السعي إلى بلورة دين المدنية .. توكفيل نموذجاً

 

قيس قاسم العجرش

 

 

لم ينتج اليكس دو توكفيل (1800-1859) عملاً مفرداً لعلم اجتماع الأديان إلا أنه وضع الأسس التي تشير نحو الديمقراطية التي تتحول الى دين في أميركا .

 و يراقب دور الدين في تشكيل الديمقراطية الناشئة هناك و تطويرها بحيث ينتهي الى إكتشافه الأول و تشخيصه الحيوية الكبيرة في مجال الإعتبار الديني ضمن المجتمع الاميركي بما يتعارض و القول بأن انبثاق المجتمع العصري الديمقراطي يؤدي الى تراجع الدين، وكأن الإندفاع الديني ملتزم بالفتور كلما انتشر تطور وازدهار فرضية الأنوار والحرية ما يشكل انقلاباً كاملاً على الماركسية التي عرفت الدين على انه السيطرة السياسية و الإجتماعية و ارتهان الجماهير .

كما انه انقلاب على ما رسخ من تعارض كلاسيكي بين الديمقراطية متمثلة بالعصرنة والدين .

وهو هنا أي توكفيل مصر على دور الدين في بلورة المثال الديمقراطي بعيداً عن الإملآت الطقسية، الدين هنا لعب دور المانح الأولي لروحية الأخلاقيات التي سترتقي بها الديمقراطية لاحقاً، وللمصادفة فإن هذا الطرح قريب هنا من رأي الرازي الذي يشير الى إنتفاء الحاجة الى الدين كمنبع للمنظومات الأخلاقية والذي يتساءل كذلك عن دور الرسالات في ترسيخ هذه المنظومات لا في استيلادها .

الدين بحسب توكفيل كان منبعاً للصورة الديمقراطية التي ينتهي اليها المجتمع عند الآباء الطهريين المؤسسين للنظام في الولايات المتحدة، وكان الغالب على أخلاقياتهم العامل الديني بعيداً عن التراتبية الطقسية المحيطة بالدين عموماً.

وميز توكفيل ما ترافق في نشأة الولايات المتحدة من روح الدين وروح الحجرية، فقد بدا الدين على أنه مساهمة في الديمقراطية المعاصرة أكثر مما هو عقبة في طريقها.

وتميز هذا المجتمع المعاصر بالفردية وتساوي الفرص الاجتماعية ما جعله عرضة الى تفكك تماسكه فوجد التحامه في أساس ديني مشترك ينمي لدى الفرد ما يعرفه ( بالروح العامة ) وهي غير روح المواطنة .

يميز توكفيل معاني الروح العامة على انها أقرب الى الرابط الديني منها الى الإلتزام القانوني من خلال تعاليم الإنضباط المعنوي وهنا تصبح الديانة المدنية إختلافاً وتمايزاً فإذا كان الدين ينمي المسؤولية الإجتماعية ويعوض عن الفردية فإن الديانة المدنية هنا تصبح ضرورة إجتماعية ويصوغ توكفيل هذه النظرية بشكل أبسط. فلكي يتواجد المجتمع و بشكل أخص كي يزدهر فإنه ينبغي أن تظل أفكار المواطنين مجتمعة دائماً ومرتبطة ببعضها عبر أفكار رئيسية و ذلك لن يتحقق ما لم ينهل كل منهم أفكاره من المصدر نفسه أحياناً و ما يتقبل تلقي عدد من المعتقدات الجاهزة، إذن للبشر مصلح مشتركة في تكوين افكار ثابتة غير متعرضة للتساؤلات المستمرة حول اللهى والروح والواجبات العامة تجاه الخالق وتجاه بعضهم البعض لأن الشك هنا قد يضع كل مجهوداتهم في يد الصدفة و يحكم عليها بالفوضى , صورة الله هنا عبر الديانة المدنية هي الإختلاف الأكثر وضوحاً، وتصوير الذات الإلهية على أنها ذات متفهمة تتمتع بروح (ديمقراطية) ورؤوفة ورحيمة في ذات الوقت ومتسامحة هو السبب الاول في تنامي الديمقراطية الى جنب التيار الديني الذي رسم من هذه التصورات خططاً تنتهج كسياسة عامة وعرفا إجتماعيا يتم التعامل به وعلى أساسه .

الأفكار الموحدة التي تحدث عنها توكفيل يجب أن تكون مبسطة ومنبسطة ولا تحتمل ابعاداً فلسفية عن الخليقة والكون والله والبشر، النبوة غير متوافرة لإنتفاء الحاجة لها أما صورة المسيح فهي الأكثر بساطة والحديث هنا ينجر الى معاني التسامح الإلهي من خلال المسيح وليس هناك ثمة أبعاد في الماورائيات الفلسفية للاهوت يمكن اعتمادها طالما أن السماء تتحلى بذات الروح التي ينشدها المجتمع ألا وهي الديمقراطية.

ويقول توكفيل مفسراً أسباب عدم جدوى وجود نظام ديني على صيغة الأطروحة المتكاملة للإنسان من الله ، " إنني أشك أبداً في احتمال إمكانية العيش باستقلال ديني تام وحرية سياسية وفي الوقت ذاته فإن العضو في النسق الاجتماعي إن لم يكن مؤمناً فعليه أن يخدم النسق مضحياً في سبيل البقاء خارج الإيمان وإن كان حراً خارج إشتراطات النسق فعليه أن يؤمن ."أما كيف بلور توكفيل أطروحة الديانة المدنية فإنه يرى في الواقع أن الديمقراطية هي المساواة في الواقع والحقوق الى غاية أن تصبح تعوداً ومزاجاً وذهنية، وإن مثلها الصافي لا يوجد إلا في الولايات المتحدة و ليس في أوروبا حيث ما زالت الأرستقراطية تمتزج معيقة التطور في الديانة المدنية .

ولذلك فإن الولايات المتحدة لم تشهد حالة (الثورة) بمعناها المتجلي مزاجاً وفكراً كما لم يظهر فيها منظرون للحلقات التنفيذية  للثورة مثل روبسبير وجان جاك روسو في فرنسا وتروتسكي ولينين في روسيا، وعلى الأعم (حسبما يقول توكفيل) أنها لن تحتاج الى الثورة وهو هنا قد صدق في نبوءته فالديانة المدنية تمنع خلق حالة الهياج العام المؤدية الى شرارات الثورة وما الثورة إلا لحظة إنتقال من الارستقراطية الى الذهنية الديمقراطية بعنف وهيجان .

فالثورات لا تهدف الى الحرية وإنما الى المساواة أصلاً وهذا ما يقدسه الدين المدني الإئتلافي في الولايات المتحدة .

وصحيح أن أوروبا شهدت أهم منجزات العصور الحديثة الراسمالية والثورة الزراعية فالثورة الصناعية وصحيح أن المجتمعات الأوروبية شهدت نموا واسعاً من منتصف القرن التاسع عشر حيث تكونت المصانع الكبرى وازدهرت المدن وكثر السكان وانتظم العمل فسيطرت أوروبا على العالم وقلب الحضارة لكن العدالة الإجتماعية لم تكن هي هدف الحركة الفكرية المرافقة لهذا التغيير بل إن التغيير سخر الفكر الأوروبي الى المنجز الحضاري بعيداً عن المناداة بالمساواة وخلق عامل (رأس المال البشع) المتهم به مجتمع الولايات المتحدة اليوم. فكانت النتيجة المباشرة هي الحربين العالميتين التي احتضنتها أوروبا كمجال طبيعي وحيوي لمثل هكذا نشاط إنساني توافرت له ضروف رأس المال المنفلت بغياب الديانة المدنية والترسيخ الذي شهدته القيم الارستقراطية والطبقية المنماة .

وسواء بسبب تقدم العلم ومن ورائه التقنية أم بسبب نمو وربو الناتج الإقتصادي فإن الثمن المدفوع نتيجة غياب الدعاة للديانة المدنية كان باهظاً جداً .

التقنية بحد ذاتها ليست دافعاً للحروب والنمو الإقتصادي لا يدفع الى إنتهاك حرمة البيئة المقدسة لدى توكفيل والديانة المدنية لكن الحروب مرتبطة بالدول وهي تنظيم بشري ولو نظرنا الى الحرب العالمية الثانية لرأينا الإنسانية الأوروبية وهي تخنع لأناس ليسوا بمستوى الإندفاعة التقنية والإقتصادية ولا حتى كان من هم المجتمع الأوروبي منذاك أن يتساءل عن المحرك الديني لمثل هكذا حروب فما الذي كان يقودهم؟ الأول من عناصر تلك القيادة الكارثية كان غياب الدين المدني بمعناه لدى توكفيل والثاني كانت إستبدال الإنسانية الديمقراطية بالحث الأرستقراطي على مفاهيم الدولة الأمة التي تطاع الى حد الإنتحار فالحداثة مكنت الدولة من تعبئة الإمكانات البشرية وبعناوين قومية الى حد الإنفجار على شكل نشاطات الموت المقبول والذي لم تدرك كوراثه أوروبا إلا مع التخلي عن الشيوعية وحربها الباردة التي فهمها الأوروبيون على أنها غير مجدية .

والى آخر مرض ميزه توكفيل في غير المجتمع الأميركي فإن الثورات الإستقلالية أو السياسية إنما هي بالأساس فعل(بارا أرستقراطي) هيجان مشحون بالعواطف الشعبية يجد من يستغله من الطبقة الارستقراطية (التي تبدي تواضعاً) ويستحسن هذا التواضع والدعة في عيون الجماهير لكي تتحول الى ثورات إجتماعية في إتجاه تحويل السلطة من الطبقة الأرستقراطية الى طبقة شعبية  متميزة بأن لديها استعداداً الى الإنتماء الأرستقراطي مع الاحتفاظ بالأصل الشعبي وعادة ما يكون لممثليها قسط من الثقافة وكانوا أبناء طبقات محتقرة، وهذه الصورة بالضبط هي التي شهدناها في مطلع القرن العشرين في دول العالم العربي بعد قرن من موت توكفيل، لكن برز فيما بعد التواري عن التحول الإجتماعي الضخم بسبب الإجماعية الإسلامية ولوجود صورة العدو الخارجي ولان السلطة السياسية هي كل شيء فتتوارى المساواتية وراء السلطة المتولدة حديثاً ورجوعاً الى توكفيل نراه يطرح مشكلة الحرية وقد باتت الآن في الخيال الإجتماعي هي أساس الديمقراطية وهو يرى في ؤذلك خطراً لان المساواة أهم من الحرية وهذه الأخيرة لا يتمتع بها الا النخب السياسية على أن الديمقراطية الأميركية تكوّن فكراً عمومياً أي رأياً عاماً بمعنى المشاعر والأحاسيس وهو مفهوم أرسخ بكثير من مفهوم الثقافة الديمقراطية .

الى الآن كل ما استعرضناه من آراء توكفيل يبلور صحة الإتجاه الذي تسير به الروحية الأميركية في خلق ديانة جديدة لكن الدعوتية هنا هي التي ستكون السؤآل اللاحق لمستقبل هذ الديانة.

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر: جريدة الصباح-27-5-2007