«الإسلاميون الجدد» و السير نحو عقلية التحرير

 

محمود المبارك

 

«الإسلاميون الجدد»: من عقلية التفجير إلى عقلانية التحرير

مجرد الحديث عن «الإسلام السياسي» غالباً ما يثير خلافات بين المدافعين عنه والمتهجمين عليه. ففي الوقت الذي ترى فيه الجماعات الإسلامية في الإسلام السياسي المنقذ للعالم الإسلامي من ويلاته التي يمر بها، يخالفهم خصومهم هذا الرأي بشدة، ويرون أن أسباب النهوض بالمسلمين لا تكون بالرجوع إلى الماضي والتعلق بالتراث كما يريد الإسلاميون، وإنما تكون بالأخذ بالأسباب الاقتصادية والسياسية والتقنية التي أخذ بها الغرب ذاته في التقدم.

وحيث إن صورة الإسلام السياسي في عمل بعض الجماعات الإسلامية في الماضي تركزت على نظرية التغيير بالقوة، من باب أن تغيير المجتمع لا يكون إلا بالوصول إلى سدة الحكم، فقد تمثل رد فعل حكومات عدة ضد من اصطلح على تسميتهم بـ «الإسلاميين»، في حظر نشاطهم السياسي وحرمانهم من المشاركة في الانتخابات الداخلية، إضافةً إلى تشويه صورتهم في المجتمع.

وعلى رغم تحفظي على استخدام تعبير «الإسلاميين» كمصطلح لوصف الحركات الإسلامية المعاصرة، كونه ترجمة لبعض المصطلحات التي جاء بها الاستشراق الحديث، وكونه أيضاً دخيلاً على اللغة العربية، إلا أنني أقبل استخدامه بصفته مصطلحاً شائعاً عند الكثيرين لوصف ما نحن بصدد الحديث عنه، ليس إلا.

وبغض النظر عن الاختلاف على المصطلحات، فالواضح اليوم أن هناك شعبية عارمة بين أوساط الشعوب الإسلامية لمفهوم «الإسلام السياسي». يدل على ذلك نجاح الحركات الإسلامية في المنافسة السياسية بشكل غير مسبوق في عدد من البلدان الإسلامية، كالمغرب ومصر والأردن وفلسطين، وأخيراً النجاح الكبير الذي حققه حزب «العدالة والتنمية» في تركيا. وهو الأمر الذي يثير تساؤلات حول أسباب هذه الظاهرة واحتمالات نجاحها من إخفاقها وأفضل الطرق للتعامل معها.

بدايةً، لعله من المفيد القول إن ظاهرة الإسلام السياسي المنتشرة في البلاد الإسلامية اليوم ليست سوى واحدة من مظاهر عدة تمثل عودة أو «صحوة» - كما يطيب للإسلاميين تسميتها- العامة من الشعوب الإسلامية إلى التراث الديني. هذه العودة أو «الصحوة» لم تقتصر على الجانب السياسي، وإنما شملت «أسلمة» جوانب أخرى، بعضها اجتماعي كانتشار الحجاب بين الفتيات، وبعضها اقتصادي كظاهرة انتشار البنوك الإسلامية، وبعضها عسكري. وإن كانت قد نتجت عنها مصطلحات قد تضر أكثر مما تنفع، مثل مصطلح «القنبلة الإسلامية»!

بيد أن ظاهرة قبول «الإسلام السياسي» وسط الشعوب الإسلامية، قد تعود إلى ثلاثة أسباب: السبب الأول هو التصاق هذه الشعوب بتراثها. فالشعوب الإسلامية ما زالت تحنّ إلى ماضيها، وترى أن السياسة لم تكن مفصولة عن الدين عبر تاريخها الطويل. وعلى رغم أن الشعوب الإسلامية اعتنقت المذاهب المتناقضة من شيوعية واشتراكية ورأسمالية، إلا أنها كانت تقبل كثيراً منها من باب أنها مقبولة إسلامياً.

من أجل ذلك، حين أرادت القيادات الثقافية في العالم العربي تسويق مفهوم الاشتراكية أو الديموقراطية، كانت هذه الطبقة المثقفة تجد نفسها تربط بين الاشتراكية أو الديموقراطية والإسلام ليتم قبولها من عامة الناس.

وبالتالي استخدم الدين لقبول تلك الأفكار، تماماً كما استخدم من قبل الطرف الآخر لدحضها. أي أن المعارضين لتلك المفاهيم السياسية عارضوها من باب مخالفتها الدينية لتعاليم الشرع. فالنتيجة إذاً أن الدين كان هو «المعيار» في قبول أو رفض كثير من الأفكار السياسية والاقتصادية خلال الثمانين عاماً الماضية، إن صدقاً وإن كذباً.

السبب الثاني لانتشار ظاهرة «الإسلام السياسي» في المجتمعات المسلمة، هو انعدام وجود البديل. فحين أخفقت تجربة القومية في البلاد العربية والإسلامية (بما في ذلك إيران وتركيا)، وحين لم تثمر الاشتراكية عن تحقيق الرفاه الاقتصادي المنشود للشعوب التي لبست ثوبها، وحين فشلت الإمبريالية الرأسمالية في جلب الحرية للمجتمعات التي نادت بها، عادت الشعوب الإسلامية إلى أدراجها القديمة كالتاجر المفلس.

السبب الثالث والأخير في شعبية «الإسلام السياسي» العارمة بين الشعوب الإسلامية، هو أنه ونتيجة لثقافتهم العالية ونقاشهم المنطقي، بدا «الإسلاميون الجدد» في مظهر جذاب، استطاعوا من خلاله استقطاب الناس لمشروعهم المقترح. فالإسلاميون اليوم لم يعودوا مجرد مجموعة دراويش يلبسون العمائم والجلابيب الواسعة، ويفكرون بعقلية القرن السابع الميلادي. بل إنهم يحملون ثقافة عالية في جميع التخصصات، وعندهم تجارب مفيدة في العمل السياسي في بلاد الغرب، واكثرهم من أصحاب المؤهلات العالية في مختلف التخصصات. يضاف إلى ذلك بعدهم عن الفساد، ونجاح تجاربهم الباهرة على رغم قصرها.

فتجربة حزب «العدالة والتنمية» التركي ذي الميول الإسلامية، تعد تجربة فريدة. خصوصاً أنها تجيء في دولة تقوم أسسها على فصل الدين عن الدولة، وفي بلد يراقب فيه الجيش بحذر شديد أي توجه إسلامي للحزب الحاكم للانقضاض عليه. ومع ذلك فقد استطاع الإسلاميون في تركيا بمعادلة مذهلة، السير في مخططهم الاقتصادي والسياسي، من دون الاعتداء على مبادئ الدولة العلمانية، وبرغبة شعبية أكيدة، أعرب عنها الشعب في نتائج الانتخابات الأخيرة. وها هم الإسلاميون في تركيا، بعد أن سيطروا على رئاسة الوزراء من جديد، يقفون اليوم على أعتاب الطرف الآخر من قمة السلطة السياسية في رئاسة الدولة.

وغني عن القول إن ما حصل في تركيا هو صورة واحدة يمكن أن تتكرر في أكثر من بلد متى ما توافرت النزاهة في العملية الديموقراطية. ولعل أهم إنجاز حققه «الإسلاميون الجدد» عند شعوبهم هو أنهم أفسدوا على خصومهم محاولة النيل منهم، حين قبلوا بقواعد اللعبة الديموقراطية، ونأوا بأنفسهم عن العنف. فالشعوب الإسلامية اليوم تبدو ناضجة سياسياً، ولم تعد تقبل طريق العنف وسيلة لتحقيق المآرب السياسية.

فقد أكد مركز «بيو لاستطلاعات الرأي» في الولايات المتحدة في دراسة حديثة، أعلنت نتائجها قبل يومين، انحسار تأييد عمليات التفجير ضد المدنيين وأشكال العنف الأخرى في ثمانية بلاد إسلامية شملها المسح. وأشار الاستطلاع إلى انخفاض نسبة مؤيدي عمليات التفجير إلى 34 في المئة مقارنة بـ74 في المئة عام 2002.

ويبدو أن وعي «الإسلاميين الجدد» لهذا الواقع الجديد، قد جعلهم يرفضون «عقلية التفجير»، كي يبدأوا برنامج «عقلانية التحرير» التي عن طريقها يتم تحرير أنفسهم من التهم التي تكال ضدهم بالتخلف والبعد عن الواقعية، ثم تحرير بلادهم اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً. ومعلوم أن قبول الإسلاميين بالمشاركة السياسية سيدفعهم إلى أن يكونوا أكثر عقلانية، وأن حرمانهم منها يدفعهم إلى الجانب الآخر من المعادلة.

اليوم وبعد النجاح العارم للتجربة الإسلامية في تركيا، هل يؤذن بقبول مشاركة «الإسلاميين» في اللعبة الديموقراطية خارج حدود تركيا؟ أم يستمر التآمر على منع مشاركة «الإسلام السياسي» كما فعل بـ «حماس» وكما فعل بـ «المحاكم الإسلامية» في الصومال؟

* حقوقي دولي.

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر: الحياة اللندنية-30-7-2007