ترشيح "جول" للرئاسة... وسيناريو "الفوز المضمون"

 

 

سكوت بيترسون

 

بعد أن تعهد بحماية "العلمانية" على الرغم من ماضيه الإسلامي، أصبح وزير الخارجية التركي المثير للجدل عبدالله جول، مهيئاً لإعادة ترشيح نفسه مجدداً لمنصب الرئاسة، وهو ما حدث أمس الاثنين، وذلك عندما بدأ البرلمان التركي المنتخب الجديد دورة التصويت الأولى لاختيار رئيس للدولة، وهي الدورة التي لم يفز قيها "جول" بالمنصب.

ويذكر أن المحاولة الأولى التي جرت في أبريل الماضي لتنصيب "جول" رئيساً لتركيا، قد أثارت أزمة سياسية واحتجاجاتٍ جماهيريةً، ومخاوف من القوميين، وتهديدات بالتدخل من جانب المؤسسة العسكرية، التي حذرت من أن تنصيب "جول" وهو رجل متدين ترتدي زوجته حجاباً إسلامياً رئيساً سوف يؤدي إلى تآكل التقاليد العلمانية للدولة التركية.

ولكن الناخبين الذين صوتوا في 22 يوليو الماضي لم يروا المسألة على هذا النحو، ومنحوا "جول" تفويضاً غير مسبوق عندما منح واحد من بين كل اثنين منهم صوته لـ"حزب العدالة والتنمية" ذي الجذور الإسلامية.

"بالقطع إنها فترة جديدة في التاريخ التركي"... هذا ما قاله "حسين بخشي" من جامعة "الشرق الأوسط التنقية" في أنقرة، الذي يرى أن العسكريين قد شعروا بالصدمة من هذه النتيجة، خصوصاً أن الرئيس التركي يعتبر القائد الأعلى للقوات المسلحة حسب الدستور.

وفي أول رد فعل علني له منذ التصويت، رفض قائد الجيش التركي "ياسر بيوكانيت" مناقشة اعتراضات الجيش السابقة على السيد "جول"، وقال: "لقد قلنا كل شيء". وأعرب الجنرال بعد ذلك عن أمله أن يلتزم الرئيس الجديد بمبادئ الدولة العلمانية التزاماً جدياً وليس لفظياً".

ويقول "بخشي": (إن حصول حزب "العدالة والتنمية" على نسبة 46.6 في المئة من مجموع الأصوات يجعل من جول "مرشح الشعب" خصوصاً بعد الزيارات التي قام بها في مختلف أنحاء تركيا، والتي أكدت له أن الأغلبية العظمى من الأتراك العاديين تؤيده).

ويرى السيد "بخشي" أن"الطريقة التركية في الحياة قد غدت- وعلى نحو متزايد- أكثر تديناً من حيث الممارسة خلال السنوات الخمس الماضية. أما من الناحية السياسية، فإن تركيا لا تزال دولة علمانية، ذات مجتمع مفتوح يسود فيه حكم القانون، وأن هذا هو مكمن المفارقة التركية".

وكانت الأسواق المالية قد شهدت ارتفاعاً، كما أن رجال الأعمال الأتراك والأجانب تنفسوا الصعداء بعد الفوز الذي حققه حزب "العدالة والتنمية" وأعربوا عن أملهم في استمرار عملية الإصلاح الاقتصادي، التي تتم منذ خمس سنوات بهدف إدخال تركيا في الاتحاد الأوروبي.

وبعد أن أكد ترشيحه الأسبوع الماضي، بدا "جول" في حملة للدعاية وكسب التأييد اتصل خلالها بالقيادات السياسية والعمالية طالباً منهم المؤازرة، ومحاولاً تهدئة مخاوفهم بشأن ماضيه الإسلامي بالإدلاء بتصريحات مطمئنة منها مثلاً قوله: "لو تم انتخابي فإن الدستور سيكون هو دليلي" أو قوله: "إن العلمانية هي مبدأ من المبادئ الأساسية للدستور، وسأعمل من أجل حمايتها".

مع ذلك لا يزال اختيار "جول" يثير ردود أفعال مناوئة. فحزب "الشعب الجمهوري"- الذي يمثل حزب المعارضة الرئيسي في تركيا، والذي نجح على الرغم من فقدانه لمقاعده داخل البرلمان، في إحباط المحاولة السابقة لترشيح "جول" لمنصب الرئاسة من خلال مقاطعة التصويت لضمان عدم اكتمال النصاب القانوني - أعلن أنه سيقاطع انتخابات الرئيس الجديدة وحذر على لسان بعض كبار مسؤوليه من أن تولي "جول" لمنصب الرئيس سيؤدي إلى "تحول تركيا إلى دولة دينية" وإلى وضع النظام "في حال الخطر"، متعهداً بمقاطعة القصر الرئاسي إذا ما فاز "جول".

ولكن حزباً قومياً آخر عاد إلى البرلمان بعد فترة انقطاع عن التمثيل استمرت خمس سنوات، أعلن أنه سيشارك في الجولة الأولى من التصويت التي ستبدأ الاثنين المقبل لانتخاب رئيس للجمهورية.

ويُشار في هذا الصدد إلى أنه إذا لم يتم انتخاب "جول" في الجولتين الأوليين اللتين تتطلبان منه الحصول على ثلثي عدد الأصوات، فإن فوزه في الجولة الثالثة التي تتطلب للفوز بها تحقيق أغلبية بسيطة يكاد يكون مضموناً، خصوصاً أن الحصول على تلك الأغلبية لا يمثل عقبة ذات شأن بالنسبة لحزب "العدالة والتنمية" الذي يحتل 341 مقعداً من أصل 550 تمثل مجموع مقاعد البرلمان التركي.

وكان بعض المحللين قد توقعوا أن يختار حزب "العدالة والتنمية" مرشحاً آخر للرئاسة يكون أكثر قبولاً لدى الجيش والنخبة العلمانية، وخصوصاً بعد أن استبق رئيس الوزراء التركي نتائج الانتخابات، بالتعهد بالتوصل إلى "تسوية".

ولكن العديد من الناخبين نظروا إلى الانتخابات التي عُقدت مبكراً بسبب الأزمة السياسية على أنها استفتاء فعلي على ترشيح "جول". ويشيرون في هذا الصدد إلى ما قاله "جول" من أن قراره بالترشح مجدداً لمنصب الرئاسة على الرغم من إدراكه أن هناك احتمالاً لأن يؤدي مثل هذا الترشيح إلى المزيد من التوتر مع العسكريين، ومع الأحزاب القومية، قد جاء بعد أن رأى مدى الدعم الذي تقدمه الجماهير له، وأنه يعتبر أن إعادة ترشيح نفسه تعد بمثابة وفاء بوعد كان قد قدمه للجماهير بأنه سيفعل ذلك.

ويشير "جول" إلى الجولات الانتخابية التي كان يصاحب فيها رئيس الوزراء "أردوجان" الذي يحظى بشعبية كبيرة، والتي كانت الجماهير التركية تقاطع أثناءها حديثه بالهتاف والتهليل كلما تحدث عن ترشيح نفسه للرئاسة، وهي وظيفة طالما اعتبرت محجوزة للعلمانيين في تركيا.

وقد تبين أن هذا الدعم الشعبي أكثر انتشاراً من مما كان يعتقد المتظاهرون العلمانيون الذين خرجوا للاحتجاج على ترشح "جول" لمنصب الرئاسة في الربيع الماضي والذين هددوا باللجوء إلى العنف إذا ما وصل "جول" إلى القصر الرئاسي بل وبالزحف على القصر لطرده منه.

في جولة انتخابية له في مدينة "ديار بكر" الواقعة شرق تركيا في يونيو الماضي، خاطب "جول" جمعاً حاشداً بقوله: "إنني أعرف أنكم هنا لأنهم عرقلوا الانتخابات الرئاسية، ولكنني متأكد من أن تجمعكم هذا لديه ما يقوله حول تلك الانتخابات".

وفي سياق وعده بالعمل على الارتفاع إلى مستوى الحضارة الحديثة التي بشر بها مصطفى كمال أتاتورك مؤسس تركيا الحديثة، يقول جول: إنه سيعمل على إعادة تنشيط المحاولات التركية التي تعطلت من أجل الانضمام للاتحاد الأوروبي.

*مراسل "كريستيان ساينس مونيتور" في اسطنبول

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر: الإتحلد الإماراتية- ينشر بترتيب خاص مع خدمة "كريستيان ساينس مونيتور"-21-8-2007