الديمقراطية في العالم العربي .. إلى أيـن ؟

 

صلاح الدين الجورشي

 

 

عندما يُـلـقي المراقبون أو الفاعلون السياسيون نظرة من فوق على العالم العربي، قد يتملكهم إحساس بالتشاؤم وشك في إمكانية أن تنتصر الديمقراطية في أرض العرب.

لكن مع الاقتراب من تفاصيل المشهد، يتغير الانطباع قليلا، حيث تبدو المنطقة تعجّ بالحراك هنا وهناك بشكل يُـوحي بأن التحول الديمقراطي قد بدأ فعلا وإن كان لا يزال بطيئا وفي مرحلته الجنينية.

على الرغم من أن النضال في سبيل الإصلاح السياسي تمتـد جذوره في العالم العربي إلى أكثر من قرن ونصف، إلا أنه اكتسب في الفترة الأخيرة بُـعدا مختلفا بسبب حالة التجاذب التي فرضتها التطورات الدولية الأخيرة بين الداخل والخارج.

وبالرغم من أن حديث الحكومات الغربية، وفي مقدمتها الولايات المتحدة، عن دمقرطة المنطقة لا يزال مجرد شعار لا أثر له على مستوى رسم السياسات وتغيير واقع العلاقات مع أنظمة الحكم في المنطقة، باستثناء حالات قليلة ولاعتبارات استراتيجية مختلفة ومثيرة للشكوك، فإن هناك - على صعيد مواز - عديد المبادرات التي تبلورت في الفترة الأخيرة أو لا تزال في حالة مخاض تقف وراءها منظمات وهيئات غير حكومية محلية أو غير عربية، يعلن أصحابها بأنهم يهدفون إلى التغيير من تحت دون تهديد مبدإ السيادة، وإن تقاطعت هذه المبادرات أحيانا مع جوانب من الأجندة الدولية المطروحة على المنطقة.

في هذه الورقة، رصد لبعض هذه المبادرات وتعريف بها وتساؤلات حول طبيعتها، ومدى قدرتها على البقاء وتحقيق الأهداف التي أنشأت من أجلها؟

الوثائق المرجعية

على الصعيد النظري، يمكن القول أن المجتمع المدني العربي أصبح يملك مجموعة من الوثائق المرجعية التي صاغتها فعالياته (بكل ما فيها من تنوع واختلاف) بكامل الاستقلالية، ولم تُـصـدّر له من خارج الحدود.

ومن هذه الوثائق نشير إلى "إعلان صنعاء حول الديمقراطية وحقوق الإنسان - يناير 2004"، و"وثيقة الإسكندرية - مارس 2004"، و "الاستقلال الثاني: نحو مبادرة للإصلاح السياسي في الدول العربية - بيروت في مارس 2004"، و"إعلان الربـــاط: نحو شراكـــة متكافئـــة من أجــل الديمقراطيــة - ديسمبر 2004"، وخاصـــة "وثيقة استراتيجيات مساهمة المجتمع المدني في التحول الديمقراطي في البلدان العربية المعروفة باسم وثيقة الدوحة - يناير 2005".

أما على الصعيد العملي، فقد برزت على السطح في معظم البلاد العربية منذ أوائل الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي، بنية تحتية هامة من المنظمات غير الحكومية التي يتمتع بعضها بمصداقية عالية. هذه البنية لا تزال تتعزز بشكل مستمر بعدد متزايد من المنظمات والمراكز والشبكات الجديدة.

وكل ذلك قد شكل رصيدا هاما من العلاقات والخبرات المتفاوتة التي تنتظر تشكيلها في إطار تحالفات وكتل اجتماعية فاعلة، قد تكون نواة مركزية في مشاريع التحول الديمقراطي المنشود على الصعيدين، المحلي والإقليمي.

نكتفي في هذا السياق بذكر ثلاث مبادرات: بدأت الأولى تشق طريقها منذ شهر ديسمبر 2004، بينما لا تزال الثانية والثالثة في مرحلة المخاض.

الحوار من أجل المستقبل

ومن نتائج المشاورات التي جرت بين الدول الكبرى الثمانية في العالم، قيام ما سمي بـ "الحوار من أجل المستقبل" من خلال وضع "برنامج حوار دعم الديمقراطية" المعروف اختصارا بـ (DAD)  وهو برنامج تعهدت ثلاث حكومات هي إيطاليا وتركيا واليمن بتنفيذه ومتابعته.

وقد دخلت هذه الحكومات في مشاورات للشراكة مع ثلاث منظمات غير حكومية محلية معروفة بمصداقيتها.

وفي هذا السياق، تم خلال الأشهر الماضية مناقشة عديد القضايا الهامة، كان آخرها المؤتمر الإقليمي الذي عقد بصنعاء من 19 إلى 20 سبتمبر 2005، وخصص لمناقشة موضوع "التحولات الديمقراطية، ودور المجتمع المدني".

وقد أشرف على إدارة هذا المؤتمر الذي شكّـل حدثا هاما في اليمن العشرات من المنظمات والجمعيات المحلية والعربية "مركز المعلومات والتأهيل لحقوق الإنسان".

وقد شكل التنسيق بين هذا المركز ومنظمة "لا سلام بدون عدل" الإيطالية، و"المؤسسة التركية للدراسات الاقتصادية والاجتماعية" في تركيا صيغة من "التحالف" بين عديد المنظمات العربية، بما في ذلك بعض الجمعيات التي سبق وأن قاطعت الاجتماع الموازي لمنتدى المستقبل الذي عقد بالمغرب خلال العام الماضي.

شركاء من أجل الديمقراطية

أما المبادرة الثانية فهي بصدد التشكل، ويتولاها "مركز الإسلام والديمقراطية" الذي يوجد مقره في واشنطن.

فبعد تنظيم عديد المؤتمرات في الكثير من البلدان العربية، نجح المركز في بناء علاقات واسعة مع شخصيات ذات توجهات فكرية وسياسية مختلفة، ويطمح حاليا في الارتقاء بتلك العلاقات من مستوى اللقاءات الظرفية ضمن ندوات فكريـــة تحـــاول أن تقلــل من الفجــوة القائمـــة بين الإسـلامييـــن و"العلمانيين"، إلى مرحلة بناء علاقات أوثق بين الطرفين.

ولتحقيق ذلك، دعا المركز مجموعة من الشخصيات، اجتمعت مؤخرا في العاصمة الأردنية عمان، وقررت بعد نقاش مستفيض تأسيس شبكة تحمل اسم "شبكــة الديمقراطيين العرب".

وأعدت لذلك مشروع ميثاق وخطة عمل أولية ستتولى عرضهما على شبه مؤتمر تأسيسي للشبكة يتوج بالإعلان عنها رسميا، وتحضره حوالي ستون شخصية خلال شهر ديسمبر القادم.

ويأمل أصحاب المبادرة في توسيع دائرة العضوية لتشمل حوالي ألف شخص، مع احتمال فتح المجال أمام عضوية الجمعيات.

وستتميز هذه الشبكة عن بقية المبادرات بتركيزها على تشجيع أصحاب التوجهات الإسلامية على القيام بمبادرات مشتركة مع خصوم الأمس بهدف المساهمة في تحقيق تحول ديمقراطي عربي حقيقي وفاعل، بعيدا عن الانغلاق الفكري ولغة التهديد السياسي.

وسوف تسهم مؤسسة "شركاء من أجل التغيير الديمقراطي" في تنمية قدرات أعضاء الشبكة من خلال تنظيم دورات تدريب عالية في مجالات عديدة مثل "بناء الشبكات، والمفاوضات، والتحالفات وقدرات التخطيط التعاوني للجمعيات الأهلية".

وقد أنشئت هذه المؤسسة عام 1989، ولها تجارب في أكثر من خمسين بلد.

المثال الثالث الذي نسوقه في هذا الإطار هو "مركز الشراكة العربي للديمقراطية: مركز الكواكبي"، الذي لا يزال يخطو خطواته الأولى، وهو يضم حوالي خمسين من الشخصيات العربية والدولية.

ويقول مؤسسوه، إن فكرة المركز نبعت من "وعيهم بحاجة المنطقة العربية لتوفير الخبرات في مجال التحولات الديمقراطية، وملاحظتهم وجود نقص حاد بالنسبة للقدرات البشرية والمؤسساتية القادرة على مصاحبة المراحل الانتقالية الصعبة".

وقد قبل مؤخرا الأمير الحسن بن طلال أن يكون رئيس مجلس التمكين لهذا المركز، ويولى مهمة التنسيق السيد محسن مرزوق (من تونس).

هذه بعض العيّـنات الدالة على وجود مساعي متعددة لإرساء شيء ملموس على الأرض، عساه أن يساهم في تحقيق التحول الديمقراطي السلمي.

الخروج من النفق

وإذا كانت القوى السياسية والأيديولوجية العربية في الستينات والسبعينات من القرن الماضي قد سعت للبحث عن سند سياسي وأيديولوجي، وحلفاء من خارج الحدود الضيقة لأوطانها، مثل الأمميات المتعاقبة، والهياكل العالمية التي كانت تطوف حول موسكو أو الصين، وكذلك الشأن بالنسبة لمنظومة الأحزاب الاشتراكية، فإن عديد القوى السياسية والمدنية ذات التوجه الديمقراطي هي حاليا بصدد التعرف على شبكات ومنظومات عالمية تعمل منذ عشرات السنين على دعم التحولات الديمقراطية.

فإلى جانب الفضاءات التي نشأت على هامش مسار برشلونة للشراكة الأوروبية المتوسطية، هناك "الحركة العالمية للديمقراطية" التي تضم ممثلين عن قرابة مائة دولة، أو "المنتدى العالمي للمنظمات غير الحكومية الموازي للمؤتمرات الحكومية لمجتمع الديمقراطية" الذي تنشطه العديد من دول الجنوب، مثل الشيلي والهند وبلغاريا.

في الوقت الراهن، يصعب الحكم على مستقبل كل هذه المبادرات.

فهل ستصمد أمام الصعوبات التي يشكو منها العالم العربي وعوائقه السياسية والفكرية؟ وهل ستنجح في أن تحمي نفسها من الهيمنة والتوظيف المتعدد الاتجاهات؟

إنها أسئلة ستُـجيب عنها الأشهر، وربما السنوات القادمة.

لكن المؤكد أن هذه المبادرات جزء من محاولات الخروج من النفق، وأن مصيرها سيكون مرتبطا حتما بمدى قدرة المنطقة على إنشاء حركات اجتماعية جديدة وبلورة تفاهمات فكرية ومقايضات سياسية تاريخية وجوهرية.

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر:سويس انفو