جدار برلين بات "نموذجاً"

 

د. طارق سيف

 

 

بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية عام 1945، سقطت ألمانيا النازية في يد أربع دول كبرى، هي الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا والاتحاد السوفييتي السابق، فجرى تقسيمها بينهم وفق اتفاقية يالطا، وبالطبع تم تقسيم العاصمة السابقة للرايخ الألماني إلى أربع مناطق أيضاً.

وفي عام 1949 بعد قيام جمهورية ألمانيا الاتحادية (ألمانية الغربية) في المناطق التي احتلتها أميركا وبريطانيا وفرنسا، وقيام جمهورية ألمانيا الديمقراطية (ألمانيا الشرقية) بعد ذلك في المنطقة التي احتلها السوفييت، بدأ العمل على قدم وساق لتأمين الحدود بين البلدين، وتكريس الفصل بين شعب واحد كان يعيش يوماً في كنف دولة واحدة على مدى عقود من الزمن.

ونتيجة لكبت الحريات وتكميم الأفواه في الجانب الشرقي، والانفتاح الحضاري واحترام الإنسان في الجانب الغربي، بدأت الهجرات الألمانية من برلين الشرقية إلى الغربية، فكان "جدار" أو "سور برلين"، الذي جاء بمبادرة من قوات ألمانيا الشرقية، وجرى بناؤه في 13 أغسطس 1961 وتحصينه على مدار السنين، الوسيلة المثلى لمنع هذه الهجرات التي هددت قدراتها الاقتصادية.

ولكن بعد مضيِّ أكثر من 28 عاماً على بناء الجدار، سقط أطلالاً في 9 نوفمبر 1989، بعد رفع القيود على التنقل بين مواطني شعب واحد فرَّقته رحى الحرب وسطوة الاحتلال، وشعور الجميع بضرورة تدمير حاجز الإذلال السياسي والاجتماعي للقوة الألمانية بعد هتلر.

ولكن يبدو أن "جدار برلين" كان مصدر الإلهام للعديد من سياسات قوى الاحتلال وبعض الحكومات، بل وبعض الشعوب في كثير من أنحاء العالم، تحت دعاوى مختلفة، بعضها له أسبابه ولكن الكثير منها غير مبرر.

فجدار "برلين الإسرائيلي" للفصل العنصري الذي بنته القوات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة بناء على قرار رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق أرييل شارون، ويصل طوله إلى 650 كلم ويجري بناؤه على امتداد "الخط الأخضر"، يمثل حالة نفسية سيطرت على العقلية اليهودية منذ الشتات، ألا وهي عقدة "الجيتو" والعزلة والعيش في "كانتونات"، ظناً منها أنه سيحقق نوعاً من الأمن.

وهناك الجدار الذي بناه المغرب في الصحراء الغربية بطول نحو 2300 كلم لمنع تسلل ناشطي البوليساريو دعاة الانفصال، والحد من عملياتهم داخل المغرب، وضمان وجود نوع من الأمن. أما في أيرلندا الشمالية فتوجد "جدران" تفصل أصحاب الديانة الواحدة، ولكل منهم مذهبه العقائدي، حيث تفصل بين أحياء الكاثوليك والبروتستانت لضمان توافر الأمن والاستقرار للمجتمع، والحد من الصراعات العنيفة بين الطرفين.

لقد باتت هناك أنواع متعددة من الجدران من أبرزها:

(1) جدار عنصري - طائفي نبنيه للفصل (سجن كبير)، حيث يتركز الهدف من بناء هذا الجدار في الفصل بين فريقين متصارعين لأسباب طائفية أو عرقية أو تنافس على السلطة، أو مواجهة الاحتلال، ويمكن الاستفادة من هذا النوع من الجدران في حل مشكلات الصراع على السلطة في فلسطين بإعلان "دويلة غزة الفلسطينية" بزعامة "حماس"، و"دويلة الضفة الفلسطينية" بزعامة "فتح"، ووضع جدار فاصل وعازل لكل دويلة مع ضمان نقاء العنصر التابع لكل دويلة، ومنع الاختلاط بينهما، ومنح كل منهما سلطة الحكم ليتمتع بها كيف يشاء.

كما يمكن تطبيقه في لبنان والعراق كذلك من خلال إقامة جدران "طائفية - سياسية"، تسمح بتقسيم الوطن إلى دويلات، وكل مواطن يختار الدويلة المنتمي إليها مذهبياً، ومن ثم نحلُّ قضية الصراع على السلطة.

وبالطبع يمكن تجاوز هذه النوعية من الجدران لو توافر قدر بسيط من المواطنة والتمسك بالمصالح العليا للوطن، فلو استطاع العراقيون والفلسطينيون واللبنانيون تكريس جهودهم وإعلاء مصالح أوطانهم على مصالحهم الذاتية، لأمكن تجاوز كل الجدران، والقضاء على كافة الأسوار.

(2) جدار آني يتم بناؤه حول الحدود أو لعزل الخارجين على القانون (سجن صغير) ، وهذه الجدران معترف بها دولياً وإقليمياً ومحلياً، فهي جزء من نسيج تأمين الوطن ومنع التسلل وتهريب الممنوعات إليه، ولكن من المهم ألا تكون هذه الجدران قيداً على حرية تنقل المواطنين الأبرياء التي كفلها القانون والدستور، ويمثل هذا النوع من الجدران الضمان الأكيد لحماية المجتمع من المجرمين، وفي الوقت ذاته يمثل عقاباً كافياً للمجرم ذاته بحرمانه من حريته.

(3) جدار نفسي (سجن الذات)، وهو الجدار الذي دُفعنا إليه مرغمين بسبب "البنلاديبن" و"السوداويين" من زعماء فكر التطرف والإرهاب، الذين نجحوا في تأليب العالم بأسره على المسلمين، والعرب منهم خاصة.

وهو جدار زرعته أيدي الإرهاب في نفوس الأجانب الذين يدينون بغير الإسلام، وقام ببنائه كل من هو ذو أصول عربية ويدين بالإسلام، ولم تشفع لهم الخسائر المادية والبشرية التي تعرَّض لها المسلمون أنفسهم من جراء التطرف والإرهاب، والتعاون الشامل الذي تبديه الدول العربية مع الولايات المتحدة الأميركية في حربها ضد الإرهاب.

(4) جدار سياسي (سجن الوطن)، وهو الجدار الذي تقيمه بعض الحكومات العربية بينها وبين شعوبها تحت زعم عدم دراية الشعب بمصالحه العليا، وقصوره عن إدراك مثالب السياستين الداخلية والخارجية، على اعتبار أن الحكومات العربية تعرف أكثر، الأمر الذي جعل هذه الحكومات تصادر الحريات، وتسلب الإرادة الشعبية في الانتخابات، وتنفرد بالسلطة والتسلط، وتتمسك بالكرسي إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

إنه جدار غير مرئي يفصل بين شعوب تعاني الاضطهاد والفقر والحاجة، وشعوب أخرى تنعم بالحرية والديمقراطية واحترام حقوق الإنسان، إنه جدار يفصل بين المستويات الحضارية، والتطور بين من هم خلفه ومن هم أمامه، وكذلك يفصل بين النظم الاستبدادية والنظم الديمقراطية.

والغريب أن أصحاب هذا الجدار قد نسوا أو تناسوا أنه في عصر الثورة المعرفية الكونية، يمكن للشعوب التواصل عبر الجدران، والتعبير عن معاناتها على مستوى عابر للحدود والدول.

من المؤكد وجود أماكن كثيرة يجب أن تقام حولها جدران لعزلها عن محيطها حتى لا يتفشى وباؤها الإجرامي أو فيروساتها المرضية، وحصارها للقضاء عليها عندما تحين الفرصة وتتوافر الوسائل، مثل إقامة جدار حول الطائفية والتمييز العنصري، وحول التطرف والإرهاب، وحول مصادرة الحرية والقضاء على الانفتاح تحت دعاوى نفسية وسياسية وأمنية.

إن الجدران والأسوار تعني العزلة والفصل والتقسيم والانقسام، وتكرِّس حالة نفسية يصعب الفكاك منها، لذا فإن الوقت قد حان لنقاوم هذه الجدران والأسوار على المستويين النفسي والعملي، ويكون الوطن والمواطنة هما أساس التعامل بين الجميع.

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر:24-6-2007