الإخوان والدولة في مصر.. تاريخ التقلبات

 

 

 

3 مراحل للمواجهات بين الإخوان المسلمين والسلطة في مصر

سياسة النفس الطويل

انضمت منظمة مراقبة حقوق الانسان «هيومان رايتس ووتش» الى قائمة من المؤسسات المصرية والدولية التي تطالب الحكومة المصرية بالاعتراف بتنظيم الاخوان المسلمين في مصر كحزب سياسي شرعي، على اساس ان العمل في العلن ووفقا للقانون والدستور هو الوسيلة الامثل لضمان عدم لجوء المعارضة السياسية الى العنف.

غير ان الدولة المصرية من ناحيتها ترى ان خطر الاخوان يتمثل في «حالة العزلة» التي يمكن ان يصيبوا بها مصر في حالة تم الاعتراف بهم ووصلوا للسلطة، وهو ما ترى جماعة الاخوان انه حجة غير مقنعة، مشيرين الى ان الكلام حول انهم يهددون امن مصر يهدف فقط الى منعهم من المشاركة السياسية بطريقة شرعية وقانونية.

ربيع التسامح.. خريف الصدام

ظلت علاقة الإخوان المسلمين بالسلطة السياسية في مصر علاقة شائكة منذ تأسيس الجماعة على يد الراحل حسن البنا عام 1928 وحتى الآن، وعرفت مراحل هدوء ومواجهة، وسلم وعنف، وبقي كلاهما مستمرا، لا الإخوان اختفوا ولا السلطة سقطت.

إن رحلة تنظيم الإخوان المسلمين التاريخية، هي أيضا رحلة مع النظم السياسية المصرية، فالإخوان نشأوا كتنظيم في ظل الملكية والحقبة شبة الليبرالية، واصطدموا بالسلطة الناصرية وتعايشوا مع نظام السادات، وتأرجحوا في علاقاتهم بالرئيس مبارك، وإن ظلت قائمة على الاستبعاد الجزئي لا الشامل، وبقي الوضع الحالي متفردا عن المراحل الأخرى بأنه غائب عنه التعامل السياسي من الأساس مع الإخوان المسلمين وربما أيضا غيرهم من القوي السياسية الجادة.

ويمكن تقسيم مراحل المواجهة بين السلطة والإخوان إلى ثلاث مراحل: الأولى كانت عقب حرب فلسطين وشهدت مواجهة بين النظام الملكي والإخوان، انتهت باغتيال الإمام المؤسس حسن البنا، والثانية يمكن وصفها بأنها كانت ذات منحي استئصالي، وجرت بين نظام ثورة يوليو والجماعة، وشهدت «محنتين» رئيسيتين: الأولى في عام 1954 والثانية في عام 1965.

أما المواجهة الثالثة فهي تلك التي تشهدها الساحة السياسية المصرية حاليا، وتعرض فيها الإخوان لحملة اعتقالات انتهت بتحويل بعض قادتهم إلي محاكمات عسكرية.

إذا نظرنا إلي مرحلة الصدام الأول، فنجدها بدأت في أعقاب مشاركة عناصر التنظيم الخاص في حرب فلسطين، وانتقالهم بعد ذلك إلي مواجهة «العدو القريب» المتمثل في النظام الملكي، ورغم أن هذه المواجهة بدت على السطح أنها جاءت نتيجة حرب فلسطين، إلا أنها في الحقيقة كانت التجسيد العملي أو الثمرة «الواقعية» لما عرف بثنائية التنظيم الخاص والعام التي حكمت حركة الإخوان المسلمين طوال الفترة الممتدة من عام 1938، أي عقب اشتعال المعارك والثورات على أرض فلسطين وحتى تقريبا نهاية العهد الناصري.

ونجحت الجماعة في استيعاب أعضاء التنظيم الخاص، رغم تكوينهم العقائدي «الخاص»، والمتشدد والمخالف لتكوين معظم أعضاء الجماعة، على مدار ما يقرب من عشر  سنوات، إلا أن تغير البيئة الاجتماعية والسياسية في الداخل، وتحول البيئة الإقليمية باندلاع حرب فلسطين، أدى لاحقا إلى تفجر الخلافات داخل صفوف الجماعة بين «الكادر الخاص» و«الكادر العام».

وشارك كوادر التنظيم الخاص في حرب فلسطين عام 1948 التي أوضحت القدرات العسكرية لـ«الجهاز الإخواني»، أما في الداخل فقد قامت عناصر التنظيم بوضع قنابل وعبوات ناسفة في كثير من الأماكن بالقاهرة استهدف بعضها اليهود المصريين، والعديد من المتاجر اليهودية. كما أقدم شابان من أعضاء التنظيم الخاص على اغتيال قاض معروف هو أحمد الخازندار، بسبب حكم كان قد أصدره بالسجن على أحد عناصر الإخوان، وحكم عليهما بالأشغال الشاقة المؤبدة، وتم احتجاز حسن البنا لبعض الوقت وأطلق سراحه لعدم توافر الأدلة.

وخلال الفترة نفسها، وتحديدا في عام 1948، اكتشفت الحكومة المصرية مخبأ للأسلحة والمعدات في الإسماعيلية في عزبة الشيخ محمد فرغلي قائد كتائب الإخوان في فلسطين.

وفي نفس العام تم اغتيال رئيس الوزراء محمود فهمي النقراشي على يد أحد شباب التنظيم الخاص، حل بعدها تنظيم الإخوان لفترة، وعاد بعد ثورة يوليو وحاول اغتيال عبد الناصر في عام 1954 على يد أحد عناصر التنظيم الخاص، والذي تأكد فيه لكل أطراف الساحة السياسية بما فيها قادة الإخوان أنفسهم استقلالية التنظيم الخاص عن باقي هيكل الجماعة.

والمؤكد أن المساحة التي تحركت فيها جماعة الإخوان المسلمين في الثلاثينيات والأربعينيات كانت أساسا مساحة الدعوة والدفاع عن «ثوابت» الأمة، وعن كل ما هو يقيني وكلي، فهم ضد الاحتلال البريطاني والصهيوني كموقف عقائدي ثابت، ولكنهم لم يستطيعوا أن يضعوا أيديهم على وسائل مواجهة هؤلاء الأعداء بطريقة ناجعة، لأن قدرتهم على صياغة رؤى سياسية كانت محدودة وظلوا في إطار خطاب الدعوة والثوابت طوال ما يزيد عن نصف قرن.

والمؤكد أن تلك المساحة «اليقينية» والعامة التي اختارها الإخوان للتحرك كانت تقريبا هي المساحة الوحيدة المتاحة أمامهم، لأن البعد السياسي بالمعني الذي نشاهده الآن ظل متراجعا في خطاب الجماعة وحركتها، نتيجة أسباب كثيرة من أهمها دور حزب الوفد في إلهام الشارع السياسي وراء مشروع الاستقلال الوطني والدستور المدني، بصورة أدت إلى حصار مشروع الإخوان السياسي لا الدعوي.

وأصبح الغياب السياسي مع وجود الاحتلال الأجنبي، عاملين أساسيين وراء صعود التنظيم الخاص بخطابه المطلق والمتشدد، بصورة أدت في النهاية إلى حدوث هذا النمط من المواجهة بين السلطة والإخوان المسلمين.

وجاء عصر ثورة يوليو، ودخل الإخوان المواجهة الأقصى لهم مع النظام القائم، فمع ترسخ سلطة عبد الناصر، وتبنيه لمشروع قومي تحرري، أصبحنا أمام مشروعين عقائديين متناقضين ومتصارعين على السلطة، وكان الصدام بينهما شبه محتوم. وقامت بعض عناصر التنظيم الخاص بمحاولة اغتيال عبد الناصر عام 1954، أعقبها خروج الإخوان النهائي من معادلة الشرعية، ومعها معادلة الدعوة والنشاط الاجتماعي، واستبعدوا بقسوة من الساحة السياسية، خاصة في أعقاب حملة 1965 التي استهدفت ما تبقي من أعضاء الجماعة وقادة التنظيم الخاص.

ورغم قيام نظام عبد الناصر بمحاولة استئصال الجماعة وضرب قادة التنظيم الخاص بقسوة، إلا إنه حرص على دمج تيار منهم داخل الأزهر والأوقاف، وباقي مؤسسات نظام يوليو، فكان الباقوري شيخ الأزهر من الإخوان المسلمين، وكان كثير من كبار رجال الأوقاف ينتمون للجماعة، وعلى رأسهم الشيخان محمد الغزالي وسيد سابق.

وجاء عصر الرئيس السادات الذي أفرج عن قيادات الجماعة، التي بقيت بعيدة تماما عن ممارسة أي نشاط أو دور سياسي أو اجتماعي أو ديني داخل المجتمع المصري طوال عقد السبعينيات، باستثناء النشاط الطلابي في الجامعات المصرية، كما أدى انعزالها عن الواقع السياسي إلى عودتها نحو التشرنق خلف تصورات عقائدية ودينية مغلقة، ولكن بعيدة عن العنف الذي دفعت ثمنه غاليا في الحقبة الناصرية، إلي أن جاءت اتفاقيات كامب دافيد التي رفضها الإخوان علنا، ودفعت الرئيس الراحل إلى اعتقال كثير منهم مرة أخرى في حملة سبتمبر (أيلول) 1981 الشهيرة.

وجاء عصر الرئيس مبارك، وتميز بأنه شهد المرحلتين معا أي الاستبعاد والتسامح، ولكن بصورة غير كاملة، فأبدى النظام تسامحا تجاه النشاط السياسي للجماعة، طوال عقد الثمانينيات، ولكن الأمر لم يستمر طويلا فعقب النجاح الذي حققه الإخوان في انتخابات 1987، وحصول التحالف الإسلامي الذي قادوه على حوالي 60 مقعدا، كشرت الدولة عن أنيابها، وأحالت بعض قيادات الجماعة إلى محاكمة عسكرية.

وعاد «ربيع التسامح» بين الدولة والإخوان مرة أخرى، وشارك الإخوان «متسللين» في انتخابات 2000 التشريعية وحصلوا على 17 مقعدا، وعادوا مرة أخرى «ظاهرين» في انتخابات 2005 واكتفوا بالحصول على 88 مقعدا.

ولم يستمر التعايش بين الإخوان والنظام طويلا، حيث حدثت المواجهة مع بداية هذا العام حين اعتقل عدد من قيادات الجماعة وصودر جانب من أموالها، وبعد أن أفرجت المحكمة عن هؤلاء القادة عاد رئيس الجمهورية وقرر إحالتهم لمحاكمة عسكرية، لتنتهي واحدة من فترات التسامح المؤقتة التي عاشها الإخوان في عهد الرئيس مبارك.

والحقيقة أن أهم ما ميز علاقة الرئيس مبارك بخصومة السياسيين إجمالا، وبالإخوان المسلمين خصوصا منذ تولية الحكم عام 1981، هو عدم إقدامه على مواجهة استئصالية شامله مع أي من هذه القوى.

واختار مبارك منذ ذلك الوقت استراتيجية «المواجهة المحسوبة» التي لا تميل إلى أسلوب المواجهة الشاملة مع خصومه السياسيين، كما أن هناك «حرصا» من أجهزة الدولة على الاحتفاظ ببنية الإخوان المسلمين التنظيمية متماسكة من دون انقسام يفتت الجماعة، وان يكون الضغط المفروض عليها ضغطا محسوبا يضعها في موقع الدفاع ويقلص من قدرتها على المبادرة من دون الدخول في مواجهة صفرية تؤدي إلى انقسام التنظيم لأكثر من جماعة قد يمارس بعضها عمليات تحريض ومواجهة مفتوحة ضد النظام لا يحكمها أي رادع تنظيمي.

وأدت هذه السياسة إلى وضع الإخوان هدف الحفاظ على وحدة الجماعة، هدفا ساميا وقيمة عليا في حد ذاتها يجب الدفاع عنها، وبدت الدولة أيضا وكأنها ليست ضد «هذه القيمة» بشرط ألا تتجاوز في نشاطها وفاعليتها التنظيمية  «الخطوط الحمر»، بشكل يؤدي إلى تهديدها النظام القائم. ومع ذلك فإن المواجهات الحالية ضد عناصر الإخوان، والتي بدأت بمحاصرة النشاط المالي للجماعة ثم تحويل عدد من قادتهم إلى محكمة عسكرية، بجانب إجراء تعديلات دستورية تهدف إلى إقصاء أو تقليص وجودهم في المجال السياسي والبرلماني، لا يعني أن الدولة قررت استئصال الجماعة كليا من الحياة العامة، ولا توجد نية وربما قدرة على إجراء محاولة استئصالية شاملة، كالتي تعرضت لها الجماعة بعد محاولة اغتيال عبد الناصر عام 1954 أو عقب حملة 1965 الشهيرة، إنما هي محاولة لإقصاء الجماعة من المجال العام، وخاصة في جانبه السياسي.

وأثبتت هذه المواجهة مرة أخرى، على أن الحل السياسي لـ«مشكلة» الإخوان الممتدة معنا منذ القرن الماضي، أجلت لمرحلة أخرى، وربما إلى عهد جديد، وبقيت المواجهة هي الثابت في علاقة السلطة بالإخوان وشكلها هو المتغير.

مبارك والإخوان.. سيناريوهات المستقبل

رغم النفس الأطول نسبيا للرئيس حسني مبارك، قياسا بسلفيه السادات وعبد الناصر، فقد خضعت علاقته بجماعة الإخوان المسلمين للقانون نفسه، الذي حكم العلاقة بين دولة 23 يوليو وبين الجماعة منذ عام 1952، ففي كل واحدة من الحقب الثلاث، أو بالأحرى مع بداية كل واحدة من حقب ثورة 23 يوليو الثلاث، كانت هناك بداية جديدة مع الإخوان المسلمين، ثبت الآن أنها جميعا كانت تستهدف توظيف الجماعة لضرب، أو محاصرة جماعات وتيارات أخرى من ناحية، واستكشاف إمكانية احتواء الجماعة في الحدود التي يسمح بها النظام السياسي من ناحية أخرى .

وفي كل مرة نجح النظام المصري بامتياز في تحقيق الهدف الأول، كما أخفق النظام كل مرة بامتياز أيضا في تحقيق الهدف الثاني. وهنا نستعرض تطور العلاقة بين الدولة المصرية والإخوان المسلمين في عهدي عبد الناصر والسادات، لنركز فيما بعد على تطور هذه العلاقات في عهد الرئيس مبارك.

عندما قامت ثورة يوليو 1952 كانت جماعة الإخوان محظورة، منذ قررت حكومة النقراشي باشا حلها عام 1949، فأعادت حكومة الثورة للجماعة شرعيتها القانونية، وفتحت التحقيق من جديد في قضية اغتيال مؤسسها الشيخ حسن البنا، وكان الهدف كما اتضح فيما بعد توظيف الجماعة في محاصرة التيارات والقوى التي يحتمل أن تناوئ حركة الجيش، مثل الشيوعيين، والأحزاب التقليدية خاصة حزب الوفد وربما القوات البريطانية في قاعدة القناة، وهذا ما حدث بالفعل، ثم سرعان ما اصطدمت الثورة بالإخوان بدعوى، أنهم يريدون فرض وصايتهم عليها، وأنهم تحالفوا مع اللواء نجيب، والرجعية لإقصاء الثوار الأصليين، ووقف برنامج التحول الاجتماعي، وبعد محاولة اغتيال عبد الناصر في المنشية عام 1954، ثم محاولة الانقلاب التى دبرها تيار سيد قطب في الجماعة في النصف الأول من ستينيات القرن الماضي، أصبحت عقيدة عبد الناصر هي أن الظاهرة الإخوانية مرض ميؤوس من شفائه، ومن ثم طبق عليهم استراتيجية الاعتقال الشامل الأبدى لعزل هذا الخطر المرضى عن المجتمع ، وقد اعترف عبد الناصر صراحة بهذه العقيدة للفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر عندما التقاه في القاهرة.

وكانت البداية الجديدة في عهد السادات هي إطلاق الإخوان من سجون عبد الناصر، والسماح لهم بالوجود العرفي دون القانوني، وتعديل الدستور لينص على أن الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسى للتشريع، أما الهدف فكان محاصرة وهزيمة الشيوعيين، والناصريين، خاصة في الجامعات والنقابات المهنية والعمالية، وهذا ما نجح فيه السادات والإخوان معاً، ورغم أن السادات ترك ممثلا للجماعة يحصل على عضوية مجلس الشعب فى عامى 1976 هو الشيخ صلاح أبو إسماعيل بصفته الفردية، ثم ترك ممثلين اثنين عنها يحصلان على العضوية فى عام 1979 هما أبو إسماعيل، والحاج حسن الجمل (بصفة فردية) فإن الخلاف سرعان ما نشب بسبب تلكؤ السادات فى إصدار قوانين تطبيق الشريعة الإسلامية، واكتشاف الإخوان أن التحركات البرلمانية في هذا الاتجاه، ليست أكثر من مناورة، ثم تحول الخلاف إلى صراع مفتوح بعد توقيع اتفاقية السلام مع إسرائيل، التي رفضها الإخوان مع بقية جماعات الإسلام السياسي والتيارات القومية، وهو ما أسفر في نهاية المطاف عن اعتقالات سبتمبر (أيلول) 1981 التي كان الإخوان وعلى رأسهم مرشدهم العام وقتها الشيخ عمر التلمساني من ضحاياها ضمن آخرين، ثم انتهت الرواية كلها باغتيال السادات نفسه بعد شهر تقريبا.

لم تتمثل البداية الجديدة مع الإخوان في عهد الرئيس مبارك فقط في إطلاق سراحهم ضمن بقية معتقلي سبتمبر، والسماح لهم بالوجود السياسي العرفي، ولكن أيضا في التغاضي عن دخولهم البرلمان بصفة رسمية، وفي التزام كافة أجهزة النظام، ووسائل اعلامه بالتمييز بين الإخوان وغيرهم من الجماعات الدينية التي اعتمدت العنف وسيلة للعمل السياسي، خاصة الجماعة الإسلامية، وتنظيم الجهاد.

ومن الواضح الآن أن الهدف الرئيسي للدولة، كان توظيف نفوذ الإخوان، والرهان على اعتدالهم، ونبذهم العنف في محاصرة وتصفية تلك الجماعات العنيفة، وهو الهدف الذي نجحت فيه الدولة والإخوان معاً بنسبة لا بأس بها، حتى أن الجماعة الإسلامية راجعت أفكارها، ونبذت العنف رسميا، ثم حذا حذوها مؤخرا جناح مهم من تنظيم الجهاد.

شهد عام 1984 أول مشاركة رسمية لجماعة الإخوان المسلمين في الانتخابات البرلمانية المصرية بعد الثورة، فقد تحالفت الجماعة رسميا وعلنا تحت سمع وبصر النظام مع حزب الوفد لتجاوز عقبة «القائمة» التي كان قانون الانتخابات في ذلك الوقت يأخذ بها، وفي تلك الانتخابات حصل ستة من الإخوان على عضوية مجلس الشعب ضمن القائمة الوفدية، وفي كل المناسبات كان هؤلاء الأعضاء الستة حريصين على تأكيد هويتهم الإخوانية، بهدف «جس نبض القيادة السياسية التي أكدت في أكثر من مناسبة أن أخطاء الرئيس الراحل أنور اسادات في التعامل مع المعارضة لن تتكرر»، على ما يقول الإخوان أنفسهم في بياناتهم الآن، والتي يقولون فيها أيضا إن الرئيس مبارك واجه هذا التطور بتعيين الدكتور رفعت المحجوب ، عضوا في مجلس الشعب واختياره رئيسا للمجلس، لأنه سيكون الأقدر من حيث قوة الشخصية وجمعه بين الثقافتين الإسلامية والأوروبية على مواجهة الإخوان والوفديين في المجلس، أي أن النظام اختار أسلوب المواجهة السياسية وليس البوليسية مع الإخوان.

وفي انتخابات عام 1987 ولد شعار «الإسلام هو الحل»، وولد أيضا ما يسمى بالتحالف الإسلامي بين الإخوان، وبين حزب العمل، بعد أن انفض التحالف بينهم وبين حزب الوفد، وقد حصل هذا التحالف الإسلامي على 56 مقعدا في مجلس الشعب، ولا جدال في أن معظمهم نجحوا في أن يكونوا نجوما برلمانيين ومنهم المرشد السابق مأمون الهضيبى، والمرشد الحالي مهدي عاكف، والدكتور محمد حبيب نائب المرشد الحالي، كما شهد مجلس 1987 ميلاد الدكتور عصام العريان كنجم برلماني وقطب إخواني. وجاءت انتخابات عام 1995 لتكرس الانقلاب، الذي حدث في علاقة نظام الرئيس مبارك بالإخوان، والذي بدأت فصوله تتوالى منذ عام 1992، وهو العام الذي يعرف باسم عام قضية «سلسبيل»، فحتى ذلك التاريخ كان الرئيس يرفض توصيات أجهزة الأمن بأن الإخوان أصبحوا خطرا على أمن النظام والدولة والمجتمع، وأنهم ـ أي الإخوان ـ في حقيقة الأمر التنظيم الأم لكل تيارات الإسلام السياسي، وأن هناك صلات سرية بينهم، وبين هذه التيارات، ومن الضروري التدخل أمنيا بين وقت وآخر لإجهاض مخططاتهم. وطبقا للرواية الشائعة، فإن المضبوطات في قضية «سلسبيل» ـ وهذا اسم لشركة كان يملكها خيرت الشاطر نائب مرشد الإخوان المعتقل حاليا ـ تثبت وجود عمل منهجي ليس فقط لإحياء تنظيم محظور قانونا، ولكن لبسط سيطرة هذا التنظيم على الدولة من القاع إلى القمة عن طريق السيطرة على النقابات المهنية والعمالية والتنظيمات الطلابية، والتغلغل في الأوساط الشعبية المدنية والريفية بالعمل الخيري والدعوي. وقد أثبتت كل انتخابات نقابية أو طلابية جرت في غضون تلك الفترة وبعدها ـ من دون تدخل أمني مباشر ـ أسوأ مخاوف النظام وأجهزته الأمنية، فقد اكتسح الإخوان انتخابات المحامين أكثر من مرة، وحققوا دائما تمثيلا قويا في نقابات الأطباء والصحافيين والمهندسين . وإذا كانت الدولة قد واجهت هذا المد الإخواني بسلسلة من التدابير والقوانين أشهرها القانون 100 لتنظيم انتخابات النقابات المهنية، وتحريم العمل السياسي في الجامعات، وفرض الحراسة القضائية على بعض النقابات، والوصاية الإدارية على التنظيمات الطلابية، فإنها في الوقت نفسه شرعت في الضغط على الإخوان على كل الجبهات، فأحالت 82 من قيادات الجماعة إلى محاكمة عسكرية صدرت الأحكام فيها يوم 23/11/1995 بسجن 54 منهم لمدد تتراوح بين خمس وثلاث سنوات.

وفي هذه الأثناء جرت انتخابات عام 1995 لمجلس الشعب ودخلها الإخوان في إطار التحالف الإسلامي السابق ذكره، وتحت نفس الشعار «الإسلام هو الحل»، ولكن في هذه المرة لم ينجح منهم سوى نائب واحد فى القاهرة، أما في انتخابات عام 2000 والتي كانت أول انتخابات تجرى تحت الإشراف القضائي الكامل، فقد حصل مرشحو الإخوان على 17 مقعدا، ولكنها كانت أيضا أول انتخابات تتحول إلى صراع علني يكرس الاستقطاب في الحياة السياسية المصرية ما بين الحزب الوطني الحاكم والإخوان المسلمين، بحيث تحولت الأحزاب الأخرى إلى مجرد كومبارس، وهي الظاهرة التي تأكدت نهائيا وأصبحت تحكم مستقبل التطور السياسي في مصر في انتخابات عام 2005، والتي أسفرت كما هو معروف عن فوز 88 عضوا من الإخوان بمقاعد في مجلس الشعب، لكن هذه التجربة أسفرت أيضا عن إلغاء الإشراف القضائي الكامل على الانتخابات، وعن تعديل قانون الانتخابات، لتحريم شعار «الإسلام هو الحل» في الحملات الانتخابية بين تعديلات أخرى موجهة في معظمها لمحاصرة المد الإخواني صراحة، وكذلك أسفرت تلك التجربة عن تأجيل انتخابات المجالس المحلية، وفي ذات الوقت وعلى الجبهة الأخرى أُطلقت سياسة التدخلات الأمنية الإجهاضية من عقالها، فاعتقل عدد كبير من قيادات الجماعة على المستوى القومي، وفي كل المحافظات، وجرى مرة أخرى إحالتهم إلى القضاء العسكري، وعلى جبهة ثالثة بدئ في اتباع سياسة منهجية لإضعاف الركائز الاقتصادية للتنظيم.

هذه هي خطوط المواجهة الآن بين نظام الرئيس مبارك وجماعة الإخوان، ومنها يتضح أن البداية الجديدة لمبارك معهم، وإن طالت لأكثر من عشر سنوات انتهت منذ أكثر من عقد من الزمان، وليس الآن فقط، كما يتضح من معالم هذه المواجهة أن النظام لا يستطيع العودة إلى الأسلوب الناصري في الاعتقال الشامل الأبدي، فالزمن تغير، والمجتمع أيضا ليس ملتفا حول النظام إلى هذا الحد، ويظهر ثالثا أن الإخوان لديهم ممانعة في أن يظلوا يستخدمون لتنفيذ جدول أعمال يضعه غيرهم، فضلا عن كونهم غير قادرين على خوض صراع شامل مع النظام بسبب انقسام النخبة المثقفة حولهم من جهة والرفض الاقليمي والدولي لهم من جهة أخرى، لذا يظهر ـ رابعا ـ أن احتمال عقد صفقات بين الطرفين مستبعد في الأجل القريب، ولكن يبدو لنا ـ خامسا ـ أن النظام والجماعة حريصان على عدم انفجار الصراع إلى حدوده القصوى، بمعنى أن الطرفين وإن تحولا عن سياسة التعايش فيما بينهما، فإنهما يفضلان الإبقاء على صيغة المواجهة المحدودة الحالية، خوفا من الفوضى والمجهول.

و كل ذلك بحسب المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر: الشرق الأوسط اللندنية-2-6-2007