«ديموقراطية» بوتين!

 

جميل الذيابي

 

رئيس لم ينتظر شهادة من أحد. زعيم لم يفكر يوماً في شهادة شعب. رئيس يقول ما يقول وما على الشعوب إلا التصديق والتبجيل، وفقاً لما يصرح به.

زعيم يطل من نافذة الكرملين «التاريخية» ليقول إنه «الديموقراطي الوحيد في العالم».

كلام في اتجاه معاكس لما يُكتب في كتب العلم الحديث بأن المسافة بين الخيال والواقع كما المسافة بين القول والفعل، أو مثل المسافة بين الأسطورة والحقيقة.

ويقول علماء النفس إن على الإنسان أن يعالج نفسه من داء «الشوفينية» و «النرجسية»، كي لا ينغمس في حب الذات، ويصل إلى زهوة مدح القول وتأليه الفعل.

يرفض الرئيس فلاديمير بوتين «المسافة والباب والسور والحارس»، ليقدم المدائح في نفسه بالأقوال، متناسياً أفعال «الاستخبارات» الروسية التي شرب من كأسها سنين طويلة.

إن شهادات حسن السيرة والسلوك لا يمنحها الشخص لنفسه أياً كان موقعه في الهرم الوظيفي، وإنما تمنحها المؤسسات الرسمية أو الشعبية لمنسوبيها.

كما أن شهادات حسن استخدام السلطة وممارسة الديموقراطية ومكافحة الفساد وحماية النزاهة وترسيخ مبادئ العدالة تمنحها الأفعال الحقيقية، وتشهد بها الشعوب للقادة والمسؤولين، بناءً على معطيات ملموسة من خلال ترجمة وتفعيل القرارات بما يتناسب مع الواقع السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي داخل المجتمعات.

لكن يبقى السؤال: كيف تكون الحال عندما يأتي رئيس دولة كبرى ليمنح نفسه شهادة «براءة» وحسن سيرة وسلوك، ويفاخر بأنه «الديموقراطي الوحيد في العالم» من دون اكتراث بشهادة شعب أو رأي شعوب أخرى مجاورة أو بعيدة؟

عشية افتتاح قمة الدول الصناعية الثماني الكبرى في مدينة «هايليغندام» (شمال ألمانيا)، انتقد الرئيس بوتين ما يجري في العالم من تعذيب واعتقالات من دون محاكمات، والانتهاكات الأميركية في معتقل غوانتانامو، وما يجري من قمع للمتظاهرين في أوروبا باستخدام الرصاص المطاطي والغازات المسيلة للدموع، في إشارة إلى جرح ألف شخص على الأقل في التظاهرات الأخيرة المناهضة لقمة الثماني.

لم ينتظر الرئيس الأميركي جورج بوش أو «الديموقراطي» الآخر طويلاً ليرد على نظيره الروسي بطريقة أخرى في مقابلة مع صحيفة «غازيتا فيبورزا» الليبرالية البولندية، بقوله: «يؤكد لنا الرئيس بوتين أن الديموقراطية بخير في بلاده، لكننا نرى ذلك بطريقة مختلفة، وكذلك هي الحال في علاقات موسكو مع جيرانها» في إشارة إلى الخلاف الأخير بين روسيا وأستونيا.

هل ستصبح «ديموقراطية بوتين» رواية جديدة أم قصة أدبية قصيرة؟!

هل سيخرج الشعب الروسي إلى الشوارع متضامناً مع رئيسه «الديموقراطي»، رافعاً اللافتات ومردداً الشعارات والهتافات المؤيدة له: لتسقط «الديموقراطية الأميركية الزائفة»!؟

هل لنا أن نتخيل المسيرات الروسية تجوب شوارع موسكو، معبرة عن صدق أقوال وتصريحات بوتين، ليصبح أسطورة القرن الحادي والعشرين في زمن «العولمة» والانفلات السياسي والأمني، وصراع الفيلة الذي لن تنتج منه ديموقراطية حقيقية، لأن نصف قادة الغرب يُشْبِهون كل زعماء الشرق، والإنسان هو الإنسان شرقاً أم غرباً، جنوباً أم شمالاً.

يحسب للرئيس الروسي تحسن بلاده الاقتصادي، والاقتراب من تسديد ديونها، وربما يعود الفضل في ذلك إلى ارتفاع أسعار النفط، لكن سجله في حقوق الإنسان «ليس مشرفاً» كما يعتقد، إذ أن منظمة العفو الدولية انتقدت «ازدياد» الضغوط الروسية على المدافعين عن حقوق الإنسان والمعارضين لسياستها، لافتة إلى أن عمليات التعذيب والترهيب تواصلت في هذا البلد عام 2006 الذي شهد اغتيال الصحافية انا بوليتكوفسكايا.

كما أن التقارير «الحقوقية» تشير إلى أن «عمليات الإعدام بلا محاكمات والخطف والتعذيب والاعتقالات التعسفية تواصلت في منطقة شمال القوقاز، خصوصاً في الشيشان.

كل ما أخشاه أن يصدق بعض الزعماء العرب ما قاله بوتين عن نفسه، ويتأثروا بمسلكه «الاستخباراتي»، أقصد «الديموقراطي»، فتفتح السجون أبوابها من جديد لنبدأ عصراً جديداً كتب سيناريوهاته بوتين على اعتبار أن لا معتقلات علنية في بلاده ولا تعذيب في مراكز الشرطة، وإنما كل ما يقر ويفعل هو تحت عباءة الـ «كي جي بي».

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر:الحياة اللندنية-18-6-2007