مدنية المجتمع وحريته

 

 

سلمان الخليل

 

يعدّّ الإنسان أقدس الكائنات الموجودة على وجه الأرض و الوحيد الذي يمتلك ميزة العقل الذي استطاع بوساطته تنظيم حياته في المجتمع ضمن مجموعة من الالتزامات يؤديها له وهو ما يعرف بالواجبات المترتبة عليه تجاهه،

بالمقابل يكفل له المجتمع مجموعة من الحقوق يستطيع ممارستها دون أن يكون للآخرين حق انتهاك هذه الحقوق، مثل حق الحرية والعمل والحياة وغير ذلك.

من خلال التزام الكثير من المجتمعات بحقوق أفرادها والتزام الأفراد بأداء واجباتهم نحو المجتمع استطاعت هذه المجتمعات المحافظة على كرامة الإنسان والوصول إلى مرحلة من الرقي والحضارة، عندما نمعن النظر إلى مجتمعاتنا في الشرق نراها متخلفة عن ركب الحضارة وبيننا وبين الشعوب المتحضرة مراحل هائلة، فننظر بعين الحسرة إلى هذه المجتمعات المتطورة وبعين الألم والندم إلى حالنا، ونحاول أحياناً كثيرة تعزية أنفسنا بأن تطورهم يفيدنا، وأن حريتهم فوضى، وتقدمهم ماديٌّ بحت، وديمقراطيتهم وهمٌ وزيف، بهذه التبريرات اللاعقلانية نحاول أن نتعامى عن حال الإنسان في مجتمعاتنا، هذا الإنسان الذي تم تحويله إلى مجرد كائن مسلوب الإرادة يتمّ انتهاك إنسانيته، ولم يعد له أي أماني وأحلام، مثل بقية البشر الذين يشعرون بأهمية الحياة ولذتها، بينما هنا يقضي الإنسان باحثاً عن تحقيق ذاته دون أن ينجح في مسعاه، يرضخ لقساوة الزمن الذي لا يتحرك، إلا للخلف، حيث يبدو له الماضي حلماً جميلاً، بينما حركة الحاضر جامدة، والمستقبل له ملامح غامضة .

مجتمعاتنا أعناق البشر للذلّ ممدودة، وظهورهم للسوط جاهزة، وعقولهم مجمدة، ليس لها أي اعتبار، لا يحق لها طرح الأسئلة وممارسة النقد، ودورها مختصر على حفظ ما يتم تلقينها من السلطة، على الإنسان أن يقبل واقعه على أنه أفضل الممكن، بأنه قضاء لا رادّ له، فالإنسان عندنا لا يفرق بين القوة والعدل، القبضة الأمنية قوية، تخنق الإنسان، وتعتقل كل من يعترض على النمط المتكلس من الحياة .

الإنسان مهما امتلك من كفاءات ومؤهلات علمية ليس بمقدوره الاستفادة منها وتحقيق المكانة الاجتماعية التي تناسب هذه الكفاءات، لأن المعيار الأول والأخير في تحديد قيمة الإنسان ومكانته في مجتمعاتنا هو مقدار ما يملكه من قدرة على النفاق والتماهي مع السلطة والتملق لها، لأن الولاء للسلطة تغني عن الولاء للوطن، وتغني عن القدرات والمؤهلات، فمن حق سلطات بلادنا أن تفتخر بأنها صاحبة براءة اختراع في كيفية ترويض وتدجين المواطن، من خلال قوانين تجعل القمع مبرراً، والاستثناءات قاعدة، والظلم عدلاً .

فحق   المواطن في التعبير عن رأيه مصادرٌ، كلّ من يعبر عن رأيه خارج إرادة السلطة مشكوك في وطنيته، ومرتبط بجهات مشبوهة.      

المواطن بدوره يتبنى هذا الاتهام فتراه خائفاً خانعاً، ليس لديه ثقة بنفسه، يتغلغل الرعب إلى أعماقه، حتى أصبح الخوف صفة ملازمة له، أما الشجاعة في إبداء رأي مخالف للسلطة فهي بالنسبة له تهور وتصرف غير عقلاني .

يقارن ياسين الحافظ بين الإنسان في المجتمع الغربي المدني والإنسان في المجتمع الشرقي الاستبدادي، فيقول (في الغرب كنت أذهل عندما أرى قوة الفرد وجرأته، وثقته بنفسه، وتحرره الكلي من مختلف أشكال الخوف، هناك الفرد ديك، وهنا الفرد دودة، هناك حبل سرة الإنسان موصولة بالألوهة، وهنا حبله مقطوع بتاتاً بما هو عبد، هناك العنفوان، هنا الوداعة، هناك بروميثوثية طاغية، وهنا القناعة وراحة البال، هناك الشك والتساؤل والنقد، وهنا اليقين والتلقين والامتثال) .

طبعا السبب في ذلك إن الإنسان في بلاد الغرب تحرر من الخوف وكفت تلك البلاد أن تكون بلاد الخوف، بينما في مجتمعاتنا مازالت ثقافة الخوف هي الطاغية .

لقد تسللت إلى عقل الإنسان قيم الخنوع والخضوع والاستكانة والرضوخ، وسيطرت على ذهنيته بدلاً من قيم الإخلاص في العمل، وحب الوطن والمساواة والحرية .

حتى الطفولة تستباح براءتها، فالمدارس التي وجدت من أجل تعليم هؤلاء الأطفال، وإعداد عقول قادرة، على صنع المستقبل والإبداع، لأن الإبداع هو نتاج فكري، والفكر نتاج عقلي، فمن غير الممكن بناء جيل مبدع يجعل من مجتمعاتنا مجتمعات متطورة دون تحرير العقل عن طريق نظام تعليمي يعتمد على الحوار والتحليل، وينمي ملكات التفكير ويدرب العقل على طرح الأسئلة، بدلا من هذا كله يتم تلقين الأطفال بالشعارات التي تمجد القائد الواحد والحزب الواحد واللون الواحد، وتعلمهم الطاعة العمياء والولاء المطلق للسلطة، مما يترتب على ذلك نتائج كارثية أبرزها خلق جيل مشوه قائم على سلوكيات فاسدة غير قادر على التفاعل مع متطلبات الحضارة وبناء وطن مزدهر.

تتحول الدولة إلى فوضى ولا يعد للقانون أي قيمة، يصبح هذا القانون مطية بيد صناع القرار أصحاب   النفوذ السياسية والأمنية والاقتصادية الذين يلتهمون الأخضر واليابس من ثروات ومقدرات البلاد، ويكتمون على أنفاس العباد، بينما المواطن يعيش حالة الفقر والاستغلال الاقتصادي والإذلال الاجتماعي والتهميش السياسي والثقافي، كل هذا يحدث بالتوازي مع انهيار الأخلاقيات والقيم النبيلة، كالصدق والإخلاص ... وتسود بدلا منها قيم النفاق والرياء والجبن ..إلخ .

وتنتشر المحسوبيات ونهب المال العام، وتوزيع المناصب على الولاءات مما يؤدي إلى تفشي الأمراض الاجتماعية والسياسية كالبطالة وغير ذلك .

ليس المهم كرامة الإنسان، ولا سلامة الأوطان، بل المهم أن يحفظ الله السلطان، فالمواطن يعاني من استلاب العقل والتفكير، ويتبنى قيم وسلوكيات السلطة، خائفاً من الحرية، وهو بخضوعه وخنوعه يتنازل عن حريته .

فحسب تعبير جان جاك روسو(إن تنازل الإنسان عن حريته للحاكم أو لأي شخص آخر إنما يعني، إنه يتنازل عن إنسانيته، أي يتنازل عن حقوقه وواجباته، كإنسان) .

لكن المواطن في بلادنا مازال يحدّه الأمل بان تقوم السلطة بالتحول الديمقراطي نحو بناء مؤسسات دولة القانون، مؤسسات المجتمع المدني المبني على الحق والعدل والمساواة، وبغير ذلك فمصيرنا مجهول وعلى كفّ عفريت .

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر: المثقف السياسي-4-8-2007