور والدستور في فلسفته يقوم على ان اجهزة الدولة بأجمعها يجب ان تعمل على وفق مبدأ سيادة القانون وتمكين المواطن العراقي من ممارسة الحقوق والحريات.

صحيح ان الظروف التي يمر بها العراق هي ظروف استثنائية قد تؤدي الى تقييد بعض الحقوق والحريات او ان ممارستها تكون محدودة بسبب هذه الظروف.

فأول وأهم حق مقرر في جميع الشرائع والدساتير والقوانين وهو الحق في الحياة، غير متحقق بالشكل الذي رسمه الدستور ومع عمل اجهزة الامن القومي بأجمعها لتأمين هذا الحق بحيث كانت الأكثر اعتقادا والاعلى اخلاصا لتحقيق هذا المقصد.

فالضرورات تبيح المحظورات والضرر الاشد والمتمثل بالارهاب والعنف يدفع بالضرر الاخف وهو تقييد الحقوق والحريات بحيث تكون مقيدة بأغلال بعيدة عن الاطار الرسمي للدولة ويتحكم الارهابيون في ذلك مثاله الحق في السفر والسكن في المحافظات والحق في ممارسة العمل اذ انه شبه ممنوع في بعض المناطق الساخنة بأمر بعيد عن متناول السلطات الرسمية.

على الرغم من ان الفقه الدستوري يرى في القوات العسكرية الكبيرة العدد كما هو حاصل في النظام السابق يشكل تهديدا للحرية وللديمقراطية وتؤدي الى تأسيس طبقة ارستقراطية او استبدادية عسكرية كما ان وجود القوات العسكرية الكبيرة يشكل عبئا هائلا على الاقتصاد الناشئ لدولة جديدة كالحالة العراقية واخيرا اعتبرت هذه القوات تشكل تهديدا للسلام ولهذا برزت فكرة السيطرة المدنية على القوات المسلحة وحتى وزارتا الدفاع والداخلية لم يجوز الدستور العراقي اشغالهما من قبل العسكريين كما هو وارد في المادة (77) من الدستور. وتبقى النصوص كلمات جامدة ما لم تأخذ سبيلها للتطبيق والتنفيذ وفي جميع الاحوال يكون المواطن العراقي والوطن العراق هما مصدر وهدف عمل الاجهزة الامنية وما يتخذ من اجراءات لتحقيق الامن القومي في البلاد.

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر:جريدة الصباح -24-8-2007