تركيا (العدالة) نحو الديمقراطية

 

 

د. عبد الله العوضي

 

مشهد الحراك السياسي في تركيا (العدالة) مثير للفضول مع كل الأطراف المخالفة أو المتفقة أو الصامتة مع توجهات الحزب الحاكم بدرجة قاربت 50% في الانتخابات البرلمانية الأخيرة، والتي كانت بمثابة الصاعقة على رؤوس بعض أهل التصلب من العلمانيين الذين لم يغيِّرهم الفشل ولا الزمن.

والأغرب ليس ما قيل عن فوز حزب (العدالة والتنمية) من قِبل المحللين العرب والمسلمين، وإنما الإشارة الأهم جاءت من الغرب لأنه يملك بيده المعادلة الرياضية التي تسمح لتركيا بالدخول إلى بوابة الاتحاد الأوروبي بجدارة الديمقراطية الغربية ذاتها، التي كانت السبب الأوحد لفوز الحزب مع عدم إغفالنا للتنمية الاقتصادية والسياسية العاقلة التي تعاملت بها الحكومة تجاه النزاع مع الأكراد في التاريخ التركي المعاصر.

ويرى بعض المراقبين الغربيين أن الأداء السياسي للحزب الحاكم في الدورة الأولى ساند بقوة ودفع الحزب للفوز مرة أخرى. من هنا وصفت أوروبا رئيس الحكومة أردوجان بأنه يعتبر بذلك زعيماً من الدرجة الأولى مقارنة بالديمقراطيات المبعثرة في العالم النامي.

والمهم هنا الداخل التركي، فهو العامل الحاسم كذلك الذي ساعد (العدالة) على التحقق من جدواها السياسي بعيداً عن التقاطع الديني الذي روَّج له المناهضون طوال فترة تولي (الإسلاميين) زمام الحكم منذ (أربكان) إلى (أردوجان)، مع وجود الفوارق الجوهرية من الناحية البراجماتية في التعامل مع كافة الأطراف المتصادمة على الأجندة المخيفة حال وصفها بالإسلامية أو الأصولية.

سُئِل أحد المحللين الأتراك: ماذا تعني العلمانية للأتراك؟ فأجاب باقتضاب شديد وتعبير دقيق: هي كاللحم بين الجلد والعظْم. إذاً النهج العلماني محسوم، وهو من المقدسات التي نص عليها الدستور غير القابل للتغيير.

ففي الفترة الأولى ارتكبت بعض الأحزاب أخطاء على مستوى استراتيجية التعامل مع حزب (العدالة والتنمية)، وكفرت عنها في المرحلة الثانية، وهو ما جاء بوجه عام في صالح (العدالة)، حيث إن الشعبية المتراكمة لم تكن فقط لأنصار الحزب بل للآخرين الذين دعموا هذا التوجه عندما رأوا النتائج الملموسة في معيشتهم اليومية.

في عالم السياسة حيث الأجواء الغائمة، هناك مفاجآت وحسابات قد تصعب على التقدير، لكي يبقى الحكم الفصل لمستقبل الأداء في فترة الخمس سنوات المقبلة، فإن كانت سِماناً لحياة المنتخبين فنعمَّى هي، وإن تراجعت إلى العجاف فإن خطوط السياسة قد تتداخل، وعصا الجيش قد ترتفع، ليس من أجل حماية الديمقراطية المنتخبة من الشعب وإنما لصالح أجندة لا تفهم غير لغة القوة التي لقيت حياداً منقطع النظير في الفترة الأولى لحكم (العدالة).

وقد أبدت بعض نتائج استطلاعات الرأي أن نسبة تحييد الجيش أو العسكر في القابل من الأيام قد تصل إلى قرابة 50% من إجمالي العوامل الإيجابية الأخرى التي تتعلق بتقدم مسار الإسلام السياسي مع تراجع المد العلماني المتصلب، وتسريع الخطوات نحو الاندماج السياسي في الاتحاد الأوروبي الذي رحب بقبول المولود الديمقراطي الجديد إذا ما استكملت المتطلبات الأولية للدخول إلى هذه البوابة التي أعلنت الحكومة التركية منذ تحولها إلى (العدالة والتنمية) أنها تملك من الصبر الكثير ولو طال الزمن بها إلى عقود لإنجاح هذا المشروع لمستقبل تركيا. وهذا ما جعل الأوساط الغربية أكثر ترحيباً من ذي قبل، لأن الرهان في هذه الانتخابات كان على حصان الديمقراطية الذي يختلف ويتقاطع مع مصالح حصان طروادة، الذي يستخدم لتدمير أي مشروع حضاري يتعارض مع ضيق نفس صاحبه الذي يستعجل النتائج قبل نضوج ثمار الديمقراطية التي يراد منها البناء للمستقبل وعدم القبول بالانتكاسة والانحدار الشديد.

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر:الإتحاد الإماراتية-3-8-2007