مَنْ أجهض حركة الإصلاح العربية؟

 

 

خليل علي حيدر

 

لماذا يطالب العرب بتحديد موعد سريع لخروج الأميركان من العراق وربما من المنطقة العربية كلها، ولا أحد يصرّ على موعد مماثل لبدء الإصلاحات الديمقراطية فيها؟

إن الخروج الفوري وحتى المتدرج للقوات الأميركية من العراق لن يعيد الأمور وتوازن القوى إلى ما قبل 9/4/2003، يوم سقوط نظام صدام.

ولا أرى أن لدى دول المنطقة والدول العربية الأخرى بديلاً يُركن إليه أو قوة يعتمد عليها. وإذا كان العرب ودول الجوار الإسلامي قد أجهضوا "الديمقراطية الأميركية الآتية من الخارج"، فما هي خططهم لاستنبات "الديمقراطية العربية الأصيلة"؟

تكلم ساسة العرب ومثقفوهم منذ سنين طويلة، وبخاصة بعد النكبة والنكسة وحرب الخليج الثانية عام 1991، عن ضرورة "الإصلاح" وفتح تقرير التنمية الإنسانية العربية بابا من المناقشة من جديد حول قضايا التخلف والتنمية وما يعانيه العالم العربي من انحدار ومن حاجة ملحة إلى التغيير والإصلاح على كل صعيد.

فعلى كل من هاجم الدواء الأميركي وركز على مضاعفاته وتأثيراته الجانبية، ألا ينسى تقارير التنمية والعلل التي تنخر في "النظام العربي" برمته، سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وثقافياً، في كل بلدانه تقريباً.

استفادت النظم العربية، كما يقول د. برهان غليون مثلاً، "من الموقف السلبي التاريخي للرأي العام العربي تجاه السياسات الأميركية في المنطقة، ومن الأخطاء التي ارتكبتها الإدارة المدنية في العراق لنزع الصدقية عن خطاب الإصلاح الأميركي والأوروبي.

ونجحت بالفعل في تعبئة هذا الرأي العام ضد ما سمته الإصلاح المفروض من الخارج. وقدم لها تدهور الوضع الأمني والسياسي والاقتصادي والإنساني في العراق، خلال السنوات الثلاث الماضية، نموذجاً سلبياً لا يقدر بثمن لإظهار مخاطر التسليم بالتدخل الأجنبي والإنصات للنصائح الغربية.

وأصبحت قطاعات واسعة من الرأي العام ناقمة على هذه الأنظمة، وتشك في جدوى التدخل والضغط من أجل الإصلاح، وتقتنع بنظرية الحكومات التي تضع الاستقرار مقابل الإصلاح، أو ترى في الإصلاح، خصوصاً الديمقراطي منه، عدواً للأمن" (انظر ورقته في كتاب التحولات الراهنة ودورها المحتمل، مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية 2007).

ولم يقف انفعال الرأي العام هنا، بل بدأ يعتبر الإصلاح المطروح والتحول الديمقراطي الموعود مشروعاً أجنبياً يمهد لعودة السيطرة الغربية الاستعمارية، وهكذا أُجبرت الجماعات المنادية بالإصلاح على التراجع والدفاع عن النفس ومحاولة التخلص من تهمة العمالة!

وفي هذا السياق، اضطرت الدول الغربية الثمان، التي اعتمدت مبادرة الشرق الأوسط المعدلة في العام 2004 إلى التحفظ والتراجع، وفي نهاية المطاف، صرفت النظر عملياً عن الضغط من أجل الإصلاح.

واستغلت النخب الحاكمة هذا التراجع الدولي عن دعم الإصلاحات، وهذا الهجوم الساحق للكتاب والمثقفين العرب على "الغزو الديمقراطي" والتدخل الأميركي والهيمنة الغربية.

وهكذا، كما يختصر د. غليون الوضع، صار "من الواضح لكل من يتابع مسألة الإصلاح في الدول العربية، أن الأنظمة تحاول اليوم الالتفاف على مشروعات الإصلاح، سواء بالتشهير بالبنود الإصلاحية التي تمثل خطراً عليها، أو بتحقيق بعض مظاهرها الشكلية، مع تفريغها من محتواها السياسي تماماً".

بل إنه يعبر عن تشاؤم أعمق حول مصير المسيرة الإصلاحية التي بدأت مع دخول العالم العربي الألفية الثالثة وبخاصة مع نشر تقارير التنمية المعروفة، فيقول: "ربما لا نبالغ اليوم إذا قلنا إن الانقسام الذي غذته الأنظمة السياسية القائمة حول مسائل الإصلاح، قد أدخل الفكر والسياسة الإصلاحِيَّينْ في حالة تخبط عميق، وأجهض جميع الجهود التي سعت إلى دفع المجتمعات العربية التي تبني مشروع الإصلاح والتضحية من أجله".

لقد نجحت محاولات العالم العربي في عرقلة مسيرة الإصلاح التي طالبت بها الشعوب العربية خلال سبعينيات القرن العشرين.

وكان الثمن كل هذه الديكتاتوريات وكل هذا التخلف والجمود. وقد يكون إجهاض حركة الإصلاح الحالية أفدح ثمناً، "كانفجار المجتمعات نفسها أو العديد منها، وتناثر شظاياها في كل الأنحاء، والتي قد تصيب المجتمعات الأخرى، وفي مقدمتها - يضيف د. غليون - المجتمعات الأوروبية القريبة".

من المسؤول عن تعثر الإصلاح في العالم العربي؟ لا يوفق د. غليون للأسف، كالكثير من المثقفين العرب في تجاوز هذا المنزلق، فهو يرى مثلهم كذلك "إن ما يسعى إليه التكتل الغربي لا يتعلق في جوهر الأمر بإحداث تغييرات سياسية واقتصادية واجتماعية لمصلحة الشعوب العربية، وإنما هو استخدام الإصلاح كذريعة من أجل تأمين مصالح استعمارية أو شبه استعمارية".

وهكذا يلجأ كغيره من مثقفي ومنظري العرب والعالم الإسلامي والعالم الثالث، الى نظرية المؤامرة واتهام الاستعمار والصهيونية وربما "الصليبية والماسونية"، كما يرد الإسلاميون!

والسؤال الذي قد يسأله أقل الناس بساطة في الفهم هو: إن كان الغرب حريصاً على مصالحه إلى هذا الحد، فلماذا يطرح أساساً برامج ديمقراطية للعرب والمسلمين؟

ولماذا ينفق مئات المليارات وألوف الملايين من الدولارات ويقدم كل هذه التضحيات البشرية، ضمن مسعاه منذ الحادي عشر من سبتمبر، لتغيير الأمور في العالمين العربي والإسلامي؟

ومتى تسترجع أميركا مثلاً كل هذه المليارات التي أنفقت في حربي العراق وأفغانستان وحدهما؟

ولماذا لا يكون هدف الغرب مثلاً تحويل بلداننا فعلاً إلى ديمقراطيات ودول يقوم اقتصادها على السوق والاستثمار والمجتمع المفتوح والثقافة والعصرية كي يستفيد بشكل دائم؟

ولماذا انسجم كل الآسيويين مع "الهيمنة الغربية" المزعومة، وحققوا كل هذه المكاسب الحالية والمستقبلية، ووقع العرب والمسلمون ضحية للخوف والهواجس؟

ولقد "هيمن" الأميركان على الكويت عام 1991 وعلى العراق عام 2003 لتأمين النفط، كما قيل، ومن أجل النفط الرخيص على وجه التحديد. فلماذا انعكست الأمور وانتكست الحسابات، وصارت كل هذه المليارات بأيدي الخليجيين والجزائريين والليبيين والإيرانيين والإندونيسيين؟ من حساب مَن تراكمت هذه المليارات لدينا؟

أما آن الأوان حقاً للدكتور برهان غليون وفهمي هويدي ومحمد حسنين هيكل وعبدالباري عطوان وياسر الزعاترة وخير الدين حسيب وليث شبيلات وعثمان سعدي ومعن بشور والطاهر لبيب وعصام نعمان، ومئات غيرهم من الكتاب، لأن يعيدوا النظر في بعض مسلّماتهم؟

غير أن د. برهان غليون ينتبه للثغرة المكشوفة، فيتساءل: إن هذا الخطأ الاستراتيجي الكبير الذي ارتكبه العالم الغربي، ومحاولته التغطية على مشروعات الهيمنة الدولية "لا يلغي مسؤولية قوى التغيير المحلية".

ويكشف أثناء التحليل أن النخب الحاكمة كانت أذكى من الإصلاحيين والديمقراطيين والمثقفين! ذلك "أن النخب الحاكمة أدركت أن تطبيق برنامج الإصلاح المطلوب يعني إلغاء وجودها نفسه لمصلحة صعود نخبة جديدة، ومن ثم فإنه بمنزلة انتحار ذاتي. ولذا وقفت بجميع الوسائل ضد برنامج الإصلاح".

ويهاجم د. غليون الأساس السياسي والاقتصادي للأنظمة العربية، فهذه الأنظمة القائمة على غير اختيار شعبي لا تستطيع القبول بأي إصلاح يستدعي تطبيق حكم القانون وإلغاء الامتيازات وتعميم قاعدة الشفافية واحترام حقوق الأفراد، لأن القبول بكل هذه الإصلاحات يهدد الأسس التي تقوم عليها. والشفافية، على الصعيد الاقتصادي، "هي العدو اللدود لنوعية الرأسمالية المضاربة التي تستند إلى التداخل بين حيازة الثروة والعلاقات السياسية الرسمية وغير الرسمية".

ولا تعتمد هذه البلدان على إنتاج الثروة زراعياً أو صناعياً، فالواقع أن الرأسمال الأول في هذه الأنظمة يقول "جملة العلاقات السياسية المجسدة في علاقات النفوذ، أو في التحالفات مع أصحاب القرار على جميع المستويات الرسمية والأهلية".

وينتقل تأثير هذه الرأسمالية المريضة من السياسة والاقتصاد إلى عالم الحقوق والقانون. ومن هنا فمثل هذه الأنظمة لا تتفق "مع الفصل الفعلي بين السلطات، واستقلال القضاء، وتطبيق حكم القانون، وتعزيز دور المؤسسات، والاعتراف بالمواطنية المتساوية للجميع. فجوهر هذه الأنظمة هو التلاعب بالقانون في سبيل إعادة إنتاج طبقة طفيلية كطبقة أرستقراطية وارثة ومالكة معاً، وغير قابلة بالتعريف لأي تغيير أو تعديل".

ويمضي د. غليون معرياً الأوضاع ومحللاً الطباع.. ولكنه لا يسأل نفسه في نهاية المطاف كيف يمكن أن تحدث عملية التغيير في ظل واقع كهذا، واقع لم يتسع مقالنا هنا لعرضه، في تحليله الشامل!

نسأل مرة أخرى معارضي الديمقراطية القادمة في ركاب الغرب والأميركان.. متى تصل قوافلكم؟

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر: الإتحاد الإماراتية-5-8-2007