الأوراق الفيدرالية

 -8-

 

الكسندر هاملتون

 

17 نوفمبر 1787

إلى أهالي ولاية نيويورك:

انطلاقاً من افتراض تقبل الحقيقة الثابتة في أن التوزع إلى عدة ولايات، أو إلى تشكيلة قد تتم من حطام الكونفدرالية العامة القائمة الآن في حال تفكك الاتحاد.. سوف يجعل تلك الولايات أو الكونفدراليات خاضعة لتقلبات الحرب والسلام، الصداقة والعداء، واحدة منها مع الأخرى، كما حدث للأمم المجاورة غير المنضوية تحت سلطات حكومة واحدة – دعنا الآن ندلف إلى تفصيل مقتضب لبعض المترتبات على مثل ذلك الوضع، فنقول:

ستنشب الحرب بين الولايات أول عهد انفصالها عن بعضها، وسترافقها أفظع الآلام وتكون بقسوة أشد من المألوف بين الدول التي رسخ النظام العسكري فيها، وتثبتت مؤسساتها وقوانينها، لقد وجدت الجيوش النظامية على الدوام لدى جميع دول القارة الأوروبية، وإن كانت جميعها ذات روح عدائية للحرية والتدبير السليم .. ومع هذا، فقد ظلت قادرة على خلق حسنة الفتح السريع، وعلى منع حدوث التدمير والتخريب الذي كان يصحب الحروب قبل إنشاء تلك الجيوش ذلك إن فن بناء التحصينات قد أسهم في الوصول إلى تلك الأهداف نفسها. وهكذا باتت دول أوروبا مطوقة بأسوار من التحصينات تمنع أن يقوم بالغزو الفجائي، أي من الطرفين المتحاربين. ومن ثم شهدنا أن الحملات الآن لا تهدف إلى أكثر من بذل الجهد لجعل حاميتين أو ثلاثة من حاميات الحدود تفوز بالدخول إلى ممتلكات الدولة المعادية. وليس هذا سهلاً، فهناك عقبات تعترض كل خطوة، وتهدف إلى استنزاف قوة الجيش المهاجم وتأخير تقدمه. ذاك هو الوضع الحالي في أوروبا. أما في السابق فكان الجيش الغازي ينفذ إلى قلب البلد المجاور حالما تصل أخبار اقترابه إلى البلد المغزوّ، وأما في الوقت الحاضر فإن قوة ضئيلة نسبياً من الكتائب النظامية، التي تقوم بواجب الدفاع، وبمساعدة من حرس المراكز الأمامية التي تقوم بالرصد – قادرة على إعاقة التقدم، بل حتى على إفشال الهجوم كله إلى حد كبير. إن تاريخ الحروب في تلك الناحية (أوروبا) من العالم لم يعد تاريخ دول يتم إخضاعها بسرعة وإمبراطوريات يجري قلبها في أيام، بل أصبح تاريخ مدن يتم احتلالها وتستعاد، وتاريخ معارك تقع لكنها لا تحسم شيئاً، وتاريخ تهديدات يتم استخدامها أكثر من انتصارات يتم إحرازها بفضلها.. لكن الحروب تقوم بعد جهود عظيمة، ويكون مردودها ضئيلاً إن لم يكن معدوماً.

في هذه البلاد سيكون وضع المنظر معكوساً بالكليّة. فالتخوف لدينا من المؤسسات العسكرية سوف يؤجل قيامها إلى أبعد حد مستطاع. وعدم وجود تحصينات عند أطراف ولاياتنا سوف يترك حدود كل ولاية مفتوحة على الأخرى، ومن شأن ذلك تسهيل اختراق الجميع. إن الولايات الأكثف سكاناً لن تجد صعوبة في اكتساح الولايات الأقل عدداً. كما أن الحصول على انتصارات سريعة سيكون سهلاً بقدر ما يكون الحفاظ عليه عسيراً. إذن فستكون الحرب بين الولايات حرب تخريب وتدمير وسفك دماء لا تترك وراءها سوى السلب والنهب الذي لم يعرف له مثيل في السابق. إنها ستكون حرب إقفار للأرض واستئصال للبشر. وستكون المآسي التي ستقع على رؤوس الأفراد هي المعلم المميز للأحداث والسمة التي تتصف بها غارات النهب العسكري في المستقبل.

ليست هذه الصورة صورة متقنة من حيث رسمها، وإن كنت أعترف أنها لن تبقى الصورة الصادقة لما سيحدث بالفعل. إن ضمان السلامة ضد الخطر الخارجي هو الموجه الأقوى والأهم في المسيرة الوطنية للدولة. وحتى التعشق الحار للحرية، سوف يفسح الطريق بعد وقت قصير، لذلك الموجه الأشد أمراً وما يمليه من مترتبات، ذلك أن التدمير العنيف للحياة والممتلكات، الملازم للحروب، والجهد الدائم، والحذر المطلوب على الدوام من الخطر المستمر – سوف يجبر الدول الأشد ارتباطاً بالحرية؛ إجباراً على اللجوء إلى الحيطة والإركان إلى تقبل قوانين تميل إلى تدمير حقوق أفرادها المدنية وحقوقهم السياسية. ولضمان سلامتهم سيكونون راغبين في القبول بالانتقاص من حرياتهم. ذلك أمر طبيعي سيمليه واقع الحال. فما هي القوانين التي يشار إليه هنا؟

إنها تشريعات تسمح بإنشاء جيوش دائمة وملحقات تلك المؤسسات العسكرية. والجيوش الدائمة هذه، كما يقال، أمر لا يتعارض مع بنود الدستور الجديد، ومن ثم فإنه يمكن إنشاؤها ضمن ذلك الدستور. وهذا الاستنتاج، حتى من بداية تقديم الاقتراح به، في أحسن حالاته، مثار للمشاكل، كما أنه غير أكيد النجاح. وقد يعترض قائل: لكن الجيوش الدائمة بدورها هي نتيجة حتمية لا مناص منها في حال انحلال الكونفدرالية الحالية. هذا صحيح أيضاً. ذلك إن من شأن الحروب المتكررة والخوف المستمر، الذي يتطلب وضعاً من التأهب الدائم أن يدفع إلى ذلك ويولده على التأكيد. وستكون الولايات الأضعف من غيرها هي التي ستبادر إلى ذلك علّها ترتقي بواقعها إلى مستوى الولايات الأقوى. وستجهد تلك الولايات في التعويض عن قلة عدد سكانها وشح مواردها بأن يكون النظام فيها شديد الصرامة، ويتم إعداد كتائب نظامية دائمة، وبناء تحصينات فعالة على حدودها. وفي الوقت ذاته ستجد نفسها مضطرة لأن تقوي الجانب التنفيذي في حكوماتها. وبفعلها ذلك ستلوي دستورها بحيث يتجه حثيثاً إلى نظام ملكي. فمن طبيعة الحرب أن تزيد من قوة السلطة التنفيذية على حساب السلطة التشريعية.

من شأن الضرورات المذكورة أعلاه أن تُكسب الولايات أو الكونفدراليات التي سلكت طريقها – تفوقاً على جيرانها. أما الولايات الأقل حظاً من القوة والموارد الطبيعية، لكنها ذات حكومات قوية، فإنها بمساعدة الجيوش النظامية الحسنة التدريب كثيراً ما تغلبت على ولايات أكبر منها حجماً، أو أضخم في الموارد لكنها تفتقر إلى تلك الميزات. عند ذاك لا كبرياء الولايات المهمة أو الكونفدراليات ولا سلامتها سوف تسمح لها بالرضوخ لذلك التفوق الجارح وروح المغامرة المتبدّية. لذا فإنها سرعان ما تلجأ بدورها إلى وسائل شبيهة بتلك الوسائل التي جرحت كرامتها، من أجل أن تستعيد اعتبارها المفقود وأهميتها الضائعة. وهكذا، فإننا بعد وقت قصير سنجد في كل جانب من هذه البلاد إحدى آليات الطغيان نفسها التي طالما كانت هي الصوت الممقوت في العالم القديم. هذا في أقل تقدير، هو المسار الطبيعي لتصرّف الأشياء؟ وستكون محاكماتنا العقلية ومنطقنا عند ذاك أقرب ما يكون على التصرفات والتبريرات التي يورّثها ذلك المستوى.

ليست هذه مدخلات غامضة أستقيها من نقائص أفترضها أو أهجس بها في دستور ما، كل سلطاته مركزه في يدي الشعب أو يدي ممثليه الذين يفوضهم، وإنما هي استنتاجات رصينة، وواقعية تماماً توصلت إليها من التقدم الطبيعي والضروري الذي تفرضه شئون الحياة.

ولربما قد وجه سؤال، من قبيل الاعتراض على ما قد سبق، وقيل: لماذا لم تتولد الجيوش النظامية وتبرز من الحزازات التي طالما أربكت الجمهوريات القديمة في بلاد الإغريق؟ يمكن الإجابة عن ذلك السؤال بأكثر من جواب واحد، وكلها إجابات مقنعة. إن العادات الجدّية للشعوب في الوقت الحاضر، التي يكاد يستنزفها السعي وراء الربح، والتي كرست نفسها للتقدم في مجالات الزراعة والتجارة – شئ لا يمكن مقارنته بأوضاع أمة كلها جنود، وذاك هو الواقع الصادق لحال شعوب تلك الجمهوريات. هذا كما أن موارد الخزينة العامة والتي تضخمت إلى درجة كبيرة بفعل توافر الذهب والفضة، وفنون الصناعة، وعلم الإدارة المالية، والذي هو وليد الأزمنة الحديثة، والسائر مع عادات الأمم في الوقت الحاضر – كل هذه قد أنتجت ثورة كاملة في نظام الحرب، وجعلت الجيوش النظامية الدائمة منفصلة تماماً عن جماهير المواطنين، كما جعلت وجودها مرافقاً ملازماً للاعتداءات المتكررة.

هناك فرق شاسع أيضاً، بين المؤسسات العسكرية في بلد نادراً ما يتعرض، بحكم موقعه، لحدوث غزو داخلي من فئة فيه على أخرى، وبين المؤسسات العسكرية في بلد آخر كثيراً ما يخضع لتلك الاعتداءات فهو دائماً يخشى من وقوعها. كان الحكام في الماضي لا يجدون الحجة الجيدة، حتى لو كانوا ميالين إلى الأخذ بها – للاحتفاظ بجيوش برية بهذا العدد الضخم من الأفراد قدر ما باتت الضرورة تفرض ذلك على الحكام المتأخرين عن زمانهم. ولما كانت هذه الجيوش نادراً ما تُستدعى للخدمة في الدفاع الداخلي، إذا ما تطلب الوضع مثل ذلك أصلاً – فإن أفراد الشعب ما كانوا معرضين لخطر أن يسحقهم الخضوع العسكري. إن القوانين ليست معتادة على التسيب والملاينة في خدمة المطالب العسكرية، وهكذا سيظل الوضع المدني في الولاية أقوى ما يكون، لا يجري إفساده ولا إرباكه بفعل مبادئ ومقتضيات ولاية أخرى. ومن شأن صغر حجم الجيش أن يجعل قوة المجتمع أكثر من ند له، بحكم اعتياد المواطنين التطلع إلى السلطة العسكرية كي تحميهم، لا الرضوخ لاضطهاداتها. ولكونهم لا يحبون الروح العسكرية، ويخشونها فإنهم سينظرون إلى تلك الجيوش بروح التقبل الغيور وبعين الشر الذي لا بُد منه، وسيكونون في موقف مستعد لمقاومة سلطة يفترضون أنها قد تقتات على حقوقهم.

إن الجيش في مثل هذه الظروف قد يساعد الموظفين الرسميين للقضاء على فئة صغيرة، أو إخماد شغب فوضوي، أو محاولة عصيان وانقلاب، لكنه سيظل عاجزاً عن التعدي على الجهود المتحدة لجماهير الشعب.

في بلد يتصف بالأحوال التي وصفتها آنفاً سيحدث العكس على الدوام. فالتهديد الدائم بالخطر يجبر الحكومة أن تظل دوماً مستعدةً لصدّه، ويفرض أن تكون جيوشها ضخمة للتدخل الفوري للدفاع عن ذلك البلد. لا ضرورة لدعوة أفراد الجيش لتقديم خدماتهم بين فينة وأخرى لتعزز أهمية الجندي، وبنفس النسبة تخفض من وضعية المواطن. إن الولاية العسكرية الصبغة ستغدو في مركز أرفع من الولاية المدنية الأحوال. وسيغدو سكان المقاطعات، التي هي مسرح الحرب، والذين يخضعون قهراً للافتئات بصورة متكررة على حقوقهم، ضعيفي الحس لتلك الحقوق. وتدريجياً، سوف ينظرون إلى القوة العسكرية لا بصفة القوة الحامية لهم بل بصفة أفرادها متفوقين عليهم، وسادةً لهم. والانتقال من هذا الوضع على ذاك ليس بعيدا ولا صعباً، لكنه من العسير جداً السيطرة على شعب تغمره تلك الانطباعات أن يوفر مقاومة جريئة وفعالة للاغتصابات التي تسندها القوة العسكرية.

إن مملكة بريطانيا العظمى ينطبق عليها الوصف الأول. فهي جزيرة، لها قوة بحرية عظيمة تحرسها على درجة كبيرة ضد احتمال أي غزو من الخارج. لذلك فهي في غير حاجة على جيش بري ضخم في داخل المملكة. إن قوة تكفي لمواجهة أي إنزال مفاجئ، ريثما تتم التعبئة العامة وتتجسد، هي كل ما تفرضه احتياجاتها بهذا الخصوص. وليس هناك أي شئ يدفع السياسة الوطنية في البلاد، كما لن يقبل الرأي العام فيها وجود عدد كبير من الكتائب النظامية في مؤسساته العسكرية. وقد ظل الحال كذلك منذ وقت طويل في الماضي ولم تبرز الحاجة لاعتبار أسباب أخرى كالتي تم تعدادها بصفتها مترتبات على حرب داخلية في البلاد. إن هذا التسهيل العجيب الذي يوفره الموقع قد أسهم، إلى درجة كبيرة، في صيانة الحرية التي يتمتع بها أهل بريطانيا حتى الوقت الحاضر، على الرغم من الفساد الطاغي في إدارة البلاد. وسيغدو الأمر على العكس من ذلك لو كانت بريطانيا تقع ضمن بر القارة الأوروبية، واضطرت بحكم ذلك الموقع أن تجعل مؤسساتها العسكرية في الوطن نديدةً للقوى العظمى الأخرى في أوروبا ذاك فإن بريطانيا مثل القوى الأوروبية الأخرى ستكون على التأكيد ضحية لسلطة مطلقة يمارسها رجل بمفرده. ومن الممكن، لكنه غير سهل أبداً، أن يستعبد سكان تلك الجزيرة، لكنه لن يكون بشجاعة أي جيش بري ضئيل كالذي تحتفظ به على أرضها أن تحميها في تلك الحال.

إذا كانت لدينا الحكمة لأن نحتفظ بالاتحاد، فإن باستطاعتنا، ولأجيال لاحقة، أن نظل نتمتع بميزة شبيهة بميزة الجزيرة المعزولة. فأوروبا على بعد عظيم من بلادنا، ومن غير المحتمل أن تتمتع مستعمراتها القريبة منا بقوة كفيلة بأن تسبب لنا أي إزعاج خطير. ومن ثم فإن المؤسسات العسكرية على نطاق واسع ليست ضرورية لسلامتنا في هذا الموقف. أما إذا تفككنا، وظلت الأجزاء المتماسكة من بلادنا إما منفصلة، أو تجمعت مع بعضها في كونفدراليتين أو ثلاث، وهو الاحتمال الأقوى فإن علينا بعد فترة قصيرة من الزمن أن نواجه وقوع حرياتنا فريسة لوسائل الدفاع التي أوجدناها لحماية أنفسنا من طموحات بعضنا البعض. هكذا حدث في أوروبا بعد أن فرضت متطلبات دول القارة عليها أن تحمي نفسها من بعضها أيضاً.

ليست هذه فكرة سطحية لا طائل منها، بل هي فكرة رزينة لها وزنها. وهي تستحق التفكير الجدّي الناضج من كل رجل شريف وعاقل من أي حزب كان. إذا أطرق أمثال هؤلاء الرجال صامتين وفكروا، وتأملوا دون أي تأثر بالعاطفة – فإنه سيقلّبون الأمر على وجوهه، ويتابعون هذه الفكرة حتي يستقصوا كل ما يترتب عليها، ثم لن يترددوا في إغفال الإعتراضات التافهة على دستور، سيؤدي رفضه، في الاحتمال الأقوى، إلى وضع حد لوجود الاتحاد. أما الأشباح الضبابية الغائمة التي تخفق أمام أخيلة بعض معارضه ذلك الدستور فما أسرع أن تفرّ لتأخذ مكانها آفاق ملموسة من الخطر، تكون حقيقية وأكيدة ومفزعة.

*الأوراق الفيدالية الكسندر هاملتون، جميس ماديسون، وجون جاي؛ ترجمة عمران أبو حجلة، مراجعة أحمد ظاهر- عمان: دار الفارس للنشر والتوزيع، 1996. ص 38-45.

و كل ذلك بحسب راي الكاتب في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر : جامعة مينسويا – حقوق الإنسان