العراق...سلطة تنفيذية برأسين!

 

جابر حبيب جابر

 

 

أحد المواضيع الثلاثة أو الأربعة الباقية محل جدل في التعديلات الدستورية والتي تنتظر قادة الكتل لحسمها هي زيادة سلطات رئيس الجمهورية، إذ أن الملاحظ ان هذا الميل يريد البناء على الواقع الراهن غير المستقر وعلى المخاوف المتبادلة وهاجسه الميل المفرط نحو الضمانات ويفترض مسبقاً، وبخلاف التطور السياسي الطبيعي، خلود التصويت القومي والطائفي وان لا يتحول المجتمع باتجاه التصويت نحو المصالح والبرامج، وهذا التوجه سيفضي الى مأسسة انقسام مزمن في رأس هرم السلطة وإضعاف لها بما يشلها، عبر إيجاده لنظام سياسي هجين، إذ أن أنظمة الحكم الشائعة في البلدان الديمقراطية لا تخرج عن واحد من الأصناف الرئيسية الثلاثة وهي النظام الرئاسي (نموذجه المعروف الولايات المتحدة)، النظام البرلماني (نموذجه المعروف بريطانيا)، النظام شبه الرئاسي أو شبه البرلماني أو المختلط (نموذجه المعروف فرنسا).

ولا يكاد يستثنى عن هذا التصنيف أي نظام ديمقراطي باستثناء النموذج السويسري المعروف بنظام الجمعية.

ويمكن القول إن شكل النظام السياسي وتوزيع السلطات والصلاحيات فيه والأدوار المنوطة بالسلطات الثلاث، تتقرر الى حد كبير بمحددات التجربة التاريخية وفلسفة النظام السياسي والميل العام في البلد وقدرة النظام على امتلاك الفعالية اللازمة كي يكون منتجا وقادرا على تحقيق الاستقرار والرفاه.

لقد اختار الأمريكيون النظام الرئاسي تحت إلحاح الاعتقاد بضرورة الفصل بين السلطتين التشريعية والتنفيذية وإكساب رئيس الجمهورية دورا رمزيا وفعليا توحيديا يمثل من خلاله الولايات كلها مقارنة بأعضاء مجلسي النواب والشيوخ الذين يمثل كل منهم ولايته فقط. في حين تطور النظام البرلماني البريطاني تاريخيا وتشكل بمظهره ومحتواه الراهنين لا عبر دستور منشئ بل عبر أعراف تراتبت وارتبطت بسعي المجالس المنتخبة الى الحد من الصلاحيات المطلقة للملك بدون هدم أركان النظام الملكي، فتم تدريجيا وخلال قرون تكريس مفهوم السيادة الشعبية والإرادة العامة والمحاسبة والفصل بين التنفيذي والتشريعي ليتم إنتاج الشكل الحالي للنظام حيث الملك ليس أكثر من رمز، في حين يتولى رئيس الوزراء مسؤولية السلطات التنفيذية.

أما فرنسا فقد اختارت النظام شبه الرئاسي كمخرج من المآزق السياسية المتكررة التي نشأت عن وجود نظام برلماني عاجز عن تشكيل تحالف حكومي فاعل، إلا أن مرد صلاحية الرئيس تتأتى من كونه منتخبا من الشعب.

ببساطة يمكن القول إن هناك ترابطا بين الظرف التاريخي للبلد وطبيعة توزيع الصلاحيات داخل السلطة التنفيذية، وان حجم الصلاحيات يتناسب طرديا مع مستوى تمثيل الإرادة الشعبية.

وفي العراق كان اللجوء للنظام البرلماني محكوما أيضا بالظرف التاريخي وطبيعة الحقائق القائمة على الأرض، فهناك قناعة اجتمعت عليها الآراء في أن اعتماد النظام الرئاسي سيؤدي بشكل أو آخر الى إنتاج سلطة شبه مطلقة، ويفتح مجالا آخر للاستبداد، الشيء الذي يمقته غالبية العراقيين بعد تجربة الحكم الاستبدادي الطويلة، لا سيما مع كون الولاءات القبلية والطائفية قوية في المجتمع العراقي، الأمر الذي قد يحول هذا النوع من الرئاسة الى شكل آخر من سلطة الاقلية، في حين يظل رئيس الوزراء داخل النظام البرلماني ورغم انه أعلى سلطة تنفيذية، مقيدا بالاستحقاقات التي تفرضها علية التحالفات البرلمانية وكذلك الحزب أو الائتلاف الذي ينتمي اليه، كما أنه ولافتقاره لتلك الرمزية التي يستحصل عليها شخص منتخب مباشرة من الشعب، مما يجعله أكثر خضوعا للمساءلة. بل وزيادة في التقييدات فإن الدستور، وبخلاف اغلب النظم البرلمانية، جرده من صلاحيات حل البرلمان والدعوة لانتخابات مبكرة في موازنة صلاحية البرلمان بسحب الثقة عن رئيس الوزراء.

مع ذلك اقر الدستور العراقي وجود منصب رئيس الجمهورية في شكل آخر من اشكال تعددية السلطة التنفيذية ومحاولة تمثيل أطياف الشعب المختلفة، إلا أن منح رئيس الجمهورية سلطات أوسع سيواجهه عدد من المعوقات، منها أولاً أنه سيصبح هناك رئيسان فعليان للوزراء، أو للجمهورية لكل منهما صلاحياته غير المنفصلة تماما عن الآخر في ظل تداخل عمل السلطات التنفيذية، مما يعرقل عمل الجهاز الحكومي ويسلمه الى حالة دائمة من تنازع السلطات، وهو تنازع موجود أصلا في ظل النظام السياسي الحالي بسبب عدم استقرار المؤسسات.

وثانياً فانه عمليا قد تتمكن الكتلة الأكبر من الفوز بالمنصبين، الأمر الذي سيبطل المغزى السياسي من وراء تعددية السلطة التنفيذية المقرة في الدستور والقائم على تمثيل الأطياف المختلفة في المؤسسات الدستورية، وهو قد يعزز من استبداد تلك الكتلة فضلا عن المأزق الدستوري الذي ينتجه.

وثالثاً أن الأقاليم والوحدات الإدارية الأخرى قضمت وستقضم الكثير من الصلاحيات التنفيذية للمركز ولرأسه رئيس الوزراء، فلا يعود نافعاً أن ينازعه من الأعلى رئيس الجمهورية ما تبقى من صلاحياته.

يمكن هنا الاستئناس بالتجربة التركية الحالية، فالدستور التركي أقر نظاما برلمانيا، لكنه وضع عليه بعض ملامح النظام الرئاسي، مما خلق المأزق السياسي الراهن في تركيا، فرغم أن منصب رئيس الوزراء هو الأقوى من الناحية التنفيذية فان للرئيس قوة سيادية مهمة وبعض الصلاحيات التنفيذية المعتبرة، حيث يمتلك حق تشريع القوانين التي يقرها البرلمان مضافا اليه حق طلب تعديله أو إعادة النظر بها (رغم انه ملزم بتمريرها إذا أصر البرلمان، أو اللجوء الى المجلس الدستوري للبت بدستوريتها، وهي وسيلة مناورة أخرى متوفرة لديه)، وله حق ترؤس اجتماعات مجلس الوزراء عند الضرورة، والقيام بعدد من التعيينات.

هذه الصلاحيات منحت منصب الرئيس قوة إضافية جعلته منصبا تنفيذيا ثانيا، إلا أن إشكالية تنازعه مع رئيس الوزراء حدثت بين الفينة والأخرى ووسمت الحياة التركية المعاصرة، وربما كان يحد من وصولها الى مرحلة خطيرة هيمنة النخب العلمانية على السياسة التركية حتى التسعينيات والدور البارز الممنوح للجيش والذي يعطيه حقا انقلابيا دستوريا، إلا أن هذا الدور بات اليوم في موضع الرفض من المجتمعين التركي والدولي، والأزمة الراهنة هي نتاج لهذه الازدواجية في السلطة التنفيذية، إذ أن هناك اليوم وبشكل غير مسبوق حزبا واحدا يمتلك الأغلبية المطلقة داخل البرلمان، وهو حزب محافظ ولا يصنفه البعض علمانيا، مما يعقد المشكلة.

دستوريا يمكن للحزب ان يفوز بمقعدي الرئيس ورئيس الوزراء الذي يمتلكه أصلا، إلا أن الأحزاب العلمانية تشعر بأن ذلك يعني سلطة شبه مطلقة لحزب العدالة والتنمية، وفي نفس الوقت يصعب عليها مقاومة الاستحقاق الدستوري، ومن هنا خرج حزب العدالة والتنمية بفكرة انتخاب الرئيس بشكل مباشر من الشعب، الأمر الذي يعني تحولا جوهريا في النظام السياسي التركي الى نموذج النظام شبه الرئاسي أو المختلط، وعندها فقط ستبرر الصلاحيات الواسعة للرئيس.

التجربة الحديثة أصلا في العراق حتى الآن لا تصلح أن تكون أرضية للحكم والتقييم الجازم، فعدم الاستقرار ليس مرتبطا بالمؤسسات الدستورية فقط بل بكل نواحي الحياة، كما أن هذه المؤسسات لم تبلور بعد شخصياتها المستقلة.

ومع إقرار النظام الفيدرالي وإنشاء مجلس الاتحاد يصبح دور السلطة المركزية أضعف مما كان عليه طوال التاريخ الحديث، ولا يوجد مبرر لإضعاف الرأس التنفيذي أكثر، فالأقاليم قد تستثمر ازدواجية السلطة التنفيذية للمناورة والانقضاض على ما تبقى من صلاحياتها، والصراع على الصلاحيات داخل هذه السلطة سيضعفها أكثر ويكرس هشاشتها، وهذا آخر ما تحتاجه البلاد.

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر: الشرق الأوسط اللندنية-10-5-2007