الحالة الراكدة للنظم السياسية العربية

 

د. عبدالله جمعة الحاج

 

 

عند محاولة تشخيص وفهم نظم الحكم العربية ومعرفة خصائصها وموقعها ومتغيرات هذا العالم، فإن المرء يواجه بصعوبات عدة بسبب أن تلك النظم غير متجانسة في أي شيء، ولكل منها طبيعته الخاصة والأسس التي نشأ عليها ومسارات التنمية الاقتصادية والاجتماعية وربما السياسية التي ينتهجها، وطبيعة علاقاتها الخاصة بالقوى الخارجية سواء كانت عظمى أو كبرى أو إقليمية.

لذلك فإن نظم الحكم العربية، لا زالت ذات مفاهيم محيرة، فرغم استعمال تلك المفاهيم بحرية تامة من قبل دارسي علم السياسة المتخصصين في البلاد العربية، فإنهم يختلفون حول أهميتها وأهم خصائصها في انطباعاتهم الشخصية حولها وتعليقاتهم السياسية فيما يخص بناها ومسيرتها ومخرجات السياسات التي تتبعها.

ورغم أن لبنى أنظمة الحكم العربية جذوراً عميقة في أحقاب ما قبل مراحل الاستعمار الغربي للمنطقة وخلال الهيمنة الاستعمارية عليها، ورغم أن مؤسسات تلك النظم المركزية كانت موضوعاً للتضارب والخلاف خلال فترة مرحلة التخلص من الاستعمار، فإن دارسي علم السياسة المهتمين بشؤون البلاد العربية، وجهوا القليل من الانتباه في السنوات الأولى من الاستقلال لمكونات تلك النظم وتركيباتها العضوية.

وبالفعل فإنه خلال عقد ستينيات القرن العشرين، تم غض النظر عن العديد من نظم الحكم العربية، وأُخذت على علاتها كأمر واقع يصعب تغيره أو تحليله أو تغييره، وتم فهم تلك النظم على أنها مجال للاستغلال والخصوصية الإقليمية وبناء الكيان السياسي المستقل.

وبرز خلط كبير بين مفاهيم السلطة والتسلط وبين شخص رأس هرم السلطة ومؤسسات النظام الرسمية، ولم يتم النظر إلى النظام القائم على أنه منظومة من المؤسسات المتداخلة التي تحظى بحياة خاصة بها.

وفي هذا السياق، تم النظر إلى عناصر فاعلة ضمن النظم السياسية كالأيديولوجيات والأحزاب السياسية ومؤسسات الخدمة الاجتماعية بشكل مستقل عن بعضها بعضاً، وبذل جهد بسيط لفهم النظام السياسي كمشارك مهم في أمور الشأن العام ولطبيعة ممارسته للسلطة السياسية.

وفي واقع الأمر نلاحظ وجود لبس شديد، يخيم على فهم الناس لطبيعة ممارسة نظم الحكم العربية للسلطة السياسية، فقد غاب عن أذهان الكثير من النظم السياسية العربية أن عملية التفويض بالسلطة في أساسها، جاءت نتيجة لخوف الإنسان وبحثه عن الأمن بحيث برزت مجموعة من البشر لديها القوة التي تستطيع باستعمالها أن تحقق الأمن المنشود نظير وجوب طاعتها.

ومنذ ذلك الوقت برزت ظاهرة النظام السياسي الخطيرة والأساسية في حياة المجتمعات الإنسانية ومع تطور مفهوم السلطة السياسية، فإن سلطة النظام السياسي الحاكم، صارت تعلو فوق كل سلطة أخرى بداخله، والسلطة السياسية هي حجر الأساس بالنسبة للنظام السياسي، وما يوجد فيه من مؤسسات، وبغير السلطة السياسية لا يوجد النظام السياسي ولا الحياة السياسية.

ونتيجة لذلك، فإن من الصحة بمكان القول إن الحياة السياسية كلها تتمركز حول ذلك المركب من العناصر المادية والمعنوية الذي يسمى بالسلطة.

المشكلة السياسية التي تواجهها نظم الحكم في البلاد العربية، تأتي من كونها لم تستطع، حتى الآن، أن توجد نوعاً من التوافق المعقول بين السلطة والحرية، فإيجاد هذا التوافق يتوقف عليه القدر من رضا الأفراد عن الحكومات القائمة، مما يسهم في إضفاء الشرعية عليه، ويؤدي بدوره إلى بقاء واستمرار النظام الحاكم.

لذلك فإن من واجب النظام السياسي أن يبحث عن السبل التي يستطيع عن طريقها تأمين القدر المعقول من الحرية في سبيل ضمان مصالح الأفراد وإقامة حكومة حازمة تتمتع بسلطة قوية.

ولكي يستقر النظام السياسي، فإن من واجبه أن يتجنب التصادم مع الأفراد ويرى علماء السياسة أنه توجد الكثير من الوسائل للجمع بين السلطة والحرية في داخل النظام السياسي، إلا أنه كثيراً ما أُسيء استخدام تلك الوسائل، مما نتج عنه ما يُشاهد الآن من فوضى واستبداد ومصادرة للحريات، مما قاد في نهاية المطاف إلى تبلد الحكومات والتذمر والثورة وعدم الاستقرار.

لذلك فإن العديد من نظم الحكم العربية، أصبحت تواجه معضلات حقيقية تهدد وجودها واستمراريتها وأصبحت السياسات المنتهجة من قبلها لا تخدم المصالح العليا لأوطانها وشعوبها ولا تساعدها على مواجهة تحديات العصر، التي تحيط بها، ويبدو أن شأن هذه النظم لن يصلح طالما بقيت متباعدة عن شعوبها، وما لم تعد النظر في التعامل مع قضايا أوطانها بشكل شمولي، وأهم هذه القضايا المواطنة والمشاركة السياسية وحقوق الإنسان.

إن هناك بوناً شاسعاً بين مفاهيم النظم السياسية العصرية، التي تقوم على وجود مؤسسات فاعلة ولها قيمتها التي تمثل مداخل للبدء ومعالم للانطلاق وبين ما يتواجد الآن في العديد من البلاد العربية.

لذلك فلابد من وجود مشروع حضاري لهذه النظم يساعدها على النهضة من كبوتها، ولن يصلح شأنها ما لم تسعَ إلى تحقيق المصالح المشتركة بين شعوبها وبينها، وتلك المصالح يجب أن تشمل الأبعاد السياسية والاقتصادية والاجتماعية والفكرية، وأن تقوم على مبادئ وأسس واضحة يشارك المواطنون في إرسائها.

إن شأن هذه النظم لن يصلح إلا عن طريق احترام الإنسان، المنبثق من الاعتماد على موروثنا الثقافي وميثاق حقوق الإنسان واحترام عقل الإنسان وسلامته وكرامته وذاته حقاً وحقيقة.

و كل ذلك بحسب رأي الماتب في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر:الإتحاد الإماراتية-23-6-2007