تركيا "الأردوجانية"... همزة وصل أم قطع؟

 

حميد المنصوري

 

 

كما كان متوقعاً، دار دولاب الانتخابات التركية ليتوقف عند أردوجان وصحبِه، ويمنحَهم صكاً يكاد يكون على بياض. كل شيء دار وفق الدستور واستقر أيضاً وفق القاعدة الديمقراطية، وبدا أن ما أطلقنا عليه هنا "الأردوجانية" كسب عقول الناس، وقد كانت قلوبهم في ما مضى معلَّقة "بالكمالية"، وغدا مدرسةً ينبغي الوقوف عندها في سياق التحولات التي تجري في العالم الإسلامي، لا سيما في علاقته بالغرب.

لا شك أن حزب "أردوجان" إسلاميٌّ ليبرالي، لكنه يعمل في نطاق علمانية الدولة المفروضة دستورياً، ومن ثم فإن اللعبة الديمقراطية تجري بأدوات طالما وَضَعت في طريق الأحزاب الإسلامية عقباتٍ كأداء.

لقد عرف الحزبُ كيف يكون براجماتياً ويستخدم هذه الأدوات بالذات في معركته التي خاضها مع حرس العلمانية، وهذا لا يجعل منه علمانياً كما يصفه بعضهم، لأن مواقفه بشأن مستقبل تركيا لا تتنكر لمبادئ الحزب بقدر ما تبعث على الارتياح في كون التحولات في نظام الدولة وعقيدتها لن تكون راديكالية كما يصفها خصومه بل ديمقراطية سلِسة، ووفق ذات القواعد. ومن ثم فهو يختلف استراتيجياً عما سبقه من أحزاب إسلامية كحزب "الرفاه"، معلِّمه الأول.

لقد وَجَّهت "الأردوجانية" ضربة موجعة إلى ثالوث القلعة العلمانية المتمثلة في العسكر والرئاسة والمحكمة الدستورية، أولاً بالنجاح في إقرار الاستفتاء المتعلق بانتخاب الرئيس من الشعب مباشرة وتقليص صلاحياته، وهو ما يبدو أنه يسير في اتجاه تتويج مرشح الحزب للرئاسة في سابقة تاريخية بدخول الحجاب القصر الجمهوري، أو على الأقل التمهيد لذلك مستقبلاً، فالحزب ليس في عجلة من أمره، وإن بدا كذلك في زخم الأحداث. وثانياً، بكسبه الانتخابات الأخيرة، التي زادته قوة. ولكن النجاح أيضاً يعود للمؤسسات التركية التي لم تنقلب على مسار الأحداث، وإن كان العسكر يتربصون مع المتربصين!

والسؤال، إلى أي مدى يمكن أن تمثل الحالة التركية نموذجاً يقدم للغرب على أنه الوجه المشرق للتيار الإسلامي في المجال السياسي، وهل يمكن أن تكون تركيا "الأردوجانية" همزة الوصل بين عالمين متخاصمين دوماً.

في هذا الشأن يخطئ من يعتقد أن العلمانيين أكثر انفتاحاً في علاقاتهم مع الغرب من الإسلاميين، بل إن مواقف العلمانيين تعارض أحياناً بعض سياسات حزب "العدالة والتنمية" في هذا التوجه الذي كان حكراً عليهم ذات يوم، وربما كانوا ينتظرون أن يدير الحزبُ ظهرَه للغرب في سياق سياسة كراهية الغرب، إلا أن استراتيجية أردوجان خيبت آمالهم فتحول العلمانيون إلى لعب هذا الدور بانتقادهم سياسة الحكومة الخارجية.

فعلاً، لقد جعلت سياسة أردوجان ورفاقِه من تركيا نموذجاً لنجاح الحركة الإسلامية في الوصول إلى السلطة دونما حاجة إلى الانقلاب الجذري على الواقع الذي ثبَّتته عقودٌ من العمل خارج الدائرة الحضارية تشرّب خلالها الناسُ العلمانية حتى النخاع.

ولكن الهوية التركية بقيت إسلامية، والدليل على تجذُّرها هو ذوبان العربي في تركيا وذوبان التركي في بلاد العرب على عكس الفرس الذين كانوا أهل حضارة مادية كبيرة في الشرق.

لقد حققت العقيدة لتركيا عبر مراحل التاريخ والتحول الجغرافي والسياسي والثقافي والتفاعل والتقاطع مع العالم، حضارةً بَنت إمبراطورية توارت عن الأنظار في نهاية المطاف ليتدثَّر مؤسسو الجمهورية بدثار العلمانية.

ولكن لا أحد يمكنه سلخها عن هويتها الحقيقية وعمقها الحضاري الإسلامي، أيًّا كانت أيديولوجيته.

فالنموذج الإسلامي المتمثل في حزب "العدالة والتنمية" الليبرالي المعتدل، والعلماني كما يقول بعضهم، ربما يكون بداية عقد المسبحة الإسلامية المعتدلة في الشرق الأوسط، وذلك من خلال تفاعل المجتمعات الإسلامية بوجه عام، والحركات الإسلامية بوجه خاص مع هذا التوجه.

ويكون التأثير هنا بنشر فكر معتدل يغترف من بحر العقيدة، ودَيدَنُه العملُ على الإصلاح وتحقيق الرفاه من دون أن يقفز على واقع الشعوب، وهو ما يمكن أن تستنير به الأحزاب السياسية والتيارات الإسلامية في العالم الإسلامي فتراجع برامجها وتجدِّد شعاراتها.

إن نجاحَ حزب العدالة والتنمية في تسيير دواليب دولة محورية تتربع على قارتي آسيا وأوروبا وقبولَ الغرب إياه شريكا يجعله حقاً ممثلاً ذا مصداقية يمكنه أن يعبر عن كتلة واسعة في وقت لا تزال فيه تجارب أخرى في دول إسلامية تراوح مكانها، وهي البعيدة عن العلمانية أصلاً.

وإذا كانت واشنطن دخلت العراق على أساس تكوين نموذج ديمقراطي للشرق الأوسط وفشلت في ذلك، فإن النموذج التركي يصلح لدول كثيرة وخاصةً تلك التي تعاني تشدد العلمانيين والإسلاميين على حد سواء.

وهكذا فإن ما تحقق لتركيا في ظل حكم الإسلاميين من نمو اقتصادي واستقرار سياسي يفتح لها مجال لعب دور الوسيط بين الأطراف المتصارعة في الشرق الأوسط، فهي بمختلف المعايير بمثابة همزة وصل مهمة في اللغة السياسية والاقتصادية بين الشرق الأوسط وأوروبا، بل وبين عموم الشرق والغرب.

ولكن يحق للمرء أن يسأل، ألا يمكن أن يعمل الغربُ على تثبيط أو تحنيط هذا النموذج، وذلك بحمل المؤسسة العسكرية على وقف التحول الديمقراطي الذي أخذ يتبدَّى في هذا النموذج السياسي الإسلامي المعتدل خشية أن يكون له تأثير في المستقبل القريب، كما تصدى في الماضي للشيوعية في المنطقة؟

لقد حمت تركيا بجغرافيتها أمن أوروبا في الحرب الباردة كما أنها اليوم مَعبر آمن لنقل الطاقة إليها، ولا يتحمل الغرب أن يفلت زمام الأمور من بين يديه يوما، ولا نخاله يضع ثقة تامة في هذا الوافد الجديد على القصر الجمهوري في تركيا "الأردوجانية" التي تريد الدخول من بوابة العولمة الكبرى باعتبارها دولة فاعلة ممثلة للشرق كله في عالم يتوجَّس خيفةً من كل هو إسلامي... ولعلَّ همزة الوصل هذه تستحيلُ همزةَ قطعٍ عندما ندركُ أن الغرب يَقبلُ هذا التيارَ على مضضٍ وسينقلبُ عليه عندما يجد أنه قَلَب ظهر المِجَن...

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر: الإتحاد الإماراتية-31-7-2007