النظام المصري و دسترة العنف

 

 

سيد يوسف

 

فى البداية يعتذر المرء للغة العربية حين ينحت كلمة دسترة من دستور بعد إذ صارت لفظة الدستور هاهنا فى بلادى سيئة السمعة بفعل المادة 179 والخاصة  بما يسمى مادة الإرهاب وتنص المادة على : " تعمل الدولة على حماية الأمن والنظام العام في مواجهة أخطار الإرهاب، وينظم القانون أحكاما خاصة بإجراءات الاستدلال والتحقيق التي تقتضيها ضرورة مواجهة تلك الأخطار وذلك تحت رقابة من القضاء، وبحيث لا يحول دون تطبيق تلك الأحكام الإجراء المنصوص عليه في كل من الفقرة الأولى من المادة 41 والمادة 44 والفقرة الثانية من المادة 45 من الدستور ولرئيس الجمهورية أن يحيل أية جريمة من جرائم الإرهاب إلي أية جهة قضاء منصوص عليها من الدستور أو القانون".

ويرى بعض الفاقهين أنه لا حاجة لهذه الإضافة حيث إن التشريعات الحالية بها ما يكفي ويزيد  حيث تنص المادة (41) الحرية الشخصية حق طبيعي وهي مصونة لا تمس، وفيما عدا حالة التلبس لا يجوز القبض على أحد أو تفتيشه أو حبسه أو تقييد حريته بأي قيد أو منعه من التنقل إلا بأمر تستلزمه ضرورة التحقيق وصيانة أمن المجتمع، ويصدر هذا الأمر من القاضي المختص أو النيابة العامة، وذلك وفقًا لأحكام القانون...ويحدد القانون مدة الحبس الاحتياطي.

وتنص المادة (44) للمساكن حرمة فلا يجوز دخولها ولا تفتيشها إلا بأمر قضائي مسبب وفقًا لأحكام القانون. وتنص المادة (45) لحياة المواطنين الخاصة حرمة يحميها القانون . 

وللمراسلات البريدية والبرقية والمحادثات التليفونية وغيرها من وسائل الاتصال حرمة، وسريتها مكفولة، ولا تجوز مصادرتها أو الاطلاع عليها أو رقابتها إلا بأمر قضائى مسبب ولمدة محددة ووفقًا لأحكام القانون.

وبناء على هذه المادة بتعديلاتها يمكن لجهاز الشرطة دون اللجوء لتجديد قانون الطوارئ أن يقوم بالاعتقال أو بالاشتباه أو بالتفتيش الشخصى أو بالإيقاف فى الطريق العام أو المنع من السفر أو عدم حرمة البيوت أو إساءة المعاملة فى أقسام الشرطة ... أو غيرها من الصلاحيات المطلقة لرجال الأمن.

لقد ذكر المستشار محمود الخضيرى أن النظام لم يضع المادة (179) لتطبق، بل وضعها لتجميل صورة نجل مبارك، عندما يصير رئيسا للجمهورية خلفا لوالده كما يخطط المخططون، ذلك بأن يكون أول عمل يقوم به نجل مبارك عقب توليه السلطة في البلاد هو تعديل الدستور بإلغاء هذه المادة فيكتسب شعبية يفتقدها... ولم أر فى حياتى رجلا اجتمع الناس على كراهيته كنجل مبارك!

ونجل مبارك - ومعه ترزية القوانين- يعلمون جيدا مدى كراهية الناس فى بلادى له ومن ثم ففى اعتقادى أن هذه المادة وما سيترتب عليها من قوانين تهدف إلى إطلاق يد عصا الأمن - وبالقانون- ضد الذين يتظاهرون ويعارضون التوريث حين يتم بمسلسل سخيف يتم وكأن الناس هى التى اختارته!!

ويدعم هذه الاعتقاد أن بقية التعديلات الدستورية إنما هدفت لتكريس التوريث مع إعطائه شكلا قانونيا يغازل بها الداخلُ الغربَ!! ومن ثم فإن حاجة أولئك المكروهين ماسة لوجود المادة (179) ليستعينوا بها فى إرهاب الناس.

العنف يدفع الظلم عند غياب القانون

لقد شحذت الهمم للعنف دفاعا عن حقوق الذين يًظلَمون وحين تبرؤهم ساحات القضاء لا تنفذ أحكامه ففى ظل انعدام الأمن كيف يجلب الأقوياء حقوقهم؟ وكيف يصمت الضعفاء عن اللجوء للأقوياء لنيل حقوقهم؟ من الذى ألجأ الناس للعنف؟!

لقد حذر الفاقهون من سنين قليلة مضت من تصاعد البلطجة التى انتهجتها وزارة الداخلية فى تعاملها مع خصومها السياسيين لا سيما فى الانتخابات، وإذا انتشرت البلطجة فى قوم فاعلم ألا دولة حينئذ... وهاك بعض ما وصلنى أو قرأته من تعليقات تبين مدى الإحساس بالظلم وإلى أى مدى يمكن أن يدفع بالناس فى بلادى إلى العنف :

قال أحدهم: حين يصل نظام إلي اعتماد اليد الأمنية الباطشة أداة رئيسة للحكم والسيطرة فإنه يكون قد وصل إلي محطته الأخيرة، وهي مسألة يبرهن عليها التاريخ دوما، خاصة في ظل تجرؤ الناس علي السلطة أخيرا رغم جهازها الأمني الرهيب، الأمر الذي تجلي في اشتباك سكان قلعة الكبش مع رجال الأمن، وصمود فلاحي دكرنس ضد من يريدون سلب أراضيهم، واحتجاج قاطني دار السلام أمام مجلس الدولة علي سد الطريق الذي يربط حيهم بالنيل، ومظاهرة طالبات مدرسة العياط حتي أجبروا وزير التعليم علي التراجع عن قرار نقل مديرهم ، علاوة علي احتجاجات العمال المتكررة... ومع تفاقم الأزمة الاقتصادية ستتسع الاحتجاجات وقد تجرف أمامها من يظنون أنهم باقون إلي الأبد.

وقال آخر:  قبل طرح قانون الطوارئ على مجلس الشعب حدثت تفجيرات طابا، وبالرغم من تحذير الحكومة الصهيونية رعاياها من الذهاب إلى هناك إلا أن الحكومة تصر على أن بدو سيناء أو عرب سيناء كما يحلو لهم هم السبب ... وتم مطاردتهم فى الجبال والوديان ألا تفهم الحكومة أننا على يقين أنها السبب الرئيس فى هذه التفجيرات؟!!

فلما عرض قانون الطوارئ تم تمريره واليوم قانون الإرهاب... أخبرنى بالله عليك لو ظًلمت مرة فى هذا البلد من أحد أمناء الشرطة وليس الضباط ماذا ستفعل؟ أجيبك أنا سأدمر القسم الذى يعمل به تماما, وأنا لم تعد تهمنى حياتى؟

والسلطة من اليوم قبل تطبيق قانون الإرهاب طبقته عمليا على الأستاذ ممدوح إسماعيل المحامى وليس ممدوح إسماعيل صاحب العبارة الشهيرة الذى أطعم أسماك القرش جثث أبنائنا... من هنا فإنني ألعن كل ظالم وجبان .

وقال ثالث: هذه هى الملهاة وهذه هى الطامة الكبرى والسبق الذى استطاع النظام أن يخطه لنفسه وأصبح  -غير مدافع  - هو الوحيد الذى أدخل هذه الممارسة فى التاريخ ...إذا منعت المعارضة السلمية والعمل السياسى الخالى من العنف بل والذى ينبذه ... وإذا كنت تعاقب من يحمل القلم واليافطة وأحيانا علم مصر كمن يحمل رشاشا وقنبلة فما الذى يخيف الناس من الانخراط فى العنف؟!!

أيها العاقلون أرجوكم - لمصلحه مصر-  أوقفوا هذه المهزلة قبل أن نقع فى أتون عنف لا يعرف هول مغبته إلا الله سبحانه وتعالى .

خاتمة وملاحظات

قد تصد احتجاجا شعبيا اليوم فهل أنت قادر على ذلك غدا... مسألة الحب والكره للأشخاص أو ما يسميه العامة عندنا بالقبول من الله ... الغريب أن الناس قد أجمعت على كراهية نجل مبارك فكيف تستقر أوضاع حكمه إن حكم والناس تكرهه ؟!!

وإذا اجتمعت الكراهية فى قلوب قوم  فلا يأمن عاقل كيف يكون مستقبل الطغاة مهما تترس بالأمن؟!

ولعل رجال الشرطة أن يكونوا أكثر ضحايا هذه المادة (179) وما سيترتب عليها من قوانين سيئة السمعة فإن الذى يُحيق مكرا سيئا بشعبه لا يمكن إلا أن يقع فيه، وما هى إلا مسألة وقت وسلوا عن الفترة الزمنية بين تعديل وبين إعادة تعديل المادة (76) سوف تنبيكم الأحداث أن المكر السيئ لا يحيق إلا بأهله...فانتظروا إنا معكم منتظرون.

و كل ذلك بحسب المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر: المثقف السياسي