الاندماج الحزبي لتفعيل العملية السياسية في العراق

 

عبد الرحمن عناد

 

شهد تاريخ العراق الحديث، منذ قيام دولته عام 1921 ، إنشاء وقيام العديد من الاحزاب ذات الاتجاهات السياسية المختلفة، وطنية وقومية ويسارية، التي تفاوتت مستويات نشاطاتها وقدراتها الفعلية على العمل بين الجماهير والبقاء لأطول فترة على الساحة السياسية ومن المعروف أن التأثير السياسي لاي حزب أو تنظيم يستمد في الاساس من وضوح أفكاره وواقعيتها وضرورتها أولاً، ومن قابليته على العمل بين الجماهير وكسبها ثانياً، وكان العمل الميداني اليومي مدعاة لردود افعال رسمية مضادة، تجلت في ملاحقة ومنع الكثير من هذه الاحزاب التي كانت تعود الى الساحة السياسية باسماء اخرى واهداف لاتختلف في جوهرها عن اهدافها الاصلية وبرامجها التي كانت تدعو اليها.

وفيما شهدت هذه الاحزاب انقسامات وانشقاقات داخلية وولادة احزاب جديدة من رحمها، فانها شهدت بالمقابل اندماج احزاب اخرى مع بعضها لضرورات موضوعية وذاتية، منها الرغبة في تحقيق إنجاز سياسي، أو توسيع القاعدة الجماهيرية، أو تقارب الاهداف والغايات فيما بينها، أو زيادة امكاناتها في مواجهة المستعمر والانظمة القمعية.

وقد توسعت حالة انشاء الاحزاب بعد سقوط النظام الديكتاتوري في 2003/4/9 بشكل غير مألوف، وظهرت عشرات الاحزاب والحركات والتنظيمات السياسية التي لم تصمد أمام امتحان الزمن الصعب والتحولات العميقة التي شهدها العراق، فاختفى البعض منها في الاشهر والسنوات اللاحقة، واندمج البعض الاخر مع غيره، فيما اكتفت البقية بادوار ضعيفة ووجود هامشي كشفت الانتخابات النيابية ـ كمثال ـ عن حقيقته، وبقيت في الساحة الاحزاب ذات التاريخ المشهود والوجود الجماهيري والمبادىء المعروفة.

وتكشف العملية السياسية الجارية منذ سنوات التي رافقتها الانتخابات النيابية والدستورية، فضلاً عما تقدم ذكره وجود حالة التشتت وتوزع الجهد التنظيمي والسياسي والاعلامي للعديد من هذه الاحزاب، ما أثر سلباً على العملية السياسية ذاتها، واسهم في انقسام الشارع المحلي، برغم ان الجميع يؤكد ان اهدافه هي تحقيق مصلحة الوطن والمواطن، مقدماً برامج سياسية واقتصادية واجتماعية جذابة، لم تجد طريقها للتطبيق، وتنظر الجماهير بألم الى هذه الحالة السلبية متمنية أن تكون قيادات هذه الاحزاب بمستوى مسؤولياتها التاريخية والوطنية والتزامها باهدافها، فتقوم بما يمليه عليها دورها الوطني، فتعمد الى التعاون فيما بينها والاندماج مع بعضها حين تجد في الاخر اكثر من علاقة مشتركة وبالذات في ما تتبناه من اهداف، خاصة وان اكثر من حالة مشابهة للاندماج قد حصلت قبل ثلاث سنوات بين احزاب قومية، اعقبها اندماج تنظيمات اخرى، كما في حالة حركة القوميين الديمقراطيين العرب، ومجلس الانقاذ الوطني، وحزب الاستقلال الوطني التي اندمجت في حزب واحد، مقدمة نموذجاً في القدرة على امكانية الاندماج مضحية لاجل تحقيق اهدافها وتعظيم قدراتها وتوحيد جهودها وطاقاتها، مسهمة بذلك في تقليل التشتت التنظيمي وتوسيع قاعدة حضورها على ارض الواقع، وتأمين المشاركة الضرورية في استحقاقات العملية السياسية وامكانات الاتفاق والحوار البناء، ان الاندماج هنا لايعني الذوبان التام وفقدان الهوية او التضحية ببعض الاهداف والعناوين او تغيير وسائل العمل، بل هو قرار ارادي يستند الى رغبة مشتركة ونيات جدية وادراك لضرورات الواقع ومتطلبات المرحلة وتجسيد لحب الوطن، ودليل مجسد على ساحة العمل السياسي أمام الجماهير يمكنها من الفوز والاختيار.

ومن غير شك، وهذا ماتؤكده تجارب عالمية كثيرة، ان العمل السياسي والبرلماني، الذي تشارك فيه احزاب قليلة، اكثر قدرة على الفعل والتأثير والتركيز على ماهو سياسي، لان وجود عشرات الاحزاب المتضاربة الاتجاهات والاساليب والنوايا يضر بالعمل السياسي والبرلماني، ويفقد الوطن كثيراً من الوقت والجهود المطلوبين لانجاز الاهداف الاساسية، ويلقي بظلاله القاتمة على الشارع المحلي، ويزيد من الصراع الخطر وغير المبرر على التفاصيل والمكاسب، ويضع العراقيل امام المسيرة الصحيحة للبناء وخدمة الوطن في واحدة من اعقد واخطر مراحل تطوره التاريخي، انه تحدٍ آخر على القوى السياسية العراقية ان تواجهه، وتثبت قدرتها على الاستجابة الايجابية له.

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر: جريدة الصباح-12-6-2007