في مسار التحولات الديمقراطية ,الإصلاح العربي..إشكالية الخطاب والنموذج

 

حامد عبد محسن

 

 

إشكالية الخطاب:

تبدأ إشكالية هذا الخطاب من الفجوة الكبيرة بين خطاب عربي انقسم الى مستويين الاول هو الخطاب الرسمي الذي تمثله الانظمة السياسية العربية بكل مناشئها الملكية والجمهورية والسلطانية وما بين المجتمع المدني وجمعياته.. والتي  لم تتبلور كنموذج ديمقراطي راسخ قادر على مواجهة الخطاب الرسمي للنظام العربي في معركة التحولات الديمقراطية الذي يشهدها العالم..وتتجسد هذه الفجوة على مستوى الافكار والمفاهيم والمضامين وحتى المفردات والمصطلحات..تهيمن على الخطاب السياسي ثلاثة محاور ثابتة وهي المفتاح لفهم آليات واشتغال هذا الخطاب:

1) ثنائية الداخل والخارج.. وتقوم على اساس التساؤل:

هل الاصلاح داخلي ام خارجي؟ … ويبسط الخطاب السياسي الرسمي هذه المقولة ويختزلها الى نتيجة محزنة ومحبطة بذات الوقت (ان الضغوطات الخارجية تمنع تحقيق الاصلاح الداخلي او انجازه) وبهذه الطريقة تستثمر الانظمة هذه الذريعة في تعثر بعض الاصلاحات الشكلية التي تلجأ اليها هذه الانظمة.. كنتيجة ضغوط خارجية حقيقية .

2) ثنائية الاستقرار والتغيير:

هي ثنائية عويصة.. تتجلى في المجال التداولي للانظمة السياسية التي تقرن (الاستقلال) بثبات الجوقة السياسية نفسها لعقود طويلة في سدة الحكم... ويحمل هذا المعنى.. انطباعاً سكونياً للاستقرار.. اي انه سكون تام للحياة السياسية والاجتماعية والاعلامية يحقق لها على الدوام مصالحها ومنافعها التي ترتبط باستمرار بوجوده على هذه الدفة السلطوية، وهنا يحصل التقارب ما بين (الاستقرار) و (الاستبداد)، بينما المعنى الحقيقي للاستقرار.. الذي تقتضيه مسيرة التحول الديمقراطي العادلة.. والشرعية.. هو (قدرة المؤسسات السياسية والقانونية على القيام بعملها على رغم تبدل الاشخاص القائمين عليها سواءً نتيجة وفاة طبيعية او نتيجة اغتيال سياسي او في اطار الكوارث الطبيعية). وهنا لاينجز الاستقرار وفق هذا المفهوم في ظل سيطرة شخصية دكتاتورية مطلقة.. وانما يتم في ظل حراك اداري وسياسي دائم يسعى لانضاج التجربة المؤسساتية الديمقراطية..ومن هنا تبدو ذرائع السلطات الاستبدادية عادة بتاجيل الملفات الساخنة بحجة ضمان الاستقرار هو تماماً كتأجيل البحث في السبب الحقيقي للوفاة والتلهي في اكتشاف الاعراض والمسببات الثانوية.

3) جدلية الصراع العربي- الاسرائيلي:

تتركز هذه الاشكالية في (لا جدوى الاصلاح) مادام هناك احتلال في الاراضي العربية فلا مكان ولا وقت للاصلاح اذاً.. وفي ضوء هذه الاشكالية.. كيف يمكن ان تتصور قيام هذه السلطات بالاصلاح المرجو والمطلوب.. فالديمقراطية على الرغم من كونها النظام السياسي الاكثر قدرة على التكيف مع النزاعات والاختلافات وعلى الرغم من انها الاكثر شعبية للكثير من الشرائح الاجتماعية الا ان الوصول اليها في عالمنا العربي ليس بهذه السهولة ومسارها يكاد يكون عصياً.. ويعود ذلك الى الاسس البنيوية لتركيبة النظام السياسي العربي.. وما تفرزه من ازمات متكررة في شكل حروب اهلية وطائفية.. وتزايد الفجوة بين الدولة والمجتمع واختزالها الى نظام سلطوي لا شرعي.. يبني وجوده واستمراريته من خلال منظومة العنف والامن.

خطاب منظمات المجتمع المدني

وهو خطاب الترجي والتوسل وليس خطاب الندية والمنافسة للسلطة.. وذلك لغياب المناخ الاجتماعي والسياسي في البيئة العربية لولادة نموذج المجتمع المدني.. الحقيقي..والمتأصل.. مقارنة بالمجتمعات الحديثة.. التي يشكل فيها المجتمع المدني سلطة حقيقية في القرار السياسي والاجتماعي والاخلاقي.

ان التحول في بنية ووظيفة النخب السياسية والثقافية والاجتماعية المكونة لهذا المجتمــــــع من دور السلبية والمطالبة الى دور الشــــــراكة الفاعلـــة والحقيقيـة في ادارة السلطة والمجتمع هو المفتاح الرئيس لعمليــــــــة التحول الديمقـــراطي.

ان ضعف بنية المجتمع المدني العربي.. في ضوء التجربة التأريخية واختزال صورة هذا المجتمع الى جماعات ايديولوجية متخاصمة مع بعضها ومتحاربة في خنادق مختلفة.. هو الذي منح الفرصة التاريخية لطبقة العسكرتاريا العربية في السيطرة على مقاليد الحكم والحياة السياسية.. وعجزها الكامل عن بناء دولة مؤسساتية. وانما نجحت في تقوية سلطاتها التسلطية ذات القدرات الخارقة على قمع المواطنين واحتجاز حرياتهم.

الاصلاح العربي النموذج

تواجه المجتمعات العربية في تطلعها نحو الاصلاح السياسي (اشكالية النموذج) خصوصاً النموذج الامريكي باعتباره الامثل لما يجب ان تكون عليه عملية الاصلاح السياسي وهذه الاشكالية نابعة من امرين:

1) يتعلق بمدى جدارة هذا النموذج بالاتباع وهل يجب الاخذ به كما هو ام بعد عملية تكييف تراعي خصوصيات المجتمعات المحلية.

2) الارث السلبي لمصطلح الخصوصية العربية الذي بات يحمل صفة هروبية من متطلبات الاصلاح.. وبالذات من التحول الديمقراطي والليبرالي..العالم يعيش فترة التحول من نمط المجتمع الصناعي الى مجتمع المعلومات العالمي والذي يصبح فيه الانسان وقدراته الابداعية المصدر الرئيس لانتاج الثروة بكل ما تعنيه هذه الكلمة (من ديمقراطية تداول المعلومات).

الشبهات التي تحيط بهذا النموذج الامريكي المطروح للخيار الديمقراطي. يمكن تلخيصها بانه نموذج امبراطوري يسعى الى السيطرة على العالم سياسياً واقتصادياً.. وثانياً يريد الامريكان فرض هذا النموذج على العالم كاطار لايديولوجية العولمة. والتي تعادل المشروع الامبراطوري الامريكي.

ناهيك عن اخفاقات هذا المشروع في الولايات المتحدة.. من خلال انتهاكات حقوق الانسان واشكال التمييز العنصري وعلاقات امريكا المتواطئة بانظمة التسلط العربية تاريخياً.. وتاريخ علاقتها مع اسرائيل.

لم تكن الديمقراطية الامريكية قبل ايلول مثالية، بل كان فيها قدر من التزييف ليس فقط ضد الاقليات والجماعات العرقية والاقليات الوافدة داخل الولايات المتحدة بل كانت ايضاً ديمقراطية الذين يملكون ويسيطرون سياسياً واعلانياً ومن هنا ليس صدفة ان النظام السياسي الامريكي قائم عملياً على اساس الحزبين الرئيسين الجمهوري والديمقراطي فيما يجري تهميش عشرات الاحزاب والقوى والتجمعات الشعبية التي لاتتوافر لها امكانات منافسة متكافئة مع مرشحي الحزبين المدعومين من اصحاب رؤوس الاموال الكبيرة والشركات العملاقة. تراجعت بعض الدوائر الفاعلة سياسياً في الولايات المتحدة عن مطالبها الجدية في التحول الديمقراطي وفرضه من الخارج على بعض الانظمة الفاشية في عالمنا العربي.. والتي فشلت في حل قضاياها الداخلية ومن ثم فرخت جماعات ارهابية..كما يرى باحثون امريكيون في مؤسسة (راند) المعروفة ان الموقف الامريكي من دعم التحول الديمقراطي في الدول العربية يحكمه عامل المصلحة الامريكية على المدى البعيد والقريب.. ففي المدى الطويل يرتبط التحول الديمقراطي بمصلحة امريكية استراتيجية لانه يحقق الاستقرار ويحد من الصراعات لان المجتمعات الديمقراطية اقل تورطاً في الصراعات والنزاعات من الدول الاستبدادية.

وفي المدى القصير فان التحول الديمقراطي يضر بالمصالح الامريكية ولربما يشحذ مشاعر العداء ازاءها وقد يفسح المجال لوصول جماعات معادية تاريخيا للمصالح الامريكية..

3) الحكم عن طريق الانتخابات وهو احد مظاهر التحول الديمقراطي الذي شهدته بعض الانظمة العربية كصعود حماس في فلسطين والاحزاب الاسلامية التقليدية في العراق والاخوان المسلمين في المجلس النيابي في مصر.

ولربما يهدد ذلك استراتيجية الامن الامريكي وعلاقتها المصيرية باسرائيل، خلاصة القول نحن ازاء اشكاليتين جديرتين.

بالتامل والتحليل.. هي اشكالية الخطاب الذي يعتمد محاور ثلاثة بارزة كما هو واضح.. واشكالية النموذج الامريكي.. الاقرب للتماس والفاعلية... مع مجتمعاتنا العربية.

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر:الإسلام و الديمقراطية-العدد17