العلاقة الجدلية بين الديموقراطية والقيم الثقافية

 

رضوان زيادة

 

ركز الكثير من الباحثين على العلاقة الجدلية بين «القيم الثقافية» والديموقراطية في محاولة لتفسير فشل تحقيق الديموقراطية في البلدان غير الغربية، وقد استخدم هذا المنهج التفسيري في تحليل غياب الديموقراطية في المجتمعات المسلمة والعربية تحديداً. وقد كان أحد مكونات هذا الاتجاه في الأدبيات الغربية يركز على مجموعة خصائص وصفات للشعوب العربية، ومنها: النفاق واللاعقلانية والأعراف المتعلقة بالشرف، وهي صفات وقيم تتناقض بمجملها مع الديموقراطية، وقد يعيد البعض ذلك إلى «الإسلام» بوصفه لا ينسجم مع الفكرة الديموقراطية لأنه لا يفصل بين الروحي والزمني.

بيد أن وجهة النظر هذه تنظر إلى الثقافة أو حتى القيم نظرة سكونية غير قابلة للتبدل والتحول ولا تحاول النفاذ إلى الأصول الاجتماعية والسياسية التي أتاحت لمثل هذه القيم الظهور، هذا إذا سلمنا جدلاً بمركزيتها وتأثيرها المحوري في الثقافة العربية، مما جعلها تسود وتشكل بؤرة أو حلقة تنطلق النظرة السياسية العربية منها.

فالقيم ترتبط بعلاقة وثيقة بالمناخ السياسي السائد الذي يمكن أن يفرض شكلاً من احترام القانون أو النظام ويمكن أن يشجع على إشاعة فكرة الفساد والمحسوبية، ويمكن أن يعزز المساءلة وما يرتبط بها من قيم النزاهة والمسؤولية ويمكن أن يكون بيئة خصبة لنمو قيم التحلل والهدر وانعدام المسؤولية وعدم حرمة المال العام. هناك إذاً صلة عضوية جعلت الكثير من الباحثين يرهنون عملية التحول الديموقراطي بنمو فكرة المجتمع المدني كعامل حاسم، بحيث أن قوى المجتمع المدني الصاعدة والحاملة لقيم مختلفة عن تلك التي أشاعها النظام التسلطي القائم من شأنها أن تقود أو توجه مرحلة التحول الشعبي والنخبوي باتجاه نمط جديد من القيم قائم على المواطنة والحرية والمساواة والمسؤولية والتعددية، ولذلك تعد العلاقة القائمة بين النظام والمجتمع ذات دور حساس ومحوري في توجيه عملية التحول الديموقراطي، فإذا كان المجتمع مخترقاً مفككاً، أي أن قوى المجتمع المدني ضعيفة غير متطورة، فإن الضغط المنظم على النظام من جانب المجتمع يكون قليلاً أو محدوداً نسبياً، ويكون الضغط من أسفل باتجاه الديموقراطية ضعيفاً، وغالباً ما لا يكون لغياب آليات حل خلافات النخبة الحاكمة أي أثر على مصير النظام، فيمكن أن تؤدي تلك الخلافات إلى تغيير في تركيبة هذه النخبة، وحتى يمكن أن تقود إلى تغيير النظام، لكن ذلك سيكون على الأرجح مجرد استبدال نظام سلطوي بآخر مثله. ولكن حينما تتمكن قوى المجتمع المدني من التطور، ولا سيما في شكل أحزاب سياسية مدعومة بشبكة واسعة من هذه المنظمات العامة والخاصة، وكانت مؤهلة أو قادرة على ممارسة ضغط على النظام وذلك عبر امتلاكها بنى تنظيمية متطورة فعلاً وقاعدة جماهيرية مع وسائل أو آليات واضحة لاستقطاب آراء هذه القاعدة وإطلاقها على المسرح السياسي، فإن مقدرتها على التأثير على مسارات التطورات داخل النظام تكون مرتفعة ومتعززة.

فحضور قوى مجتمع مدنـــــي مــــن هذا النوع يجعل الخوف من عواقب تجاهلها مدمراً، مما يشـــجع معظم الإصلاحيين على السعي لإحداث تغيير يقود في النهاية إلى تحول ديمـــوقـــراطي. ويعتبر التحول الديموقراطي في إسبانيا عبر الضغط من قوى المجتمع المدني حالاً نموذجية على هذا النمط من التحول. وذلك عندما رأى الحكام أنهم لا يستطيعون البقاء في السلطة، في المحيط الأوروبي، من دون استخدام مكثف للعنف، في حين لا يستطيع أولئك المعارضون للنظام، على الأقل في الوقت الراهن، تعبئة قوة كافية لإسقاطه، نظراً لموالاة القوات المسلحة للنظام، وهو ما خلق سلسلة من الضغوطات وردود الفعل المضادة تدعى «لولب القمع والتنازلات» ،إلى أن قاد ذلك في النهاية القيادة الإصلاحية في النظام، وبخاصة رئيس الوزراء سواريز والملك، إلى القيام بعملية التغيير والتحول الضرورية بالحفاظ على نمط حساس ودقيق من التوازنات تجلى في إبقاء كل العناصر المحافظة في النظام والعناصر الأكثر راديكالية في القيادة المعارضة ضمن حدود العملية الواضحة لتغيير النظام باتجاه نظام ديموقراطي.

لكن، ماذا سيكون عليه الحال إن كان المجتمع المدني جنينياً أو حتى في حالات أخرى معدوماً أو مشلولاً عن الحركة والفعل خاصة في حالات الأنظمة الشمولية (التوتاليتارية) التي تسيطر الأنظمة الحاكمة فيها على كل مجالات وحقول الحياة المختلفة الاقتصادية والاجتماعية والإعلامية والأهلية وبالطبع السياسية، كما يتميز هذا النظام بقيادة لا حدود ولا ضوابط لصلاحياتها وسلطتها بحيث لا يمكن لأحد، سواء كان مسؤولاً في النظام أو مواطناً عادياً، التنبؤ بما قد يحصل، ويترافق ذلك مع نمط من التعبئة الشعبية الكاريزمية التي تستهدف تفريغ النشاط الشعبي العام وجعله مسيطراً عليه تماماً عبر التأكيد المستمر أن لا تعبئة شعبية على أساس مستقل، بحيث يجري ضرب كل أشكال التنظيم المستقل وتطبيق قمع شديد وقاس لها، سيما تلك التي تحمل أملاً في بلورة اتجاه سياسي حقيقي مستقل، وقد انطبق ذلك بحدودٍ ما على كل من العراق وليبيا ومصر في فترة من الفترات.

ولذلك غالباً ما تكون «الثقافة السائدة» أو «القيم الموجهة» متصفة بالسلبية والعجز بل أحياناً بالعنف والإقصاء والرفض، بحكم أن المجتمع المغلق غالباً ما يكون تربة خصبة لنمو ثقافة الرفض كنمط من أنماط الحماية تجاه النظام السلطوي القائم، وهو لذلك يرتد إلى روابطه ما قبل المدنية القبلية والعائلية والطائفية ويحتمي بها كحصنٍ أخير ما دامت كل الروابط المدنية الحقوقية والسياسية والفكرية قد جرى تدميرها وتحطيمها من قبل النظام الحاكم.

وهنا تكون عملية التحول الديموقراطي مسألة في غاية الصعوبة والحساسية، فمن المعروف أن البلدان التي لم يدمر الحكم السلطوي فيها قوى المجتمع المدني تكون فرص التحول السريع إلى الديموقراطية فيها أعظم بكثير من تلك البلدان التي إما سحقت فيها هذه القوى أو تنقصها القوة والحيوية لتبدأ فعلها. ففي البلدان الأخرى اتسمت قوى المجتمع المدني فيها بالقدرة على استعادة حيويتها ووحدتها من خلال بقاء قاعدة المجتمع المدني سليمة من حيث الجوهر، كما في أوروبا الجنوبية وخاصةً إسبانيا واليونان والبرتغال، حيث كان الضغط الشعبي أكثر بروزاً، مقارنةً مع مناطق أخرى مثل أميركا اللاتينية التي كانت قوى المجتمع المدني فيها أقل رسوخاً.

ولذلك غالباً ما يسود شكل من أشكال الثقافة الانقسامية أو التجزيئية لا على أسس سياسية وإنما بناءً على اعتبارات دينية أو طائفية أو عرقية أو اثنية بحيث تصبح هذه الانقسامات أشبه بالكانتونات المعزولة غير القابلة للتجاور أو الحوار، وتكون المشتركات الوطنية الجامعة بين مختلف هذه الأطراف في حدها الأدنى، هذا إن لم تنعدم في بعض الأحيان ويكون ذلك مؤشراً على بداية الدخول في حرب أهلية طويلة ومزمنة لا يكون الخروج منها سياسياً أو تعاقدياً إلا وفق منطق «الإنهاك المتبادل»، إذ تشعر الأطراف جميعها بوصولها إلى نقطة القاع النهائية من حيث القدرة على تحمل الآلام والعذابات المستمرة والدائمة، ولذلك تضطر إلى الدخول في مفاوضات مع الأطراف الأخرى للوصول إلى مخرج أو حل سياسي غالباً ما يعكس «توازن الضعف» الذي وصلت إليه الأطراف جميعها.

*كاتب سوري

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر:الحياة اللندنية-29-7-2007