قراءة في الانتخابات التركية الأخيرة

 

 

د.صالح سليمان عبدالعظيم

 

 

لم تكن نتائج الانتخابات التركية الأخيرة مفاجأة للكثيرين، فقد كان من المتوقع بدرجة كبيرة أن يفوز حزب العدالة والتنمية الإسلامي على بقية الأحزاب السياسية العلمانية التركية الأخرى.

وهو الأمر الذي يثبت أن المظاهرات الهائلة التي اشترك فيها مئات الآلاف من الأتراك دفاعاً عن العلمانية التركية لم تكن معبرة عن حقيقة توجهات الشارع التركي المعاصر الباحث عن هويته وسط المحيط الأوروبي المهدد والمعاند والضاغط.

 فمأساة تركيا الحقيقية تكمن في ذلك الصراع المفروض عليها بين حيز سكاني محدود يتوق إلى الاندماج في القارة الأوروبية تحت دعاوى العلمانية وبين حيز سكاني ضخم يرغب ويؤكد على الهوية والحفاظ على الارتباط الأوروبي في الوقت نفسه ضمن ارتباطات الهوية الإسلامية الأخرى.

فالبعض يرغب في الاندماج الأوروبي بمواصفات أوروبية خالصة، بينما يرغب البعض الآخر في الاندماج الأوروبي بمواصفات تركية خالصة.

جاءت الانتخابات التركية الأخيرة لتكشف عن عمق تلك المأساة في الواقع السياسي التركي المعاصر.

فرغم القوة التي يتمتع بها الجيش والأحزاب العلمانية في الواقع السياسي التركي فإن حزب العدالة والتنمية الإسلامي تصد ر الانتخابات الأخيرة بنسبة تجاوزت 47% من إجمالي عدد الناخبين البالغ 42 مليون ناخب.

وهذه النسبة فاقت ما حصل عليه الحزب في الانتخابات الماضية بنسبة 12%، وهو ما يمكن حزب العدالة والتنمية من فرض هيمنته المطلقة على البرلمان التركي، والبدء في إجراء التعديلات الدستورية التي نادى بها إبان أزمة اختيار رئيس الجمهورية عبدالله جول الذي رفضه العلمانيون مرتين في البرلمان لتوجهاته الإسلامية وتحالفه مع طيب رجب أردوغان رئيس حزب العدالة والتنمية.

والواقع أن حزب العدالة والتنمية قد انفرد بالساحة السياسية في الانتخابات الأخيرة، وهو ما يفرض عليه أعباء كثيرة وضخمة يأتي في طليعتها الكيفية التي يستطيع بها التعامل مع الجيش من ناحية ومع الواقع الأوروبي من ناحية أخرى.

فالجيش، رغم سحب البساط من تحت قدميه على الأقل جماهيريا، مازال يتمتع بالقوة العسكرية التي تتيح له الانقلاب على الحكومات المنتخبة، مثلما فعل في خمس مرات سابقة.

لكن الانتخابات الحالية تجعل الجيش يفكر مرات كثيرة قبل الإقدام على مثل هذه الخطوة، بسبب الشعبية الواسعة التي يتمتع بها حزب العدالة والتنمية من جانب، وبسبب الاستقرار السياسي والاقتصادي الذي حققه الحزب طوال السنوات الماضية من جانب آخر.

كما أن حزب العدالة والتنمية مُطالب باستمرار مفاوضاته مع الاتحاد الأوروبي من أجل العمل السريع على قبول أوروبا لانضمام تركيا ضمن دول الاتحاد الأوروبي.

وعلى ما يبدو أن أوروبا مازالت تعاند في انضمام تركيا للاتحاد، رغم الكثير من الإصلاحات السياسية والاقتصادية التي قامت بها تركيا، ورغم موافقتها على العديد من الشروط التي فرضها الاتحاد الأوروبي عليها.

ورغم التأثير الكبير لكل من الجيش والاتحاد الأوروبي على مسيرة التجربة الديمقراطية التركية فإن الصراع الحقيقي المحدد لملامح تلك التجربة في مرحلة ما بعد الانتخابات الأخيرة يكمن في الصراع الكامن بين تركيا العلمانية وتركيا الإسلامية.

 صحيح أن الجيش والاتحاد الأوروبي يلعبان دوراً كبيراً ومؤثراً في تحديد ملامح هذا الصراع وتوجهاته المستقبلية، إلا أن هذا الصراع يظل محكوماً بطبيعة الجبهات التركية الداخلية والاصطفاف الحقيقي والفعلي للشارع التركي المعاصر.

واللافت للنظر هنا أن الشارع التركي في مرحلة ما بعد الانتخابات قد قبل نتيجة الانتخابات مترقباً سلوكيات حزب العدالة والتنمية إضافة إلى رغبته في تحقيق قدر كبير من الاستقرار السياسي والاقتصادي بعيداً عن تلك المشاحنات والصراعات الحادة التي شهدتها تركيا منذ إعلان الدولة العلمانية التركية في الربع الأول من القرن العشرين وحتى الآن.

فالمسألة بالنسبة للأتراك الآن لم تعد تتمثل في المجابهات الحادة بين العلمانيين والإسلاميين، رغم حتمية استمرار ذلك لفترات طويلة مقبلة، لكنها تتمثل في البحث عن صيغة توافقية مجتمعية شاملة وعامة تتيح لكافة الأطراف والجبهات والتيارات والأحزاب السياسية المختلفة التعبير عن نفسها بدون ذلك الصراع العنيف الذي شهدته تركيا لعقود طويلة من الزمن.

ولعل ذلك هو ما دفع رئيس حزب العدالة والتنمية طيب رجب أردوغان في أعقاب الإعلان عن الفوز الكاسح لحزبه إلى التأكيد على أهمية التماسك الداخلي والوحدة الوطنية لتركيا، مؤكداً في الوقت نفسه على استمرار العمل بمبادئ تركيا العلمانية.

ورغم ذلك التأكيد فإن العمل من أجل تماسك الوحدة الوطنية شيء والاستمرار على النهج العلماني لتركيا شيء آخر.

فالعمل على تماسك الوحدة الوطنية ربما يعني تجنيب تدخل الجيش في الشؤون السياسية لتركيا المعاصرة، وقصر مهام جنرالات الجيش على الجوانب العسكرية بدون أن يقحموا أنفسهم في التوجهات السياسية والحزبية الخاصة بالشأن التركي ويعني ذلك أن تصبح المؤسسة العسكرية، رغم أهميتها المطلقة في الشأن التركي، جزء لا يتجزأ من المؤسسة السياسية، بل وتابع أيضاً لها.

ورغم وجود تحالفات عديدة بين الجيش وبين الأحزاب العلمانية التركية الأخرى فإن الحفاظ على الوحدة الوطنية يستدعي من هذه الأحزاب العمل أيضاً على الاعتماد على نفسها والممارسات السياسية الخالصة وفك الارتباط بالجانب العسكري.

ولعل ذلك هو ما يستدعي من الجميع الإقرار بضرورة تنحية الجيش جانباً وإقلاعه عن التدخل في الشؤون السياسية التركية وربما أراد طيب رجب أردوغان بإعلانه عن ضرورة العمل على تماسك الجبهة الداخلية وعدم الإخلال بنسيج الوحدة الوطنية سحب البساط من تحت أقدام العسكريين، وفرض صيغة جديدة للعمل السياسي مقياسها الانتخابات التشريعية البرلمانية والممارسات الحزبية بعيداً عن أية تأثيرات محلية أو خارجية ويمكن القول بأن إعلان أردوغان العمل بمبادئ العلمانية التركية هو إعلان يغلب عليه الطابع التكتيكي وليس الإستراتيجي.

ففي ظل الفوز الكاسح لحزب العدالة والتنمية، وفي ظل القاعدة الشعبية الشرعية الواسعة وغير المسبوقة التي حصل عليها الحزب، يمكن القول إن فرض التوجهات الإسلامية لحزب العدالة آتية لا محالة إن بدرجة أو بأخرى وفرض التوجهات الإسلامية لحزب العدالة سوف يرتهن بقوة الأحزاب القومية واليمينية العلمانية الأخرى، ومدى التدخل الأوروبي في الشأن التركي.

سوف يظل الشأن التركي غائماً لفترة ما من الزمن، حيث يحكمه العديد من القواعد والضوابط المختلفة الداخلية والخارجية.

لكن الأمر الذي لا يمكن الجدل بشأنه أن تركيا في مرحلة ما بعد الانتخابات والفوز الساحق لحزب العدالة والتنمية ليست هى في مرحلة ما قبل الانتخابات.

وعلى كافة الأطراف أن تضع هذا الانتصار الساحق للحزب في الاعتبار وأن تقبل بقواعد اللعبة الديمقراطية التي أوصلت الإسلاميين إلى الحكم، كما يمكن أن توصل غيرهم. هنيئاً لتركيا هذا التقدم الديمقراطي الساحق آملين أن تنتقل عدواه لمنطقتنا العربية!!

*كاتب مصري

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر:UAE-27-7-2007