نصر الإسلام التركي: الأسباب والمضاعفات

 

سعد محيو

 

سؤالان كبيران أطلاّ برأسهما غَـداة الفوز الكاسح لحزب العدالة والتنمية التركي، "ذي الأصول الإسلامية"، كما يوصف، في الانتخابات التشريعية الأخيرة.

الأول، هل الإسلام اللبرالي، الذي يمَثله زعيما الحزب طيب رجب أردوغان وعبد الله غُـل، ظاهرة عابِـرة في كل من الحركات الإسلامية والحياة السياسية العامة في بلاد الخلافة العثمانية السابقة؟

أما الثاني فيتعلق بالمضاعفات المحتملة لهذا الفوز على كل من الدول والحركات الإسلامية الأخرى في عالم يضُـم زهاء مليار نسمة؟

الرد على السؤال الأول، يمكن أن يكون سريعاً وحاسماً، كلا، الإسلام اللبرالي التركي، ليس ظاهرة عابرة، لا في التاريخ العثماني القديم ولا في التاريخ القومي التركي الحديث.

فمنذ أيام العثمانيين إلى اليوم، أثبتت تركيا أنها إسلامية بلبوس لبرالية، حيث جاء العثمانيون بقوانين علمانية رسمت، إبّـان حكم السلطان محمد الفاتح والسلطان سليمان القانوني قبل نيف وأربعة قرون.

وفي الوقت الذي بُـذلت فيه محاولات في أنحاء أخرى من الأراضي الإسلامية لتكييف الإسلام مع الظروف المتغيرة، اتّـخذ العثمانيون قراراً بعَـلمنة حكومتهم، ولذا، عمدوا في القرن التاسع عشر إلى تأسيس المؤسسات العِـلمانية إلى جانب المؤسسات الإسلامية بدل إصلاح الأخيرة.

هذا التوجّـه أفسح المجال واسعاً أمام بروز الإسلام اللبرالي، الذي يجادل بأن القرآن والسُـنة النبوية تحضـّان على الممارسات اللبرالية.

وعلى سبيل المثال، ينطلق المفكر الإسلامي التركي علي بولا من الآية الكريمة، "لكم دينكم ولِـي دين"، وكذلك من "وثيقة المدينة"، بين النبي محمد (ص) واليهود، ليقول إن الإسلام في جوهره يُـعزِّز التعدُّدية ضِـمن الوحدة، لا بل هو منارة التوجهات التعددية واللبرالية.

وحين قام كمال أتاتورك بثورته العلمانية في أوائل القرن العشرين، لم يحذ فيها حِـذو العلمانيات الغربية الأخرى.

فطِـبقاً لمؤسسي الجمهورية التركية الحديثة، كان مقرَّراً للإسلام أن يُـصبح نظاماً للعقيدة والأخلاق على المستوى الفردي فقط، ولم يكن مطلوباً منه أن يوفِّـر جُـملة من المعايير والقواعد المفروضة على مستوى الدولة.

كانت هناك على الدّوام مُـقارنة تاريخية بين عِـلمانية تركيا والعِـلمانية الأوروبية الغربية. ومن الناحية التاريخية، كان الدَِّين والدولة مُـنفصلين في أوروبا الغربية، كانت الكنيسة تتمتّـع باستقلال ذاتي عن الدولة، والشيء نفسه ينطبق على حالة الدولة.

وكان تطور النِّـظام العِـلماني في السِـياق الفرنسي، يعني أن الدولة تولّـت بشكل تدريجي بعض الوظائف، التي كانت تؤديها الكنيسة، كالتعليم مثلاً، لكن في السابق، كانت الكنيسة المسؤولة الأساسية، إن لم تكن الوحيدة، عن توفير التعليم، وعندما استولت الدولة على تلك الوظيفة، قام العِـلمانيون بتوفير التعليم، ومن هنا جاءت كلمة "LAICISM"، التي تعني النظام العلماني واستخدمت إلى جانب كلمة "SECULARISM"، أما في الدولة العثمانية، فلم يتم الفصل بين المؤسسات الدينية والدولة.

فقد كان يتم تعيين "شيخ الإسلام"، وهو صاحب أرفع منصِـب في الدولة من قِـبل السلطان، كما كان السلطان مسؤولاً عن حماية الدّين والإسلام ونشره، وبمعنىً آخر، فإن المرء في الإمبراطورية العثمانية لم يكن يُـصادف النظام العلماني بالمعنى الذي كان سائداً ومُـتَّـبعاً في أوروبا الغربية.

لقد كانت الثورة التركية ثورة ثقافية، وللسبب نفسه، فإن المفكر التركي الراحل نيازي بيركيس، لفت أنظار الكثيرين إلى الفرق بين النظام العلماني "LAICISM" والعلمانية "SECULARISM"، وقال إن مصطلح العلمانية، هو الأفضل في تفسير الحالة "العثمانية ـ التركية".

الليبرالية النقشبندية

هذه التطورات، على الصعيد السياسي العام، تركت بصمات واضحة على الأجيال التركية المعاقبة منذ 70 عاماً (هي عمر الجمهورية العلمانية)، بما في ذلك الأجيال الإسلاموية.

كتب البروفسور التركي، متين هوبر (جامعة أنقرة): "كان من المثير للاهتمام أن المبادرة الداعية لتشكيل أحزاب سياسية عام 1969 في تركيا، جاءت من زعيم الطريقة "النقشبندية" آنذاك "الشيخ عزت زاهد كوكتو"، فقد كان الشيخ يعتقد أن ما تحتاجه تركيا أولاً وقبل كل شيء، هو التنمية الأخلاقية"، ورأى أن هذه التنمية هي الشرط المُـسبق للتنمية المادية والاستقرار السياسي، وبرأيه، فإن التنمية الأخلاقية، يمكن أن تتم إذا ما تم إضفاء صفة ذاتية على بعض القِـيم المستمدة من الإسلام.

بمعنىً آخر، كان هدف الشيخ كوكتو بدءً حركة إحياء في الإسلام التركي، وكان مهتماً فقط بالتنمية الأخلاقية للناس، لكن بعض زعماء الأحزاب، التي تأسست بعد عام 1969، لم يتردّدوا في استخدام التصريحات النارية المتطرفة، لأن بعضهم مثل نجم الدين أربكان، كان خائفاً من خسارة دعم الجماعات الراديكالية في هذه الأحزاب، لا بل إن أربكان نفسه أدلى أحياناً بتصريحات مشابهة.

فقد قال مرة: "سنصل إلى السلطة بالتأكيد، لكن السؤال عمّـا إذا كان ذلك سيتِـم من خلال سفك الدماء، يبقى مفتوحاً".

مع أن الحافز الأوَّلي لتأسيس أحزاب سياسية إسلامية، هو محاولة خلق نوع من التنمية الأخلاقية في تركيا، إلا أن الأحزاب السياسية، ذات التوجهات الدينية، أعطت الانطباع أحياناً بأنها تنحرف باتجاه الإسلام السياسي، ولذا، فقد تم إغلاقها، لكن هل كان ذلك الانطباع صحيحاً وهل كانت تلك الأحزاب ترمي إلى إقامة دولة على أسُـس إسلامية وهل واجهت تركيا خطر الإسلام السياسي المتشددة في العقود القليلة الماضية؟

يجبب البروفسور هوبر، أنه "من الصعب تماماً الإجابة على هذه الأسئلة بـ "نعم"، فعندما تتمعّـن في برامج وخطاب زعماء هذه الأحزاب، ترى أن لديها تقدّماً تدريجياً لأن تصبح أحزاباً سياسية مؤيِّـدة للنظام لا العكس.

فعندما تم تأسيس "حزب النظام الوطني" بين عامي 1969 و1971، كان الخطاب السائد يَـشي بأن الإسلام لا يتّـفق مع العلمانية، وخلال حقبة "حزب الفضيلة" 1997 – 1999، لم يتغيَّـر الخطاب بصورة جذرية، وقيل أن على الإسلام والدولة ألاّ يتدخّـل أحدهما في شؤون الآخر.

وعلى نحو مشابه، لم يكن مسموحاً للنساء في السابق، المشاركة في أي من أنشطة الحزب، لكن ما أن تأسس "حزب الفضيلة"، حتى تمّ انتخاب النساء اللائي لم يكتفين بالسفور، بل كُـن يتناولن الخمور علانية أعضاء في البرلمان على قوائم الأحزاب، ذات التوجهات الدينية.

وقد عارض الإسلاميون التقليديون المحافظون، بزعامة أربكان، هذا التطوّر اللافت باتِّـجاه ما يُـمكن أن يُـسمى الإسلام اللبرالي.

بيد أن أردوغان وتياره، مضيا في هذا التوجه حتى نهاياته، وبالتالي، فهم كانوا أوفياء حتى النهاية لنهج شيخ الطريقة النقشبندية.

النصوص التي أدلى بها أردوغان منذ صعوده السياسي الكاسح تشي بذلك:

"مدرسة الأئمة والوعاظ، التي درست فيها، تركت في نفسي انطباعاً قوياً. كانت حياتي مقدّرة في المدرسة، فيها تعلمت الوطنية والتعاطف مع بني البشر وخدمة البلاد وعبادة الله وعلوم البيئة وروح التكافل وحب الخير للآخرين، كما لنفسي".

"هناك شخصان، يجب تقبيل أياديهما: الأول، هو المعلم الذي ينقل المعرفة للآخرين، والثاني، هو والد المرء"، وهو يمتلك مفهوماً للكون بوصفه نظاماً متناغماً قد يتغير للأفضل. ففي الكلمة التي اقتطفت في هذه الفقرة نفسها، قال أردوغان إنه "يجب تقبيل أيادي الأطفال الرضّـع، لأنهم رمز الأمل"، لأن أردوغان صوفي نقشبندي، فإنه يعتقد أن في قلب كل فرد جزءاً من الله. وبرأيه، فإن في كل فرد بعضاً من صفات خالقه، ولذا، فإن كل الناس متساوون، وبذلك، فلا ينبغي لأحد أن يمارس التمييز ضد أحد آخر.

وبما أنه يمتلك مثل هذه النظرة العالمية، فإنه لم يتَّـبع سياسات تمييزية عندما كان رئيساً لبلدية إسطنبول ولم يمارس التمييز ضد غير المسلمين، وقد ساعدت البلدية في إسطنبول في عهده، ليس في تجديد المساجد فقط، بل أسهمت في تجديد الكنائس والكنس.

ولابد للمرء من الإشارة هنا، إلى أن أسلافه العلمانيين في البلدية، لم يخصصوا أموالاً لإصلاح الكنائس والكنس، وهناك عبارة له تعكس نوعية تفكيره في أمور كهذه، فهو القائل: "إن المؤمن الحقيقي لا يُـؤذي المجتمع مهما يكُـن دينه".

اهتم أردوغان كمتصَـوِّف، بالتنمية الأخلاقية للناس، ولم يكن له اهتمام بالإسلام السياسي، ولذا، قال مرة: "الإسلام هو مرجعي على المستوى الفردي، أما على المستوى السياسي، فمرجعي هو الدستور والمبادئ الديمقراطية".

المضاعفات

هذه إذن، هي الجذور الخاصة للإسلام اللبرالي التركي، وهي جذور تتشابك فيها، كما هو واضح، المعطيات التاريخية بالتوجهات الأيديولوجية الصوفية.

وهذه الخصوصية، قد تدفع إلى الاستنتاج بأن الإسلام اللبرالي التركي، سيبقى خاصية تركية، طالما أن العناصر التي كوّنته ليست موجودة في الدول العربية والإسلامية الأخرى.

وهذه حصيلة قد لا تكون دقيقة كثيراً، فالإسلام اللبرالي كان ولا يزال موجوداً في بقية العالم الإسلامي، ونحن هنا لا نتحدث فقط عن تجربة النهضة العربية في أواخر القرن التاسع عشر وحتى منتصف القرن العشرين، بل أيضا حتى عن المراحل، التي شهدت صعود الإسلام السياسي الأصولي المتطرف في أواخر القرن العشرين.

فبرغم أن كل الدراسات والمفاهيم في الغرب تتركّـز على الإسلام الراديكالي والحركات الأصولية، إلا إن الكثير من المسلمين يتبنَّـون مبادئ يُـمكن وصفها بشكل عام بأنها "إسلام لبرالي"، وهذا الأخير، يشير إلى تفسيرات واجتهادات خاصة، تتعلق بقضايا مثل الديمقراطية وفصل الدِّين عن التعقيدات السياسية وحقوق المرأة وحرية الفكر وتعزيز التقدم البشري.

ففي كل قضية من هذه القضايا، ثمة إجماع بأن كلا من المسلمين والإيمان الدِّيني، يفيدون من الإصلاحات ومن وجود مجتمع متفتح، وهذه المواقف تسير بشكل مُـوازٍ مع اللبرالية في ثقافات أخرى، وكذلك مع الحركات اللبرالية في العديد من الأديان الاخرى.

ومن المحتمل كثيرا أن تنمو هذه التوجُّـهات لتُـصبح مهمَّـة في المستقبل، لا بل قد تكون هي المُـهيمنة في السنوات القادمة، وذلك بسبب جُـملة من العوامل، مثل الظروف المحلية والتحديث والتطور في المجتمعات الإسلامية، أي الأسباب نفسها التي أدت إلى بروز اللبرالية في الغرب.

هذه نقطة، وثمة نقطة ثانية لا تقلُّ أهمية: الغرب المُـهيمن على العالم الإسلامي، والذي كان في الواقع هو القوة الرئيسية، التي أجهضت كل محاولات النهوض الإسلامي منذ أوائل القرن التاسع عشر، لا يبدو مُـعادياً أو مُـعرقلاً لهذا النوع من الإسلام اللبرالي، العكس يبدو صحيحاً: إنه الآن الطرف الذي يمنع المؤسسة العسكرية التركية من فرملة الصعود الإسلامي الراهن في تركيا أو حتى الانقضاض عليها لتمزيقها، كما فعل مِـراراً خلال العقود الثلاثة الأخيرة.

الإسلام اللبرالي التركي يبدو "صديقاً" للغرب، مما جعل الأخير "صديقاًً" له، وبالتالي، لاشيء سيمنع من سحب الأمر نفسه على حركات إسلامية أخرى في العالمين، العربي والإسلامي، إذا ما نُـسجت على مِـنوال حزب العدالة والتنمية.

المسألة هي مسألة مصالح أولاً، ثم أيديولوجيا ثانياً، وأي طرف إسلامي يلبِّـي المصالح الغربية ولا يعارض قيمه الأيديولوجية، كما فعل حزب أردوغان، سيجد له مكاناً في النظام العالمي المُـتعولم الجديد، ولن يكون بالتالي، مجرّد قارئ للتاريخ، بل صانعه أيضاً.. وإن بحدود!

و كل ذلك بحسب المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر:سويس إنفو-27-7-2007