طيب رجب أردوغان .. الرجل الذي يهز الشرق

 

 هاشم صالح 

 

 

من هو طيب رجب أردوغان؟ من هو هذا الرجل الذي سيحكم تركيا لمدة خمس سنوات قادمة؟

وهل يستطيع تحقيق تلك المعادلة شبه المستحيلة: أقصد المصالحة بين التراث الإسلامي العريق والحداثة؟

هل يستطيع أن يرضي العلمانيين والإسلاميين في آن معا؟

نقول ذلك ونحن نعلم أن كل قادة العالم العربي والإسلامي عجزوا عن ذلك حتى الآن، رغم محاولات بورقيبة وجمال عبد الناصر وآخرين عديدين..لا يملك المرء إلا أن يبدي إعجابه بهذا الرجل الشاب الذي لا يتجاوز الثالثة والخمسين من العمر والذي صعد إلى قمة المجد من أسفل الحضيض تقريباً.

فهو ليس من أبناء الباشوات ولا العائلات الغنية في اسطنبول وأنقرة والأناضول، وإنما ابن عائلة بسيطة فقيرة فقد ولد عام 1954 في حي شعبي قديم بمدينة اسطنبول، واضطر لبيع الخبز في الشوارع وهو طفل لكي يساهم في إطعام عائلته الفقيرة جداً.

وقد أرسلته عائلته إلى مدرسة دينية تخرج أئمة الجوامع والدعاة عادة ومعلوم أن العائلات التقليدية تحب كثيراً هذه المدارس لأنها تجد فيها منفذا لأولادها ولأنها تعلمهم التقى والورع.

وعندما بلغ السادسة عشرة راح يحل محل إمام الجامع في إقامة الصلاة ولكن في ذات الوقت كان يحب لعبة كرة القدم بشكل يفوق الوصف وقد خبأ عن والده ذلك لمدة سبع سنوات كاملة حتى انكشف أمره أخيرا. وكان يرغب في أن يصبح لاعباً محترفاً ولكن والده ردعه عن ذلك في آخر لحظة. فالعائلات المتدينة لا تحب كثيرا هذا النوع من التسليات.. ويبدو أن هذه اللعبة لا تزال أعظم هواياته حتى الآن ثم راح يدرس السياسة والعلوم الاقتصادية في جامعة اسطنبول، في الوقت الذي كان يشتغل فيه لكي يكسب عيشه.

وفي أواسط السبعينات انتسب إلى تنظيم الشبيبة الإسلامية التابع لحزب الخلاص الوطني الذي يتزعمه نجم الدين أربكان. وهناك وفي أحد التجمعات السياسية الكبرى التقى بأمينة التي ستصبح زوجته عام 1978 ثم أصبح أردوغان رئيساً لبلدية اسطنبول عام 1994 بعد أن خاض معركة كبيرة ضد الرشوة والفساد واستغلال المناصب.

وعندئذ برهن على فعاليته كعمدة للمدينة التي تضم أكثر من اثني عشر مليون نسمة. فالمشاريع التنموية انطلقت بقوة وانقطاع الماء والكهرباء عن السكان أصبح أقل بكثير مما كان عليه سابقاً وقد حصلت عندئذ حادثة سوف تؤثر على مستقبله السياسي كثيرا وربما لا تزال تلاحقه بشكل من الأشكال حتى الآن.

ففي أحد اللقاءات الجماهيرية، وكان آنذاك لا يزال من جماعة أربكان المتشددة، اشتعل حماسا وأنشد هذه الأبيات لشاعر تركي معروف: المساجد ثكناتنا، والمآذن حرابنا، والقباب خوذاتنا، والمؤمنون جنودنا..وعندئذ اعتبرته الدولة الكمالية وكأنه يتحداها، بل ويدعو إلى التعصب الطائفي الذي يعاقب عليه القانون وبالفعل فقد سجنوه أربعة أشهر وحرموه من حقوقه السياسية لبضع سنوات وتشكلت عنه عندئذ صورة سلبية في أوروبا التي لا تزال تخشى سطوة الإمبراطورية العثمانية حتى الآن والتي ذكرتها هذه الأبيات بها وعندما سيلتقي مع ساركوزي لن تغيب هذه الصورة كليا عن المشهد، وبخاصة أن أحد أسلاف الرئيس الفرنسي الجديد هو الذي واجه الأتراك عندما غزوا هنغاريا في القرن السادس عشر.

وكان اسمه: الأمير ميشيل ساركوزي. فهل ستتجدد المبارزة بين الرجلين مرة أخرى بعد أربعمئة سنة من ذلك التاريخ؟

سؤال مطروح وبقوة حاليا، لأن الرئيس الفرنسي من أشد المعارضين لدخول تركيا إلى الاتحاد الأوروبي، ولا نعرف كيف سيكون موقف أردوغان منه عندما يلتقيان وجها لوجه.. ولكن أردوغان برهن على براغماتيته وقدرته على التطور بعد خروجه من السجن، عندما قطع مع الزعيم الأصولي التقليدي نجم الدين أربكان عام 1999، وعندما قبل بمبدأ العلمانية الاتاتوركية ثم انشق عن حزب اربكان وأسس حزبه الخاص عام 2001 تحت اسم: «حزب العدالة والتنمية». وأما ما تبقى من حزب اربكان فقد ظل تقليدياً منغلقاً على نفسه وغير قادر على مسايرة التطور ولكنه نظم نفسه تحت اسم حزب سعادات، أي حزب السعادة. وحاول منافسة اردوغان على زعامة التيار الإسلامي في الشارع التركي ولكنه فشل. ولم يستطع أن ينال أكثر من 2% من أصوات الناخبين.

هذا في حين أن حزب اردوغان استطاع أن يصل إلى السلطة عام 2002 عن طريق انتخابات نيابية حرة، وعندئذ ابتدأت مغامرة سياسية فكرية ذات أهمية مؤكدة، ليس فقط بالنسبة لتركيا وانما أيضاً للعالم الإسلامي والعربي بالدرجة الأولى وعندما وصل مع حزبه إلى سدة السلطة قبل خمس سنوات، خاف الاتحاد الأوروبي والكثير من العلمانيين الأتراك واعتقدوا أنه سيقضي على ميراث مصطفى كمال أتاتورك وسوف يقيم نظاماً أصولياً على الطريقة الإيرانية أو سواها. ولكنه فاجأ الجميع بقدرته على تحقيق طفرة نوعية داخل التيار الإسلامي فقد اعترف بميراث أتاتورك، وقال إنه لن يمس المنجزات الأساسية للجمهورية التركية، وإنما طالب فقط بالمزيد من الحرية الشخصية للمتدينين ثم أكد على انه سيقيم دولة الحق والقانون لجميع الأتراك، بغض النظر عن أصولهم العرقية أو الدينية فالجميع لهم نفس الحقوق وعليهم نفس الواجبات. بالطبع فان القول شيء والفعل شيء آخر، فلا يزال هناك تمييز عرقي بل ومذهبي في تركيا.

ولكن لا أحد ينكر انه مشى خطوة في الاتجاه الصحيح وانه يحق للراديو والتلفزيون الآن ان يبثا برامج باللغة الكردية، الشيء الذي كان ممنوعا سابقا. كما ويحق تعلم اللغة الكردية ولكن بشكل خاص فقط ثم تمايز أردوغان بشكل واضح عن تيار اربكان والأصولية التقليدية، وراح يقدم نفسه كزعيم للتيار الإسلامي الديمقراطي وقال للأوروبيين: أنتم عندكم أحزاب ديمقراطية مسيحية فلماذا ترفضون ان يوجد عندنا أحزاب ديمقراطية إسلامية؟

أنا لا أريد محاربة الحداثة ولا حقوق الإنسان ولا التسامح الديني على الإطلاق. أنا أريد الانتساب إلى الاتحاد الأوروبي وتحديث تركيا وتحقيق أكبر قدر من الإصلاحات فيها.

ويرى المراقبون في فرنسا أن انتصار أردوغان يعود إلى جملة أسباب: أولها أن النظام العلماني التركي أصبح متكلسا ومتحجرا أكثر من اللزوم، بعد أن ساد البلاد مدة ثمانين سنة أو أكثر (منذ عام 1923 وتأسيس الجمهورية من قبل مصطفى كمال أتاتورك) كما انه ليس نابعا من أعماق الشعب وإنما فرض عليه من فوق بقرار رئاسي قسري. وثانياً، لأن هذا الحزب أصبح حزب النخبة الغنية البورجوازية في منطقة الأناضول والمدن الكبرى، ولم يعد حزب الشعب في جماهيره العريضة.

وثالثاً، لأن النظام السياسي السابق أغرق في الفساد والرشوة، ولهذا السبب فإن الطبقات الوسطى والشعبية انفضت عنه وانضمت إلى حزب العدالة والتنمية الذي أصبح يمثل المستقبل. بخاصة وان البطالة كانت قد ازدادت كثيرا في صفوفها دون أن تتحرك الدولة لفعل أي شيء..

يضاف إلى ذلك أن قانون عودة بيضة القبان كما يقال أخذ يفعل مفعوله. فبعد الفعل يجيء رد الفعل.. وبعد التطرف في اتجاه ما يجيء تطرف معاكس لكي يعيد الأمور إلى نصابها فتركيا كانت متعطشة للعودة إلى جذورها وتاريخها بعد أن فصلها أتاتورك عن ميراثها الإسلامي وبعنف لسنوات طويلة.

هل نعلم أن الأجيال التركية الحالية لا تستطيع ان تقرأ تراثها القديم لسبب بسيط، هو انه مكتوب بالحروف العربية في حين أن اللغة التركية حاليا مكتوبة بالحروف اللاتينية! ولهذا السبب دخلت الجماهير أفواجا أفواجا في حزب العدالة والتنمية إنها جائعة لتراثها، عطشى لهويتها... يضاف إلى ذلك أن اردوغان حقق نتائج اقتصادية ممتازة طيلة السنوات الخمس السابقة من حكمه.

بل ووصل النمو الاقتصادي لتركيا آنذاك إلى 6% أو أكثر.. ولا ينبغي أن ننسى الشخصية الكاريزمية الجذابة التي يتمتع بها اردوغان الخارج من أعماق الشعب. فالرجل يتمتع بهيبة شخصية وتحيط به هالة القادة الكبار الواثقين من أنفسهم.

ولكن لولا تطوره أو القفزة النوعية التي حققها في شخصه وحزبه على حد سواء، لما استطاع أن يبقى في الحكم كل هذه الفترة الطويلة، ولما استطاع خصوصاً أن يربح الانتخابات مرة ثانية، وهذا نادر في تاريخ تركيا وعلى هذا النحو استطاع ان يجمع بين الأصالة والمعاصرة، أو بين الإسلام والحداثة وحقق كل هذا النجاح الذي نشهده بأم أعيننا اليوم .

والكثير من الخبراء والمثقفين الغربيين يعتقدون بأنه قد يصبح نموذجاً يحتذى لكل العالم الإسلامي الذي يتخبط بين تيارين: إما أنظمة علمانية ولكن دكتاتورية مقطوعة عن شعوبها، وإما أنظمة أصولية مرتبطة بشعوبها ولكن منقطعة عن روح التقدم والعصر والتطور.

وبالتالي فالرجل يجيء في وقته لكي يشق طريقا وسطا يجمع بين المتضادات إذا جاز التعبير ويحقق تلك المعادلة المستحيلة التي تحدثنا عنها في بداية هذا المقال. هذا لا يعني بالطبع ان كل المشاكل حلت وان تركيا وصلت إلى بر الأمان أو نهاية المطاف. ولكنها مشت خطوة لا يستهان بها في هذا الاتجاه.  

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر:جريدة العصر