فنزويلا وروسيا والتضييق على وسائل الإعلام

 

سارا ميلر لانا

 

 

أكثر من ثلثي الفنزويليين يؤيدون الرئيس "هوجو شافيز" باعتباره قائداً متبصراً يساند فقراء أميركا اللاتينية.

لكن على شاشة "تلفزيون وراديو كاركاس"، تبرز صورة مختلفة تماماً، حيث يتم التندر على الرئيس الفنزويلي صبيحة كل يوم في برنامج تبثه القناة التلفزيونية، ويُشار إليه "بذلك الرجل" الذي "يتعين الإطاحة به" قبل أن يتحول إلى ديكتاتور.

واليوم بعد أكثر من نصف قرن على البث الهوائي يستعد الرئيس "شافيز" لوقف تلفزيون "كاركاس" وسحب الترخيص الحكومي مع قرب انتهائه اليوم الأحد.

وبالنسبة لمؤيدي "شافيز" يشكل إغلاق القناة فرصة لتخليص البلد من الأكاذيب والتضليل السياسي الذي تمارسه القوى المناوئة للرئيس، لكن الخطوة أسفرت أيضاً عن تنظيم مظاهرات حاشدة عمت شوارع العاصمة، فضلاً عن انتقادات دولية للمضايقات التي تتعرض لها وسائل الإعلام .

والخطوة أيضاً حسب منتقدي "شافيز"، تعكس تحركاً واضحاً صوب تكريس الحكم الشمولي الذي يقولون بأنه فقط جزء من حركة عامة تجري في مناطق العالم وتشكل انتكاسة عن الحرية والديمقراطية.

ويعزو المحللون السياسيون هذا الهجوم الذي تتعرض له قوى المعارضة في وسائل الإعلام المستقلة ومنظمات المجتمع المدني إلى أسعار النفط المرتفعة، التي يستفيد منها قادة منتخبون ديمقراطياً في دول مثل فنزويلا وروسيا وإيران.

وتلجأ السلطات إلى ملاحقة المعارضة خوفاً من تدخل الحكومات الغربية، أو قوى أجنبية في الشؤون السياسية الداخلية للدول وزعزعة أمنها.

ورغم أن الظاهرة لا تفرق بين دول فقيرة، وأخرى غنية، فإنها أكثر حضوراً في دول بعينها بسبب ارتفاع أسعار النفط التي عززت من مكانة قادة تلك الدول.

ويوضح هذا الأمر "توماس كاروثريز"، نائب رئيس وحدة "السياسة الدولية" بمعهد "كارنيجي للسلام الدولي" قائلاً: "تعتبر دول مثل فنزويلا وإيران وروسيا جزءاً من ظاهرة عامة تشمل دولاً لها ميل مسبق إلى الشمولية وتتمتع بثقة عالية في النفس بسبب عائدات النفط"، مضيفاً "لقد وجدوا أنفسهم فجأة في وضع مريح يسمح لهم بشراء المعارضين السياسيين، وكسب التعاطف الشعبي عبر توزيع المال، إذ ساهمت الثروة النفطية في تعزيز السلطة السياسية".

ويعود تاريخ تأسيس قناة "كاركاس" التلفزيونية، التي تعتبر أقدم محطة خاصة تبث في فنزويلا، إلى عام 1953. وهي وإن لم تكن الصوت المعارض الوحيد في البلاد، إلا أنها تحظى بشعبية واسعة وتعتبر الأكثر انتشاراً في البلاد.

غير أن "شافيز" يتهمها بالوقوف مع الانقلاب الفاشل الذي استهدفه في عام 2002، حيث بثت القناة وقتها صوراً كارتونية دلالة على مناصريه الذين خرجوا إلى الشارع مطالبين بعودته.

وحسب قانون يعود إلى 1987 فإنه يحق للحكومة الفنزويلية الامتناع عن تجديد ترخيص المحطات التلفزيونية بعد انتهائها، وهو ما يسعى "شافيز" إلى استغلاله ضد القناة المذكورة.

وفي هذا الصدد يقول "بريتو جارسيا"، أحد المحللين السياسيين المحسوبين على الحكومة "إن المشهد الإلكتروني الذي يسمح بالبث يعود إلى الدولة، وهو ليس مفتوحاً أمام الجميع"، مستطرداً "لقد خرقت القناة قانون الامتياز، حيث قطعت الإرسال أثناء إلقاء الرئيس لخطابه خلال الانقلاب، كما تبث برامج يومية تحرض الناس على الإطاحة به".

وبرغم أن نماذج التضييق على وسائل الإعلام هي خاضعة لسياقات محلية، فإنها أصبحت جزءاً من حركة متنامية من القمع الذي يُطال أشكالاً متعددة للمعارضة الشعبية، بما فيها المنظمات غير الحكومية.

ففي الأسبوع الماضي اتخذت السلطات المحلية الروسية خطوات للحد من الضرر، الذي يعتبرون أنه سيلحق بالقمة الروسية الأوروبية في مدينة "سمارا"، حيث قامت الشرطة باعتقال مشاركين في مظاهرة نظمتها حركة "روسيا الأخرى" المعارضة، إلى جانب الصحفيين الذين حاولوا إجراء حوارات معهم. كما قامت الشرطة أيضاً بمداهمة مقر جريدة معارضة في المدينة واحتجزت أجهزة الكمبيوتر، فضلاً عن منع عدد يوم الاثنين من الصدور. ومع أنه تم الإفراج عن الصحفيين والناشطين المعتقلين، إلا أن ما حدث كان مؤشراً على مدى التضييق الذي تتعرض له الأصوات القليلة المستقلة المتبقية من الصحافة الروسية.

ويبقى الحدث الأبرز الذي من المتوقع أن يسترعي انتباه مؤتمر الصحفيين العالمي المزمع انعقاده يوم الإثنين المقبل بروسيا هو إعلان السلطات الروسية عن إخلاء مقر اتحاد الصحفيين الذي يضم 100 ألف عضو لإفساح المجال أمام القناة التلفزيونية الجديدة الناطقة بالإنجليزية والمملوكة من قبل الدولة "روسيا اليوم".

وفي هذا الإطار يقول "ميخائبل ميلنيكوف"، محلل يعمل بإحدى المنظمات غير الحكومية التي تُعنى بحرية الصحافة "لقد أصبحت الصحافة الإلكترونية في روسيا محتكرة من قبل الدولة، حيث اختفت التعددية التي شهدناها في التسعينيات، وانتهى بنا المطاف إلى نوع من الأحادية"، متابعاً قوله "إن الشيء الوحيد المطلوب من الصحفيين هو التعبير عن الولاء للسلطات بعد أن ضاقت حرية الانتقاد، بحيث لم يعد في وسع السكان معرفة ما يجري في روسيا اليوم".

وقد ذكر مركز "فريديم هاوس" الذي يتخذ من واشنطن مقراً له في تقرير أصدره مطلع الشهر الجاري بأن روسيا قد تراجعت عن موقعها السابق في حرية الصحافة بواقع ست درجات لتنحدر إلى المرتبة 165 عالمياً. ولاحظ التقرير أنه رغم حرية الصحافة التي ينص عليها الدستور الروسي، فإن السلطات الروسية "قادرة على اللجوء إلى الجهازين التشريعي والقضائي لمضايقة الصحفيين المستقلين وملاحقتهم".

ويشير "مواسي نعيم"، محرر وناشر مجلة "السياسة الخارجية" الأميركية إلى أن الرقابة على الصحافة انتقلت من "التدخل المباشر للدولة من خلال أجهزتها المختلفة إلى أشكال أخرى من التضييق تتراوح بين فرض الضرائب والمقاطعة الاقتصادية".

وفي إيران تنصب ملاحقة الدولة على الأكاديميين المعارضين، بحيث تستهدف أجهزة الاستخبارات الإيرانية النشطاء الذين لهم علاقات مع الغرب بذريعة تلقيهم لمبالغ مالية من حكومات أجنبية.

*مراسلة "كريستيان ساينس مونيتور" في المكسيك

و كل ذلك بحسب رأي الكاتبة في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر: الإتحاد الإماراتية - ينشر بترتيب خاص مع خدمة "كريستيان ساينس مونيتور" – 27-5-2007