عقبات عربية في طريق الانتقال نحو الديموقراطية

 

جميل مطر

 

كانت تجارب أميركا اللاتينية بالنسبة الينا دائما مثيرة، فقد أخذ عنها بعض العرب تجربة الانقلابات العسكرية كأسلوب أسرع لتداول السلطة.

وعلى أيديهم أظن أننا تعلمنا أصول التنمية الاقتصادية الموجهة وانبهر بعضنا لبعض الوقت بمدرسة التبعية الشهيرة التي ابتدعها اقتصاديون من أميركا اللاتينية وسار على نهجها الكثير من المفكرين الاقتصاديين في العالم النامي.

وفي مرحلة من المراحل كانت أميركا اللاتينية مصدر إلهام للثوريين العرب.

حدث هذا عندما كان ارنستو (تشي) غيفارا بطلاً وأسطورة ونموذجاً لملايين الشباب في أنحاء العالم كافة، وكان نظام فيديل كاسترو يجسد معنى تحدي «الدولة الصغيرة جدا» للدولة العملاقة التي لا تبعد عنها سوى الأميال المعدودة.

ثم جاءت تجربة الإصلاح الاقتصادي على نمط ميلتون فريدمان، ووقعت في أميركا اللاتينية بسببها كارثة بعد أخرى، كان آخرها الانهيار الاقتصادي في الأرجنتين في عام 2000 ومن قبله سقوط اقتصاد المكسيك والبرازيل، وكلها تجارب دفعت حكومات عربية وبخاصة حكومة مصر إلى التردد بعض الوقت وإبطاء عمليات إعادة هيكلة اقتصادات دولها وبيع القطاع العام، وتوترت علاقات بعضها بالمؤسسات الاقتصادية الدولية التي كانت تمارس أقصى الضغوط لفرض سياسات اقتصادية بعينها رغم الفشل المريع الذي حققته هذه السياسات في عدد من دول أميركا اللاتينية.

هكذا كان لأميركا اللاتينية دائما السبق على المنطقة العربية، حتى أنها سبقت أيضاً في تجربة الإصلاح السياسي التي بدأتها في الثمانينات من القرن الماضي.

ويستخدم المفكرون في أميركا اللاتينية تواضعاً تعبير الانتقال إلى الديموقراطية ويفضلونه على تعبير الإصلاح السياسي أو الإصلاح الديموقراطي.

وكانت لنا فرصة التعرف إلى هذه التجربة عن قرب حين اجتمع عدد صغير من الأميركيين اللاتينيين مع عدد صغير من العرب ليستمع كل طرف إلى تجربة الطرف الآخر. وأظن أنه عند نهاية اللقاء، كانت تكونت حصيلة من المعلومات ولا أقول الدروس، التي تستحق الدراسة بتعمق من جانب المسؤولين في الحكومات العربية وفي الأحزاب السياسية والتيارات الدينية ومنظمات المجتمع المدني وحركات حقوق الإنسان وقادة المؤسسات العسكرية وغيرهم.

أستطيع أن أقول إجمالاً إن الصورة عن حال الانتقال نحو الديموقراطية في أميركا اللاتينية ظهرت عموماً متفائلة، على عكس الصورة التي خرج بها الأميركيون اللاتينيون بعد أن استمعوا إلى تعقيبات ومداخلات المشاركين من المنطقة العربية، وبينهم مسؤولون إصلاحيون، إذ جاءت غير بهيجة في جوانب وقاتمة في جوانب أخرى.

وكانت في أكثر من جانب صادمة لبعض الحاضرين من الذين لم يعرفوا الشيء الكثير عن السياسة في العالم العربي وبخاصة حدود اختلاطها بالدين والعسكر ومدى انكشافها على فرص الاختراق الدولي كافة ومصادره.

كان واضحاً شغف الحاضرين من الأجانب بأوجه الاختلاف بين التجربة في أميركا اللاتينية ومشاريع التجارب العربية.

لم يتحمسوا كثيراً لأوجه التشابه وكان شعوراً طبيعياً، فالناس لا يهتمون بالعادي والمألوف والمتكرر قدر اهتمامهم بالمختلف والاستثنائي والمحلي. أضف إلى هذا أن للعرب كما للشرق عموما، سمعة تثير الخيال والفضول، وأن عرب هذه الأيام، أكثر من عرب القرن الماضي والقرن الذي قبله، استطاعوا عن أكثر من طريق، التأثير في الغرب. تشابهت الثقافتان مثلاً في إعجاب نسبة معتبرة من الجماهير بالفرد القائد والزعيم المخلص ولديها حنين مشترك وشبه دائم للسلطة القوية، وعندنا كما عندهم قطاعات من الشعوب لم تصعد بعد إلى سفوح العصر الحديث. هؤلاء محرومون من مزايا كثيرة ويحافظون على تقاليد وموروثات اندثرت في مواقع أخرى، ولهم ثقافة، أي أفكار وممارسات، تختلف عن ثقافة غالبية السكان، وتختلف بالتأكيد عن ثقافة النخب الحاكمة والمثقفة ثقافة غربية وعصرية.

نحن في العالم العربي لا نعترف بوجود هؤلاء «السكان الأصليين». وهو ما كانت تفعله الطبقة السياسية في أميركا اللاتينية على امتداد القرنين الماضيين أي منذ الاستقلال.

وقيل للضيوف إن تجربتنا في الإصلاح السياسي رغم أوجه التشابه لم تحقق النتائج التي حققتها تجربتهم في أميركا اللاتينية لأن منطقتنا بظروفها وظروف دولية تختلف عن أميركا اللاتينية في ستة أمور أساسية:

أولا: النفط عندنا أكثر واحتياطه أكبر وعابر للحدود بكثافة ومسؤول مسؤولية مباشرة عن إضفاء خصوصية على المنطقة العربية حين:

1- جعل الشرق الأوسط ساحة لأطول صراع دولي في التاريخ المعاصر.

2- فرض علينا أن نكون أهم للولايات المتحدة من أميركا اللاتينية رغم بعدنا الجغرافي وبالتالي أصبحنا نتحمل مشكلات جوار مع أميركا ونحن لسنا جيرانا لها.

3- ساهم، عن غير قصد، في دعم عدوانية إسرائيل حين ربطت أميركا بين أهمية اعتمادها على نفطنا وعلى إسرائيل في آن واحد.

4- ساهمت عائداته الهائلة في تمويل بعض أنشطة التيارات المتطرفة دينياً أو مذهبياً. من بين هذه الأنشطة ما تبدل بين دعم حكومات تسلطية والانقلاب عليها مساهما بذلك في تعقيد عملية الانتقال إلى الديموقراطية.

5- ساعدت عائداته في إنشاء شبكات المجتمعات الأهلية والحكومية التي شجعت بدورها حكومات المنطقة على التخلص من بعض مسؤولياتها الاجتماعية والاقتصادية، الأمر الذي تسبب في مشكلات معقدة من دون أن يقيم مجتمعاً مدنياً قوياً.

ثانيا: ما زالت المنطقة العربية ساحة من أهم ساحات الحرب ضد الإرهاب على عكس أميركا اللاتينية التي تكاد حتى الآن على الأقل لا تحس بهذه الحرب.

وبات واضحاً أن هذه الحرب، تحت مسمياتها المختلفة، تقف عائقاً ضد فرص استئناف مسيرة الانتقال نحو الديموقراطية.

لقد قرر أصحابها، أي القوى التي أشعلتها وتستفيد منها، أنها ستكون حرباً طويلة طويلة طويلة، أي حرباً لانهائية.

ولذلك لا يتصور أحد إمكان أن تنهض عملية إصلاحية جادة في ظل اقتناع حكومي أو شعبي بأن هناك حرباً «عالمية» وساحتها الأساسية الشرق الأوسط.

إن هذه الحرب، مثل كل الحروب، لا بد أن تفرض إصدار تشريعات وممارسة إجراءات وسلوكيات غير ديموقراطية.

ثم لا ننسى انه في ظل هذه الحرب العالمية ضد الإرهاب لن يطمئن المواطنون على حرياتهم وحقوقهم، وبخاصة بعد أن تأكد أن عدد ضحايا الحرب ضد الإرهاب من الأبرياء يتجاوز عدد ضحاياها من «الإرهابيين».

ثالثا: أقامت الطبقات السياسية في العالم العربي أحزاباً سياسية لا مثيل لها في أميركا اللاتينية باستثناء كوبا، فهي أحزاب جامعة شاملة الخارج عليها متهم بالخيانة أو مشبوه أمنياً، وفي مقابلها تقيم التيارات الدينية أحزاباً مشابهة الخارج عليها متهم بأنه لا يعرف مصلحة دينه وعقابه في النهاية سيكون أشد من العقاب الذي يتلقاه الخارج على الأحزاب الحكومية.

من الطبيعي، والأمر على هذا النحو في معظم الدول العربية التي جربت حقاً أو باطلاً الدخول في عملية الانتقال نحو الديموقراطية، أن الفرد العادي سيكون فعلياً خارج السياسة إن هو قرر البقاء خارج دائرة التحزب للدين أو الدولة وبخاصة أنه لا ثالث بينهما، على الأقل حتى الآن.

رابعا: التوترات الدينية والعرقية والمذهبية والطائفية ظاهرة عالمية، زادت وضوحاً وحدة بالعولمة، ولكنها أكثر بروزاً في المنطقة العربية لأسباب تاريخية ودينية وجغرافية معروفة.

فالمنطقة التي نعيش فيها منشأ عقائد ومهد الأديان وممر دائم لهجرات متنوعة الأعراق. أضف إلى هذه الأسباب المعروفة ظاهرة الاحتباس الحراري المسؤولة مع أسباب أخرى عن توترات في خطوط التماس العربية الأفريقية وبخاصة في إقليم دارفور.

خامسا: لم تتأثر التطورات السياسية في أميركا اللاتينية مثلما تأثرت تطورات السياسة في العالم العربي بزوبعة صدام الحضارات. فالأطروحة اختارت الثقافة الإسلامية كمصدر تهديد للحضارة الغربية.

وما زالت المنطقة العربية تعاني من الضغوط الغربية ومن الحملات «الثقافية» والسياسية الغربية التي تستهلك طاقة فكرية وسياسية هائلة وتعطل الإصلاحيين الحقيقيين في العالم العربي.

لقد استخدمت تيارات عربية هذا الصدام لتؤكد وتثبت اقتناعها بأن الهدف من الحرب ضد الإرهاب ومن قضية صدام الحضارات هو الإسلام كدين وعقيدة.

وكانت نتيجة بث هذه الاقتناعات أن انصرف قطاع مهم من أنصار الإصلاح ودعائمه عن الاهتمام بالديموقراطية إلى الاهتمام بحماية العقيدة والحضارة والتراث، وجميعها بدت مهددة، ووجدها أنصار الوضع القائم ومعارضو الإصلاح فرصة لتعميق الانصراف عن الديموقراطية، فدخلوا بحماسة في السجال حول صدام الحضارات.

سادسا: نعرف انه لم يحدث أن تعرضت أميركا اللاتينية إلى عملية إثارة «فوضى خلاقة» كتلك التي تتعرض لها المنطقة العربية.

واتضح أن المفكرين في أميركا اللاتينية ليسوا على وعي كاف بمبادرة الفوضى الخلاقة التي أطلقها بعض أفراد المحافظين الجدد في أميركا قبل أن تتبناها وزارة الدفاع الأميركية ثم بقية أجهزة صنع السياسة الخارجية.

وكان مذهلاً في أحيان كثيرة أن تتلازم الدعوة الأميركية إلى الديموقراطية مع الدعوة إلى تنفيذ فوضى خلاقة.

ومع ذلك، ورغم أن الفكرة كانت غريبة على الإصلاحيين من أميركا اللاتينية، إلا أن تجربة العراق كانت كافية ليقتنعوا بحجم التخريب الذي أصاب التجربة الإصلاحية الغربية، وقد يبقى معنا لسنوات طويلة مقبلة.

عرفوا أن التدخل في العراق، على هذا النحو وبهذه القسوة وبهذا الترتيب والإعداد المسبق، ونتائجه الكارثية بكل معنى الكلمة، أثار في الرأي العام العربي عدداً من الظنون، ربما تحولت إلى اقتناعات منها:

1- أن أميركا بصدد تغيير منظومة القيم العربية - الإسلامية وأنها في سبيل تنفيذ ذلك مستعدة إلى أن تلجأ للحرب لصنع حال فوضى خلاقة، إذا لم تتحقق الفوضى من خلال الحصار الاقتصادي والعزل السياسي.

2- إذا كانت الديموقراطية لا تأتي إلا بتكرار ما حدث في العراق فلا يوجد شعب في المنطقة مستعد لها. ولا شك أن هذا الانطباع استخدمته حكومات في المنطقة لتباعد بين الشعوب وأمل الديموقراطية.

3- إن الانتقال إلى الديموقراطية، على النمط العراقي، يؤدي إلى الفتنة وربما إلى حرب أهلية، وبالتالي لا حاجة لأن نتحمس كشعوب وقيادات لعملية انتقال نحو الديموقراطية.

تلك كانت أهم ملامح اللوحة التي رسمها مفكرون من العرب خلال الشرح الذي قاموا به لعمليات الانتقال إلى الديموقراطية في المنطقة العربية، وأسباب تعثرها. لم تكن اللوحة بهيجة، ولكن ضرورية لتنشيط أفكار دعاة الإصلاح السياسي، فبالتغيير ستسقط كل الذرائع والأسباب التي تقف حائلاً بيننا وبين الخروج إلى الدنيا.

* كاتب مصري

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر:الحياة اللندنية-18-6-2007