الديمقراطية والمواطنية

 

 

محمد عبد الجبار الشبوط

 

المواطنية قيمة اعتبارية وقانونية يكتسبها الفرد بالوعي والالتزام والطوعية

الديمقراطية والمواطنية صنوان لا يفترقان، او لايجوز  لهما ان يفترقا، بل ان احداهما لا تشتغل بغياب الاخرى. فلا ديمقراطية بلا مواطنية، ولا مواطنية بلا ديمقراطية. واذا كانت الديمقراطية  فن تداول السلطة وادارة الدولة والمجتمع على اساس الخيارات الشعبية، فان المواطنة وعي وانتماء ومسؤولية ورابطة قانونية تنظم العلاقة بين المواطن والدولة، ولانعني بالدولة الحكومة فقط، وانما كل مقومات الدولة من الاقليم (الوطن) والجماعة البشرية (الشعب) والسلطة السياسية. بناء على ان المعنى الاولي للمواطنة مشتق من صيغتها اللغوية "مفاعلة"، وهي صيغة تفترض وجود اكثر من طرف في المعنى، ووجود علاقات تفاعل بين هذه الاطراف.وهذا ما ينفي عن المواطنة خطر الوقوع في منزلق الفردانية.

تستند الديمقراطية الى فكرة سيادة الشعب، ولا شعب بلا مواطنين، ولا سيادة لأفراد غير مواطنين. السيادة للمواطنين، فاذا انتفى وجودهم، بتغييب مبدأ المواطنة، فليس هناك من يتقمص هذه السيادة، وبالتالي لا يمكننا الحديث عن ديمقراطية في غياب المواطنين، والمواطنية.

لا يولد الانسان مواطنا

يولد الانسان حرا، لكنه للاسف لايولد مواطنا، انما يولد فردا. فليس الفرد مواطنا بالولادة والفطرة، حيث ان المواطنية، قيمة مكتسبة، وهي لا توجد كما يقول المفكر العربي قسطنطين رزق، بالطبع والسليقة، ولا تحدث قدرا واعتباطا، ولا تمنح من مصدر  خارجي، بل تكتسب اكتسابا شأنها شأن قيم الحياة الاخرى، وهي تكتسب بمقدار ما يبذله الفرد من اجل اكتسابها، والجهد الذي يبذله الفرد من اجل ان يصبح مواطنا يدور في ثلاث محاور: الوعي المستند الى معرفة وثقافة سياسية، والتزام بمقتضيات المواطنة، واخيرا الطوعية.

ليس كل فرد مواطنا

نقول اذا ان الانسان يولد فردا، ولا يولد مواطنا، فما هو الفرق بين الفرد والمواطن؟ وكيف يتحول الفرد الى مواطن؟ او كيف تكتسب المواطنية؟

الفرد هو ذلك  الكائن البيولوجي، الانسان الوحيد غير المرتبط بعلاقات اجتماعية مع اخيه الانسان الذي يشاركه السكن في بقعة محددة من الارض. انه ذلك الانسان كما خلقه الله لأول مرة، وكما سيعود اليه في نهاية المطاف، كما يصفه القران الكريم بقوله:"ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم لأول مرة." والفرادى جمع فرد، والفرد، كما يقول الراغب الاصفهاني، الذي لا يختلط  به غيره، فهو وحيد، كما في قوله تعالى:"لاتذرني فردا" اي وحيدا.

غير انه لا يوجد انسان فرد في المطلق،  وما قصص "حي ين يقضان" لأبن طفيل و"روبنسون كروزو" لدانيال ديفو سوى محض خيال؛ فالانسان يولد لأبوين على الاقل، لكنه في الاشهر الاولى من حياته لا يعدو ان يكون كائنا بيولوجيا، بلا علاقات اجتماعية. وتبدأ علاقاته بالتكون والتنامي تدريجيا بدءً من العلاقة بالام ثم الاب والاخوان والاقارب حتى يخرج الى الشارع والمدرسة وهكذا. وهكذا تبدأ مواطنيته بالتشكل والتكون، وهي حالة قابلة للقياس، حيث تقاس من بين امور اخرى بحجم علاقاته، حتى نصل الى الدولة، فتكون العلاقة بالدولة هي اشد العلاقات حساسية واكثرها تعبيرا عن المواطنية.

الدكتاتوريات تحارب المواطنية

كلما تحول الفرد الى المواطنية كلما زادت قوته؛ وكلما زاد عدد الافراد المواطنين في الجماعة البشرية كلما زادت قوتهم، وقد تستخدم هذه القوة في مواجهة الحكومة، او على الاقل تصبح هذه القوة حاجزا بين الحكومة وبين المواطنين، تمنعها من الاستبداد عليهم، ولهذا فان اول ما تقوم به الانظمة الدكتاتورية هو تجريد المواطنين من صفة المواطنية، وارجاعهم الى حالة الفردية في اصغر حلقاتها الممكنة حيث تعرف هذه الانظمة ان الانسان الفرد مشغول بهمومه الشخصية وحاجاته البيولوجية  وقلما يخرج من دائرة الفردية الى دائرة الشأن العام لأن شبكة علاقاته التي تربطه بالشأن العام ضعيفة. وهذا ما يحكيه القران الكريم عن فرعون حيث يقول:"ان فرعون علا في الارض وجعل اهلها شيعا يستضعف طائفة منهم يذبح  ابنائهم ويستحيي نساءهم." وهذا ما سعى النظام الدكتاتوري في العراق الى القيام به، من اجل تجريد المواطنين العراقيين من مواطنيتهم واغراقهم في بحر هموم فردية شخصية، فضلا عن تقطيعه للروابط المجتمعية، اضافة الى منعه من تطور المجتمع المدني الذي يشكل وجودُه افضل مناخ ومجال لتنمية المواطنة.

تجاور عمليةَ بناء الديمقراطية عمليةٌ اخرى لبناء المواطنية، وذلك من خلال تحويل الفرد الى مواطن، بناء على ان المواطنة قيمة مكتسبة، وليست حالة تكوينية مخلوقة في الانسان.

وعملية تحويل الفرد الى مواطن تتطلب ثلاثة امور هي: الوعي، والمسوؤلية واخيرا الطوعية.

اولا، الوعي:

الوعي في جوهره نظرة خاصة الى الذات والموضوع مستندة الى معرفة او ثقافة خاصة بهما، يرافقها  او ينبثق عنها سلوك عملي يمثل تجسيدا ملموسا لهذه النظرة. المواطنة في جوهرها وعي بالانتماء الى مجموعة بشرية تسكن بقعة معينة من الارض وتنتظم في دولة قوامها الشعب والوطن والسيادة او السلطة السياسية. وهي عبارة عن الانتقال الارادي الواعي من دائرة الفردية الى دائرة الشعور بهذا الانتماء والاستعداد الذاتي لتحمل مسؤولية هذا الانتماء في اطار منظومة متفق عليها من الحقوق والواجبات بين اطرف العلاقة الاجتماعية القائمة على اساس المواطنية.

لا يتكون الوعي من فراغ وانما هو حصيلة ثقافة سياسية وطنية يتم تنشئة الفرد في البيت وفي المجتمع وفي المدرسة عليها. والمواطنة المتصلة، اي المتنقلة عبر الاجيال، هي ثمرة انتقال الثقافة السياسية الوطنية من جيل الى اخر، وبمقدار تشبّع الذات الفردية بهذه الثقافة يتشكل الاستعداد الاولي عندها، اي للذات، للانتقال الواعي والارادي من دائرة الفردية المغلقة الى دائرة المواطنية المنفتحة. وحين تعجز الذات الفردية عن استيعاب هذه الثقافة السياسية الوطنية وتمثيلها وتجسيدها، يتعذر عليها ان تتطور او تتحول باتجاه المواطنة. هذه الثقافة هي حاضنة  المواطنة، وبدونها يصاب الفرد بالعقم، وحين يصاب الفرد بالعقم، اي حين يتعذر عليه ان يلد المواطن من صلبه الذاتي، تنفتح كل احتمالات الفجور المغروز تكوينيا في الذات البشرية بحسب النص القراني القائل:"ونفس وما سواها فالهمها فجورها وتقوها، قد افلح من زكاها، وقد خاب من دساها." الزكاة في هذا المورد هي تنمية الوعي بالمواطنة؛ ذلك الوعي المستند الى ثقافة وطنية، فيما يشير الفعل "دساها" الى سحق هذا الوعي والحجر على الثقافة المنتجة للوعي بالمواطنة. الفساد الاداري والمالي والتحايل على القانون العام والتحلل من الواجبات العامة من مظاهر العجز المجتمعي العام عن انتاج المواطنين.

ثانيا، المسؤولية:

المواطنة، كما قلنا، مفاعلة، اي علاقة تفاعل متبادل، او منظومة علاقات: علاقة بين الفرد والافراد الاخرين، وعلاقة بين الفرد والمجتمع، وعلاقة بين الفرد والدولة، وبهذه العلاقات مجتمعة، يتحول الافراد الى مواطنين. وكل علاقة تستبطن جوهرا يقوم على اساس الاخذ والعطاء. انت المواطن تأخذ مني  وانا المواطن اعطيك.وكلانا يدخل في علاقة مماثلة مع الاخرين. ادامة هذه العلاقة تتم فقط عبر الالتزام المتبادل بهذا القانون: الالتزام بان تعطي كما تأخذ. وهذا هو منشأ منظومة الواجبات والحقوق. الواجبات هي ما تقدمه انت الى اطراف العلاقة التي تقيمها انت، والحقوق هي ما تأخذه انت من هذه الاطراف. واجباتك هي ثمن حقوقك، وحقوقك هي ما تحصل عليه مقابل واجباتك. وهذا هو المكون الثاني للمواطنة. وهو الشعور العالي  بالمسؤولية التي يؤمن الفرد بحكم ثقافته السياسية الصحيحة ضرورة الالتزام بها، بوعي وحرية. تأريخيا تشكلت هذه المنطومة تدريجيا، لكنها الان اضحت مواثيق عالمية وابواب مفصلة في الدساتير الدائمة. تذكر هذه المواثيق والدساتير لائحة حقوق وواجبات المواطن، لكن لا عبرة بالنص ما لم بتحول الى واقع. والنصوص لا تتحول الى واقع مالم يحترمها طرفان: الحاكمون،اي السلطة التنفيذية، من جهة، والمحكومون، اي المواطنون، من جهة ثانية. الحاكمون  قد يميلون الى اكراه المحكومين على القيام بواجباتهم دون ضمان وتوفير بحقوقهم، والمحكومون قد يفضلون  الحصول على حقوقهم دون القيام بواجباتهم، والخلل مشترك، والمسؤولية مشتركة. لكن قوة الوعي وتأصّله في المجتمع من العوامل التي تقلل من فرص ظهور هذا الخلل، او تحجمه عند ظهوره.

ثالثا، الطوعية:

الطوعية هي الدرجة العليا للمواطنية، ولقياس مدى تحققها في الفرد.اذا جاز لنا ان نقول ان المواطنة المفروضة من قبل الانظمة على الناس هي المواطنة القسرية، مقابل المواطنة الربحية القائمة على التعادل بين طرفي منظومة الواجبات والحقوق، فان المواطنة القائمة على الاساس الطوعي هي المواطنة الحرة، او مواطنة الاحرار، اشتقاقا من نص ديني مشهور. الطوعية هي الاستعداد الذاتي لدى المواطن للقيام باعمال خدمة للمجتمع بدون توقع او اشتراط مردود مالي لذلك.  وهي امر كثير ما يشير اليه القران الكريم كما في قوله تعالى :"فاستبقوا الخيرات." وقوله:"ومن تطوع خيرا فان الله شاكر عليم." هذا النوع المتقدم من المواطنة هو القاعدة التي سينشأ على اساسها المجتمع المدني، حيث يدخل المواطنون في روابط طوعية للقيام بنشاطات غير ربحية بعيدا عن سلطة الحكومة. وهذه الروابط الطوعية هي ما نسميه اليوم بمؤسسات المجتمع المدني.  والدخول في هذه الرواط ينقل المواطن الى درجة اعلى هي الفعالية، فينتج عندنا ما نسميه المواطن الفعال. تقاس درجة فعالية المواطن بعدد وحجم الاعمال الطوعية التي ينخرط فيها. وتقاس قوة المجتمع، ازاء قوة الحكومة، بمدى فعالية مؤسسات المجتمع المدني، التي ستقوم بدور اخر في المجتمع وهو حماية استقلالية المجتمع عن السلطة التنفيذية، وبذا تكون مؤسسات المجتمع المدني، المعبرة عن نشاط المواطن الفعال، واحدة من اهم شروط اقامة الديمقراطية في المجتمع. وتعرف السلطات الدكتاتورية هذه المعادلة، ولذا نراها تمنع عمليا من نشوء مؤسسات المجتمع المدني، او تقيم مؤسسات وهمية بهذا الاسم وتسخدمها كأدوات للسيطرة على المجتمع.

الحرية والمساواة

وتتوقف عملية نقل الانسان من حالة الفرد، الكائن البيولوجي، الى حالة المواطن، الانسان الواعي المسؤول، على توافر عاملين، هما:

اولا، الحرية، المواطنة فعل ارادي، وبهذه الصفة، فهو يتطلب وجود الانسان الحر، المريد. ليس فقط باعتبار الحرية نفي سيطرة الغير، وانما باعتبار استبطانها لمعنى المسؤولية، حيث لا حرية بلا مسؤولية، كما انه لا مسؤولية بلا حرية. واذا كانت المواطنة تعتمد على المسوؤلية، فلا بد ان يكون الانسان حرا، وعلى اعتبار ان الحرية هي شرط المسؤولية الجزائية ايضا. وتسطر الدساتير الحديثة فضلا عن لوائح حقوق الانسان منظومة الحريات التي لا بد ان تحفظ للانسان، ولعل من اهم هذه الحريات حرية التعبير، الواردة في المادة 19 من العهد الدولي لحقوق الانسان وما يرتبط بها من مفهوم التدفق الحر للمعلومات الذي يعني حق المواطن في ان يعرف. ذلك ان الانسان الجاهل لا يمكن يكون مواطنا في حده الادنى فضلا عن ان يكون مواطنا فعالا. ان حرية المعرفة هي البداية في بناء المواطنة. وليس بلا دلالة مثلا ان اول كلمة وردت في القرآن الكريم هي فعل الامر: "اقرأ"، والقراءة، حتى في مجتمع امي تشيع فيه الثقافة الشفاهية، هي اول الطريق نحو المعرفة التي يصبح تحصيلها واجبا وليس حقا فقط.

ثانيا، المساواة،  لا معنى  للمواطنية دون الاخذ بفكرة المساواة بين المواطنين، بوصفهم المجرد هذا، وعدم التفضيل على اسس خارجة عنها مثل الجنس (الجندر) والعرق والدين الطائفة واللون والانتماء الحزبي وماشابه. نعم يجوز التفضيل بين المواطنين في تبوأ الوظائف العامة على اساس الكفاءة، وهذا شرط تأهيل لا بد من الاخذ به. وقد كان الاسلام سباقا الى الاخذ بمبدأ المساواة في التعامل مع البشر، وليس ادل على ذلك من قول الرسول محمد (ص) من بين نصوص اخرى كثيرة:"أيها الناس!ان اباكم واحد وامكم واحدة كلكم لآدم وادم من تراب، لا فضل لعربي على عجمي ولا لعجمي على عربي ولا احمر على اسود ولا لأسود على احمر الا بالتقوى." والتقوى مبدأ عام يمكن ان يعني في سياقنا الحالي "الكفاءة" التي جعلناها شرط تأهيل في التولي واشغار المراكز  والتوظيف.

المشاركة والحياة الكريمة

اخيرا لا معنى للمواطنة دون ان يتمتع المواطن بامرين اساسيين هما: المشاركة في الحكم، والتمتع بحياة كريمة في حدها الادنى الضروري على الاقل.

اذا لا جدوى من العمل على تحويل الافراد الى مواطنين ما لم يعطى المواطن الفرصة الكاملة للمشاركة في الحكم. والمشاركة السياسية هي جوهر الديمقراطية. ومن هنا جاء التلازم بين الديمقراطية والمواطنية.

وتتحقق المشاركة السياسية، فضلا عن التعبير عن الرأي والانخراط في العمل السياسي العام، بالمشاركة في اختيار الحكام والممثلين عبر الانتخابات الحرة العامة النـزيهة والدورية.

وليست المشاركة منحة من الحاكم، انما  حق للمواطن، باعتبار ان الاصل في الحكم انه للناس، وليس الحاكم المنتخب سوى جهة مكلفة من قبل الناخبين في ادارة الحكم وممارسته.

ويمثل توفير الحد الادنى من الحياة الكريمة شرطا موضوعيا في تمكين الفرد من القيام باعباء ومسؤوليات المواطن الفعال. ويتمثل هذا الحد الادنى في توفير الحقوق الخمسة الاساسية وهي: الحق في الامن، والسكن، والرعاية الصحية، والتعليم، والمورد المالي.

وثمة تلازم عضوي، على شكل علاقة طردية، بين توفير الحقوق الخمسة وبين المشاركة السياسية، فكلما توافرت الحقوق بشكل عام وشمولي كلما زادت رغبة المواطن في المشاركة السياسية، ويصح العكس، كما تدل الدراسات الميدانية في هذا الشأن.

لا يمكنني ان اتصور مواطنا فعالا قبل توفير حقوقه الخمسة!

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر: الإسلام و الديمقراطية-العدد18