التراجع الأميركي عن دعم الديمقراطية... أوكرانيا نموذجاً

 

جاكسون ديل

 

 

في ظل هذا الحطام الذي حاق بإدارة بوش، لطالما سهل على الكثيرين نسيان أن عملية تصدير الديمقراطية إلى الشعوب والمجتمعات التي تفتقر إلى الحرية والديمقراطية، لم تكن سياسة فاشلة دائماً.

فعلى إثر نهاية الحرب الباردة بعقد كامل، تعاونت كل من الولايات المتحدة الأميركية وحلفائها الأوروبيين، عبر حلف "الناتو" والاتحاد الأوروبي، بهدف تحويل عشر من الدول الاشتراكية السابقة في شرقي ووسط أوروبا إلى ديمقراطيات.

ولم يعد حينها مؤكداً ما إذا كانت هذه الدول سواء كانت مجتمعة أو أي منها، سترحب بالانتخابات الديمقراطية النزيهة، والأسواق الحرة أم لا في نهاية المطاف.

أما النجاح الذي حققته الدول هذه في السير على طريق الحرية والديمقراطية، فيعود الفضل الأكبر فيه، إلى حجم الرعاية والتدريب والعون الكبير الذي قدمه التحالف الغربي لها.

وما أكثر الذين يشيرون اليوم إلى العراق كمثال حي على ما يحدث، حين تفشل مساعي بناء الأمم .

غير أن السؤال الواجبة إثارته هو: ولكن ما الذي يحدث في المقابل حين يقف الغرب مكتوف اليدين إزاء شعوب ومجتمعات تكابد لشق طريقها إلى نظام سياسي أفضل، بعد مضي عقود عليها من القهر والبطش والاستبداد؟

ومهما كانت الإجابة، فإن هذا الخيار الأخير فيما يبدو، هو الذي يجري تطبيقه الآن في دولة أخرى بعيدة عن العراق، هي أوكرانيا.

فقبل نحو ثلاث سنوات، كانت أوكرانيا محوراً للاهتمام، عندما كانت أجندة بوش الخاصة بنشر الحرية والديمقراطية، في عز مجدها وقوتها.

وبالنتيجة فقد تدفقت الأموال الأميركية السخية، على المنظمات غير الحكومية الناشطة من أجل إجراء انتخابات رئاسية حرة نزيهة.

وما أن حاول أحد المرشحين الموالين لروسيا سرقة نتائج تلك الانتخابات بممارسات الغش الصريح المكشوف، حتى بادرت إدارة بوش إلى دعم الحركات الشعبية الاحتجاجية بكل ما أوتيت من قوة وتصميم. ولم تكن تلك الحركات شيئاً آخر، سوى قوى "الثورة البرتقالية" التي أرغمت النظام الحاكم على إجراء اقتراعات جديدة.

وما أن فاز "فيكتور يوشنكو"، المرشح الموالي للغرب بإعادة الاقتراع هذه، حتى أصبح فتى واشنطن المدلل، واتجهت الجهود لتسريع التحاق أوكرانيا بعضوية حلف "الناتو".

غير أن التحول الذي طرأ من ذلك الموقف المساند للتحول الديمقراطي في أوكرانيا، إلى رفع اليد عما يجري هناك الآن، إنما يشير إلى التراجع الذي سجلته هذه الإدارة المتخاذلة عن الشعارات والطموحات التي بشرت بها في سابق عهدها.

وكما تابعنا، فقد مرت أوكرانيا بأزمة سياسية جديدة خلال الأسبوع الماضي.

 أما طرفا هذه الأزمة، فهما وللمرة الثانية، الرئيس يوشنكو الموالي للغرب، وخصمه اللدود فكتور يانوكوفيتش، رئيس وزرائه الموالي لموسكو وهاهي الجماهير وقد احتشدت تارة أخرى في قلب العاصمة كييف وبينما نشبت النزاعات بين الطرفين في محاولة للسيطرة على المباني والمواقع الحكومية، إذا بكليهما يتهم الآخر بالتآمر لتنفيذ انقلاب عسكري هناك.

وفيما يبدو، فإن أوكرانيا تترنح الآن بين الترتيبات والاتفاق الذي تم التوصل إليه، بصدد إجراء انتخابات برلمانية ديمقراطية جديدة، تم الإعلان عنها أول من أمس، وبين مساعي كلا الطرفين لاستخدام القوة من أجل الانفراد بالسلطة.

أما الطرف الغائب إلى حد كبير، في هذا المشهد المشحون بالتوتر والمخاطر، فهو إدارة بوش وحلفاؤها في حلف "الناتو".

 ذلك أن الاتصالات بين الأطراف المتنازعة هناك، والمسؤولين الأميركيين، تكاد تنحصر في معظمها، على تلك التي يجريها السفير الأميركي في العاصمة كييف، ومسؤولو الشؤون الأوروبية بوزارة الخارجية الأميركية. أما "كونستانتين جريشنكو"، وزير الخارجية السابق، وكبير مستشاري رئيس الوزراء "يانكوفيتش"، الذي وصل إلى واشنطن الأسبوع الماضي، بهدف حث الولايات المتحدة على التدخل لحل الأزمة الماثلة الآن، فقد واجه مصاعب كبيرة في لقاء أي من المسؤولين بمجلس الأمن القومي، أو في مكتب نائب الرئيس. على أن "جريشنكو"، الذي سبق له العمل سفيراً سابقاً لبلاده في واشنطن، قال لي أثناء حوار جرى بيني وبينه:"إن ما نحتاجه من واشنطن، وهو عين الذي لا نزال نفتقر إليه حتى الآن، هو توجيه رسالة قوية من جانبها إلى طرفي النزاع، مفادها أن من مصلحتهما معاً التقيد بالمبادئ والنظم الديمقراطية".

ثم مضى جريشنكو مستطرداً في القول:"غير أن الرسالة الواردة إلينا من واشنطن حتى هذه اللحظة، هي أنها لم تعد تكترث لما يجري في بلادنا".

ومن البديهي أن ضعف الرسالة الواردة من واشنطن إلى كييف، لا يمكن تفسيره بالنقص في المكالمات الهاتفية ولا بقلة الزيارات المتبادلة بين مسؤولي العاصمتين.

وكما أشار تقرير جديد صادر عن مجموعة "فريدوم هاوس" وهي منظمة معنية بالدفاع عن حقوق الإنسان، فإن ميزانية الإدارة الأميركية المخصصة للعون الخارجي، للعام المقبل، تشير إلى انخفاض كبير ملحوظ في حجم تمويل عمليات التحول الديمقراطي في كل من أوروبا ودول آسيا الأوروبية.

وضمن ذلك، يتوقع خفض الإدارة حجم تمويلها الحالي لمنظمات المجتمع المدني في أوكرانيا، مع العلم أن تلك الجمعيات هي التي قادت الثورة الديمقراطية التي شهدتها أوكرانيا في عام 2004. ويعود الجزء الغالب من هذا التراجع الملحوظ في دعم الإدارة لعمليات التحول الديمقراطي هذه، في أجزاء أخرى من العالم، إلى الاستنزاف المالي والعسكري والبشري، الذي تعرضت له في منطقة الشرق الأوسط، لا سيما في العراق وأفغانستان.

*كاتب ومحلل سياسي أميركي

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر: الإتحاد الإماراتية- ينشر بترتيب خاص مع خدمة "لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست"-30-5-2007