السبالق الرئاسي في الولايات المتحدة و جولة المرشحين لمكافحة الفقر

 

جوناثان دارمان

 

 

الحملة التي يشنها إدواردز هي صدى لحملة كنيدي، لكن الأزمنة تغيرت (وإدواردز ليس كنيدي)

 جون إدواردز سياسي ذكي يعرف قيمة التواضع. عند سؤاله عن روبرت أف كنيدي، يقول ببساطة: "لا أستحق أن أُقارَن به" لكن طوال حملته للحصول على ترشيح الديموقراطيين له للانتخابات الرئاسية سنة 2008، شجع إدواردز بوضوح أكبر المقارنة بكنيدي.

فهو يلفت إلى أنه لم يسبق لمرشح رئاسي "منذ 40 عاما" - أي منذ كنيدي - أن شن حملة تركز على معاناة الفقراء في أمريكا والأسبوع الماضي، بعد ثلاثة أيام قطع فيها أكثر من 1800 ميل، ختم جولة الفقر بعنوان "الطريق نحو أمريكا واحدة" في برستونبيرغ بولاية كنتاكي، وهي البلدة التي ختم فيها كنيدي قبل أربعة عقود جولته في أبالاشيا الفقيرة. وقد قال إدواردز للحضور: "أريدكم أن تنضموا إلينا لإنهاء العمل الذي بدأه بوبي كنيدي".

سحرت حملة كنيدي ضد الفقر عددا كبيرا من الأمريكيين. أما حملة إدواردز فلم تنجح حتى الآن في تحقيق ذلك.

أملا في الحصول على تغطية إعلامية مكثفة لجولة الفقر، جندت حملة السيناتور السابق عن ولاية نورث كارولينا صحافيين من وسائل الإعلام القومية للسفر معه على متن طائرة كبيرة مستأجرة لكن الحملة كانت قد بلغت منتصفها من دون أن يكون لإدواردز حضور مهم في الصحف القومية.

حتى زوجة المرشح، إليزابيث، استطاعت أن تسرق بعض الأضواء من زوجها. ففي اليوم الثاني من الجولة، نشر موقع Salon.com مقابلة مع إليزابيث قالت فيها إن المرشحة المتصدرة هيلاري كلنتون ليست بالضرورة "مدافعة جيدة عن النساء" بقدر إدواردز.

ونفى الأخير أن تكون ملاحظات زوجته قد انحرفت عن رسالته المتعلقة بالفقر قائلا: "أي شيء يمكن أن يلفت الانتباه في مختلف الأحوال. إذا تفوه السيناتور أوباما بشيء مشين، فسيلفت الانتباه بأي حال".

غير أن مراسل نيوزويك قال له إن السيناتور أوباما مرشح منافس، أما السيد والسيدة إدواردز فهما في الفريق نفسه. ويُفترَض بالزوجين أن ينسقا في ما بينهما. فرفع إدواردز حاجبَيه قائلا: "أتظن ذلك؟"

ثمة شيء مأساوي في فشل إدواردز في تحقيق إنجاز في حملته هذه. حاليا يعيش 37 مليون أمريكي دون خط الفقر، أي أكثر بـ12 مليونا من العدد الذي كان موجودا عند وفاة كنيدي. ومع ذلك، لم يلقَ نداء الضمير الذي وجهه إدواردز أصداء.

لا شك في أنه يُفترَض بإدواردز، ابن عامل الطاحونة، أن يجد سهولة أكبر من كنيدي ابن المليونير، في التحدث عن الفقر. لكن الصعوبة التي يلاقيها دليل على عجز المرشح عن التواصل، وكذلك على عجز الأمة عن التأثـر.

جون إدواردز أكثر كمالا من أن يكون روبرت كنيدي. في الذاكرة الشعبية، جميع أفراد آل كنيدي أنيقون وفصيحون جدا. لكن روبرت لم يكن جون» فشعر الشقيق الأصغر سنا كان جامحا وأشعث، وكانت ربطة عنقه منحرفة على الدوام، وعيناه مجعدتان عند الزوايا بسبب الساعات الطويلة جدا التي كان يمضيها تحت أشعة الشمس.

وفي التجمعات السياسية، كان صوته يرتعش ويداه ترتجفان. في سيرة حياته Robert Kennedy : His Life (روبرت كنيدي: حياته) ، يصف إيفان توماس من نيوزويك كنيدي السياسي بـ"الطفولي"، الابن الأصغر الخائف الذي "كان يحب المثلجات ويرتبك على المنصة".

كان هذا الضعف نعمة بالنسبة إلى كنيدي. فقد رأى الأمريكيون، لا سيما الفقراء منهم، أنفسهم في الصبي الذي يسترق النظر من خلف ستار القسوة الذكورية. فعلى غرارهم، عانى وناضل كثيرا.

وإدواردز عانى أيضا. وُلد في بيئة فقيرة، ولقي ابنه البكر حتفه في حادث سيارة في سن الـ16» وتقاوم زوجته بشجاعة سرطانا فتاكا. لكن لا تظهر عليه إشارات الكفاح. وجهه أسمر ضارب إلى الصفرة إنما لا تبدو عليه علامات التقدم في السن.

وشعره الشهير ليس مسرّحا جيدا فحسب بل إنه شبه جامد ويفتقر حتى إلى لمسة رمادية. يقول إدواردز إن قصة شعره السيئة السمعة التي كلّفت 400 دولار ومنزله الذي تبلغ مساحته 28000 قدم مربعة هما هوس الإعلام وليس "الناخبين العاديين".

(يتعامل مع سلك صحافي أكثر فظاظة من ذاك الذي تعامل مع روبرت كنيدي. فالمراسلون لم ينتقدوا حجم منزل كنيدي في فرجينيا بل أكثر من ذلك، كتبوا مقالات متملقة عن السيناتور أملا في الحصول على دعوة إلى منزله).

ويسارع أيضا إلى الإشارة إلى أن أثرياء آخرين ــ مثل فرانكلين روزفيلت وكنيدي نفسه - استطاعوا مساعدة الفقراء. لكن النقطة الأساسية هي أن المشكلة التي يسببها المنزل وقصة الشعر لا تكمن في الرياء من جانب إدواردز بل في الانطباع الذي يخلّفه بأنه مستعد لدفع أي ثمن للحفاظ على مظهره الخارجي الخالي من العيوب.

بالنسبة إلى روبرت كنيدي، فإن الحفاظ على طبيعته عنى أيضا العفوية. كان كنيدي خلال جولاته في المناطق الفقيرة في الجنوب، يطلب أحيانا إلى السائق التوقف ليتمكن من التحدث مع أولاد فقراء على قارعة الطريق.

أما إدواردز فيبدو غير مرتاح في الانحراف عن نص مكتوب. في جولة بحي فقير في كليفلاند الأسبوع الماضي، كان يسير ببطء تاركا للمصورين التلفزيونيين تحديد الوتيرة.

لكن مشكلات إدواردز لا ترتبط بعيوبه الشخصية بقدر ما ترتبط بواقع أن أمريكا روبرت أف كنيدي لم تعد موجودة.

فحملة الفقر التي شنها كنيدي حلت في مرحلة اضمحلال الطوبى الأمريكية. كان الجيل الذي عاش الكساد العظيم وخاض الحرب العالمية الثانية لا يزال يعتقد أنه قادر على قهر كل التحديات. قال ليندون جونسون أمام الكونغرس عام 1964"لأول مرة في تاريخنا، من الممكن التغلب على الفقر"، وقد صدقه الناس.

كان التعبير عن الغضب أسهل في أمريكا المتفائلة تلك. في رحلة إلى دلتا المسيسيبي عام 1967، رأى كنيدي أكواخا من دون نوافذ ممتلئة بأطفال سود فقراء يتضورون جوعا.

صُعًق وصُعًقت معه الأمة. يتذكر بيتر إيلدمان الذي كان أحد المساعدين المقربين لكنيدي قائلا: "لدى رؤية أولئك الأولاد مع بطونهم المنتفخة وقروحهم التي لا شفاء منها في «نشرة أخبار سي بي أس المسائية» تلك الليلة، أصيبت البلاد بصدمة حقيقية".

هناك عدد أقل من البطون المنتفخة في أمريكا إدواردز لكن هناك أيضا غضبا أقل فما يشغل الطبقة الوسطى الآن هو انعدام أمنها الاقتصادي. أما المثقفون أصحاب المهن المتخصصة فيقلقون بشأن تكاليف الرعاية الصحية وأقساط الرهن، وتدبر أمرهم بكل بساطة.

إدراكا منه لهذا الواقع، يقول إدواردز إنه عندما يتحدث عن "أمريكتين"، لا يقصد الأثرياء والفقراء بل الأثرياء و"كل الباقين".

في الواقع، يلقى الكثير من ركائز الأجندة الاقتصادية التي يروجها إدواردز، مثل الرعاية الصحية للجميع وفرض عقوبات فيدرالية على المقرضين المفترسين، استحسانا في جهتَي خط الفقر لكن حتى إدواردز يقر أن لدى الأمريكيين العاملين صعوبة في تقبل مفهوم أن ما يجمعهم بالفقراء أكبر مما يجمعهم بالميسورين.

ويواجه إدواردز أيضا مشكلة مصداقية في بلد أصبح تهكميا منذ وفاة كنيدي إنه يعني ما يقوله عندما يقول للحضور إنهم يستطيعون "القضاء على الفقر في غضون جيل"، فسيرة حياته تثبت أن هذا ممكن. لكن بالنسبة إلى أمة منهكة قلقة بشأن الحرب في العراق وتهديد الإرهاب وصحة الكرة الأرضية، تبدو كلماته أقرب إلى الوعود الفارغة من جانب سياسي.

يكون إدواردز أكثر قابلية للتصديق وأقرب إلى روبرت كنيدي عندما يصغي بكل بساطة في منتدى بوايز، بولاية فرجينيا، في اليوم الأخير من جولة الفقر، بدا عليه التأثر عند الاستماع إلى روايات فقراء من فرجينيا وكنتاكي عاشوا معظم حياتهم من دون رعاية صحية.

استدار نحو الصحافيين المرافقين له وسألهم بغضب قوي وصادق: "هل تسمعون؟"

لم يجب المراسلون. والأمة أيضا لم تجب، حتى الآن. في حين حافظ إدواردز على موقعه في الطليعة في الكثير من الاستطلاعات التي أجريت أخيرا للمشاركين في المؤتمر الحزبي لاختيار المرشح للرئاسة في ولاية آيوا، أظهر استطلاع جديد للآراء في ولاية نيو هامشير الأسبوع الماضي تراجعه إلى المرتبة الرابعة بعد كلينتون وأوباما وحاكم ولاية نيو مكسيكو بيل ريتشاردسون.

بعد منتدى وايز، سأل مراسل من نيوزويك إدواردز كيف سيساعد الفقراء إذا لم يفز بالرئاسة، فأجاب: "عندما تترشح للرئاسة... لا يمكنك تقبل فكرة عدم النجاح. لكنني أعلم أن هذا هو العمل الذي سأقوم به طوال حياتي".

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر: newsweek-31-7-2007