العلاقة بين الديمقراطية و تكريس المواطنة

 

كاظم الحسن

 

لم تنجح في مواجهة الحروب والاعاصير السياسية والازمات الاقتصادية والاجتماعية في التاريخ المعاصر سوى الدول الديمقراطية بفعل نظام المؤسسات القائم على معايير موضوعية ومهنية والتعامل بدقة وشفافية مع القدرات البشرية، وهذا لم يحدث اعتباطاً بل جاء نتيجة آليات الديمقراطية التي تجعل من توزيع السلطات وتداولها عمادها في العملية السياسية المؤطرة بالقانون والدستور والحريات مما يؤدي الى نمو (دولة ـ امة) طالما ان جميع الافراد والاقليات والقوميات يرون حقوقهم مصانة ومحمية من قبل الدولة فان انتماءهم لها سوف يكون اصيلاً وثابتاً.

ولذلك ليس من الغريب ان افراد الشعب الاميركي كانوا لفترة طويلة من تاريخ البلاد ينسبون انتماءهم الاساس للولاية ولكن بحلول نهاية القرن العشرين اصبحت الهوية القومية موضع اعتزاز اكبر من ذي قبل.

ان عملية انصهار مكونات المجتمع في بوتقة المواطنة سوف يزيد من تجانس وانسجام افراد الشعب ويعزز في نفوسهم الاخلاص وروح المسؤولية والشعور بالثقة والاطمئنان لمستقبلهم وهذا يأتي من خلال الحراك السياسي والاجتماعي والاقتصادي لكل المواطنين بغض النظر عن هوياتهم العرقية والمذهبية والسياسية.

الا ان الكيانات السياسية بعد الاستقلال واثناء الحرب الباردة كانت هشة ولم تستطع بناء ما يسمى (دولة ـ امة) بل تكونت بديل ذلك (دولة ـ دكتاتور) وهذا  يفسر عدم انصهار مكونات الشعب في الامة، وعندما بدأت بوادر انهيار الدكتاتورية بطبيعة الحال سوف تتعرض الدولة كذلك للانهيار وتصبح ممتلكاتها وارثها مشاعاً يعبث به من يعبث لان الاعتقاد الجمعي يعتبر الدولة هي شخص الحاكم، ولما كان الحاكم يمثل الغنيمة والضرائب والحروب فان سقوطه يمثل خلاصا للناس وانتقاما ايضاً لهم وهذا الشرخ الكبير بين الدولة والمجتمع سوف يقع على عاتق من يقوم ببناء الدولة من جديد ويجب ان الا تكون هذه المرة (دولة ـ حزب) حتى لا تتكرر التجربة المؤلمة التي مر بها العراق.

لان الحزب جزء والدولة هي الكل الجامع لمختلف اطياف المجتمع وعليه لابد ان تكون الدولة هي من الثوابت وليس من المتغيرات، والقاسم المشترك للمجتمع طالما ان المناصب الحكومية هي دورية وليست دائمة فلابد للحزب الذي يأتي الى السلطة ان لا يفرض اجندته على الدولة لان ذلك سوف يشكل ثقلاً على العملية السياسية وربما يؤدي الى اجهاضها.

وتشكل عملية فصل السلطات وتداولها صمام امان للديمقراطية لرفدها بدماء جديدة وتضخ فيها روح العصر وتجعلها في حالة صيرورة مستمرة وهذا هو الذي يجعل الدولة الديمقراطية فتية ونضارة الشباب تسري في عروقها ولها القدرة والحرية والحركة ما يكفي للانطلاق بسهولة ويسر في داخل التاريخ والاستفادة من دروسه وعبره وتجاربه مما يجعل الدولة في حالة تجدد باستمرار لتواكب المتغيرات وتكون جزءاً منها.

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر:21-8-2007