التربية المدنية ... مستقبل العرب الديمقراطي

 

د. برهان غليون

 

أدى فشل مشاريع التغيير الديمقراطي التي طرحت في السنوات القليلة الماضية، إلى انتشار اليأس من مستقبل الديمقراطية في المجتمعات العربية.

فبعد تنامي الآمال في السنوات الأولى من القرن الجديد بربيع عربي ديمقراطي، عبر عنه الرأي العام المثقف ومؤسسات المجتمع المدني، وبدا وكأن العديد من النظم السياسية قد استجابت ولو جزئياً لضغط الدول الغربية... عادت الأمور اليوم إلى أسوأ مما كانت عليه في نهاية القرن الماضي.

وأصبح حلم توريث السلطة والرئاسة في النظم الجمهورية، فرضية ممكنة من جديد، بينما زادت جرأة السلطات العربية على التصدي بالعنف لحركات المطالب الديمقراطية، وقلّ الخوف من الاعتقالات التعسفية والجماعية ومن تعقب المثقفين وتهديدهم ليكفوا عن خطاباتهم ومواقفهم النقدية.

وسبب هذا التراجع يعود للسياسة الكارثية التي اتبعتها الإدارة الأميركية الحالية. فهي في سبيل إضفاء الشرعية على مشروعها الاستعماري في العراق والشرق الأوسط عموماً، جعلت من الإصلاح أحد شعاراتها، وادعت رغبتها في تحرير الشعوب العربية من الاستبداد!

وساهمت بذلك في تقويض مشروعية الكفاح الديمقراطي العربي لدى قسم كبير من الرأي العام العربي، بعد أن دعمت، خلال أكثر من ستين عاماً، حسب تصريح الرئيس جورج بوش نفسه، نظماً ديكتاتوريةً.

وجاءت هزيمتها في العراق لتعطي للنظم العربية التي حنت رأسها للعاصفة فترة قصيرة، فرصة الانتقام من القوى الديمقراطية المحلية وسحقها، في سياق انحسار النفوذ الأميركي. هذا هو ما يفسر الجزر الديمقراطي الذي تعيشه البلاد العربية التي وقعت ضحية السياسات الاستعمارية الأميركية الحالية.

ومن الطبيعي أن يدفع هذا الوضع كثيراً من الديمقراطيين وقطاعات الرأي العام العربي المتأثرة بهم، إلى التساؤل فيما إذا كانت لا تزال هناك فرص لاستعادة المبادرة من قبل الحركة الديمقراطية لبدء مشروع التغيير الذي تحلم به الشعوب العربية.

وجوابي أن الانتصار الذي تشعر به أغلب النظم العربية اليوم قصير الأجل وملغوم بالأساس. لأنها لا تملك أي حل للأزمات المتفاقمة التي تعيشها المجتمعات العربية، ولا أمل لها في الخروج من مأزقها.

فهي لم تربح شيئاً لكنها تعيش على الفراغ أو الوقت الضائع الذي خلفه انحسار النفوذ الأميركي، من دون أن تملك أي فضيلة تؤهلها لملء هذا الفراغ والإجابة على تحديات التغير السريع الذي تعيشه المجتمعات.

لهذا، بعد الصدمة التي أحدثتها نتائج تطبيق الاستراتيجية الأميركية في المنطقة، وبشكل خاص في العراق، ستعود الحركة الديمقراطية العربية أقوى مما كانت.

والمطلوب في انتظار ذلك، التغلب على مشاعر الإحباط الناجمة عن الانقلاب الحاصل في موازين القوى الإقليمية، والعمل على تحرير الحركة والفكر الديمقراطيين من المخانق والتناقضات والالتباسات الموروثة عن المرحلة السابقة.

بالتأكيد لن يكون هناك أمل في بناء نظام ديمقراطي مستقر في البلدان العربية، خاصة في المشرق، بمعزل عن حل القضايا الوطنية الكبرى، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، وتوسيع هامش مبادرة الدول والشعوب تجاه الاستراتيجيات الاستعمارية الخارجية.

لكن يتوقف هذا التقدم نفسه على قدرة المجتمعات على تكوين قوى ديمقراطية شعبية حية تفرض على النظم والقوى الأجنبية معاً تغيير حساباتها.

إن مستقبل الديمقراطية في البلاد العربية، لا يتوقف على تغيير علاقات القوى داخل الدول العربية نفسها وفرض التعددية على النظم الأحادية أو شبه الأحادية فحسب، وإنما أيضاً على تغيير علاقات القوة الإقليمية وزحزحة الاستراتيجيات الاستعمارية المترسخة في المنطقة.

وبناء حركة ديمقراطية شعبية ليس عملية عفوية. ولا يحدث تلقائياً من جراء تراجع نفوذ القوى الدولية أو انحسار نفوذ النظام القائم وتداعي تحالفاته الداخلية والخارجية... إنه يتوقف على النجاح في تطوير خط جماهيري يربط بين المطالب الشعبية المشروعة والحقوق الإنسانية الأساسية وبين المصالح الوطنية العليا للعالم العربي ولكل بلد من بلدانه أيضاً.

وفي هذا البناء تقع مسؤولية رئيسية على المثقفين الذين يمثلون الوسيط الحضاري الناقل للأفكار والدروس التاريخية، ومسؤولية لا تقل عنها أهمية على السياسيين بوصفهم الجسر الذي يربط بين عالم الفكر وعالم الممارسة. لكن في ما وراء ذلك، يستدعي بناء الديمقراطية، كحركة ثم كنظام مجتمعي، تربية مدنية لا غنى عنها في أي تجربة من أجل تأهيل المجتمع وإعداده لاستيعاب معنى الحرية والمسؤولية والمساواة والقانون.

هذه هي الخطوة الأولى والضرورية والشرط المسبق، ليس لنمو الحركة الديمقراطية فحسب، وإنما أيضاً لتكوين قوى ديمقراطية قادرة فعلاً على حمل النظام الديمقراطي القادم وتسييره والدفاع عنه ومنع استغلاله من قبل شبكات المصالح المالية.

وربما كان دور المثقفين أهم كثيراً في هذا المجال من دورهم في قيادة حركة التغيير السياسي نفسها. المهم أن نعرف أن الديمقراطية هي النظام الذي يستند إلى سيادة الشعب ومشاركته القوية، وهذا ما يفترض أولاً وجود شعب والشعب ليس مجرد أفراد يعيشون معاً، لكنه ثقافة حية تفاعلية، ومبادئ للعيش المشترك، وأخلاقيات عامة قائمة على الاحترام والمساواة والتضامن والتكافل.

الشعب نظام أخلاقي وثقافي وقانوني، أي وعي وطني أو مواطني يولد إرادة واحدة. فإذا انعدمت التصورات الذهنية والرمزية المشتركة، والأخلاقيات التضامنية والمواطنية، وتحول الشعب إلى أفراد لا رابط بينهم سوى المصالح الخاصة، لا يشعرون بالألفة ولا الثقة المتبادلة ولا الفائدة من العيش المشترك، زالت الإرادة الموحدة وانقسم الشعب إرادات، وزالت إمكانية بناء نظام سياسي بالمعنى الحقيقي للكلمة.

أما ما نعرفه في بلداننا من نظم فأغلبه لا علاقة له بذلك. وليس فيها شيء من نظام السياسة وإنما هي نظم سيطرة بالقوة، وفرض لإرادة مجموعة من المستندين في حكمهم على الأجهزة الأمنية والعسكرية.

ولا تملك شعوبنا لا أخلاقيات سياسية حقيقية واعية ولا إرادة وطنية. إنها تعيش في نظام التبعية المطلقة لـ"السلطة الأجنبية"، حتى لو كان أعضاؤها من أهل البلاد الأصليين، لكن لا يجمعهم جامع مع بقية أبناء جلدتهم، ولا يستطيعون ضمان استمرار سلطتهم إلا بتعليم الشعوب استبطان دونيتها.

ولا تتردد بعض النظم في سبيل فرض هذا التميز والتفوق، في استخدام العنف الأعمى الذي يجبر السكان على استبطان علاقات السلطة القائمة ومنطقها، أعني منطق السيادة من جهة والعبودية من جهة أخرى!

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر:الإتحاد الإماراتية-15-8-2007