انتشار ثقافة عنترة بن شداد في العالم العربي

 

ضياء الموسوي

 

كلما دخلت الخيمة التركية وتأملت في خطابات رئيس وزراء تركيا رجب طيب اردوغان، شعرت بالحزن والأسي للمراهقة السياسية التي نعيشها في العالم الاسلامي. كيف استطاع هذا الرجل، ووزير خارجيته عبدالله غول،يقنعا العالم بخطابهما الاسلامي المتوازن، المنفتح علي شمس الحضارة، والمؤمن بالمجتمع المدني دون نوم علي فراش التاريخ او توزيع اي مورفين ثوري علي الجماهير؟! انهما قادا الجماهير بلا سمنة فكرية او شحوم حالمة .

نتساءل ما الفارق بين حزب العدالة والتنمية في تركيا وفكر الاسلاميين هناك، وبين بعض اسلاميي العالم الاسلامي من ايران الي العراق الي لبنان الي فلسطين الي الخليج الي كل المنطقة؟

الفارق ان اسلاميي تركيا اكثر فهما منا بالاسلام. جيناتهم مخلوطة بالمباديء الاسلامية، ومليئة ايضا بالواقعية السياسية.

هؤلاء لم يسقطوا في مستنقع النستولوجية، حيث السكون في كهف الماضي مع الغاء الواقع والحاضر. مأساتنا انا حجزنا لنا مقاعد دائمة في التاريخ، هروبا من الحاضر وتحديات العولمة، ظنا ان العولمة بشتي انواعها ستنتهي بوضع الرؤوس في حفر التاريخ.

هم اقل كلاما منا، نحن الاسلاميين، ولا يحاولون اقناع العالم بصدقهم في السياسة عبر غريزة الصراخ واستخدام ثقافة عنترة بن شداد المنتشرة في عالمنا الاسلامي.

ان مشكلتنا في العالم الاسلامي هي ذيوع وانتشار ثقافة عنترة بن شداد. وليت الامر اقتصر علي عنترة، فحتي عبلة ذهبت الي الجم بحثا عن العضلات، التحقت بنادي العضلات العربية . وهذه احدي معجزات دنيا العرب السبع.

هذه العضلات هي التي قادت، ومازالت تقود شبابنا الي المحارق، واصبحوا حطبا للفتن السياسية التي يبقي بها السياسيون في رهان دائم بالدفء كلما اشتد شتاء الفتن.

يقول جان بول سارتر: عندما يعلن الاغنياء الحرب؛ فالفقراء هم الذين يموتون . وهذه هي مشكلتنا في العالم العربي، اقناعنا للشباب ان الموت هو اقصر طريق الي صناعة الحضارة، واي حضارة ؟!

ادعو علماءنا ورموز الحركة الاسلامية في العالم الاسلامي، خصوصا رموز الافتاء بالاستفادة من عقلانية وبرغماتية اردوغان وغول وكيف استطاع حزبهما مصالحة الواقع وعدم العيش علي فتات الاحلام الثورية !

كيف استطاع هذا الحزب ان يوزع علي جماهيره حليب الواقعية بلاد سومة زائدة، تأتي علي حساب صحة جسم الحركة الاسلامية.

هؤلاء رغم الضغوطات تعاطوا بوعي مع انتفاخ وشراسة جنرالات الجيش ونرجسية كبار قضاة تركيا وكبار تجار تركيا العلمانيين . فلم يحولوا الاسلام- المعتدلين منهم -الي فوبيا هوية، قد تضيع في سجن الايديولوجيات، وزنازين المنهج الانكشاري للامبراطورية العثمانية المتلاشية بسبب القمع والغاء الحاضر في سبيل تضخم الايديولوجيا علي حساب الوطن والتنوع والتعددية.

اعلم ان في تركيا علمانيين شرسين يحملون انيابا، لكن يجب ان نفهم، ان ما يقتل الوطن هو الدكتاتورية  ولاشيء اكبر خطر من دكتاتورية علمانية او دكتاتورية دينية.

لقد جربت تركيا كلتا الدكتاتوريتين ووجدت ان افضل امر للمستقبل للعرس الوطني هو الوسطية الاسلامية المتصالحة مع كل الاطراف.

وامنيتنا ألا يخيب املنا في حزب العدالة والتنمية بحفظ توازنات الساحة التركية، وألا تأخذه سكرة الانتصار بالانتخابات والفوز بالمقاعد الي الغاء بقية الاطياف حتي من التيار الاسلامي فضلا عن الليبرالي. ففي تركيا توجد ايضا احزاب اسلامية اخري من قبيل حزب السعادة وحزب الاتحاد الكبير.

اقول ذلك، حتي لا يتحول رهان الكاتب ادريس بووانوي الي حقيقة، عندما نظر الي ذلك في كتابه اسلاميو تركيا . . العثمانيون الجدد .

ان التنوع الحزبي هو الذي يثري اي ساحة، ويقربها من الحضارة، اما ابتلاع الكعكة كلها فيزيد ذلك من احتقان بقية الاطراف، فيصبح حزب العدالة والتنمية لقمة سائغة للأكل في اي حفلة باربكيو دولية سياسية، كما ابتلع اربكان قبل ذلك، ووضع تحت الاقامة الجبرية سنة 1997 .

كقراءة واقعية، اجد استعجال ترشيح غول للرئاسة لا يخلو من مجازفة وهزة قد تسبب خلخلة الطاولة التركية السياسية، وبالتالي سقوط المزهرية القومية علي الارض. وهذا ما نخشي وقوعه، لهذا ينبغي ان يكون حزب التنمية اكثر واقعية في ذلك.

برنامج رجب طيب اردوغان الاقتصادي اكثر واقعية من مشايخنا ومن نوابنا في العالم الاسلامي لهذا كسب الانتخابات والجمهور ايضا . وهذا يحتاج الي تفاصيل قادمة.

ختاما، اقول: يا إسلاميي العرب والاسلام، هلا استفدتم من تجربة اسلاميي تركيا حيث التسامح والوطنية وثقافة الحياة.

*رئيس مركز الحوار الثقافي بالبحرين

و كل ذلك بحسب المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر: المثقف السياسي-31-7-2007