ما التبعية السياسية ؟

 

علاء هادي

 

لتبعية، أكثر المصطلحات السياسة المستخدمة في الأدبيات السياسية المعاصرة لدول العالم الثالث والخطاب الشمولي الديكتاتوري، عادة، يوظف هكذا مصطلح في وصف أفراد أو حركات اعترضت فكريا أو سياسيا على الواقع المفروض قسرا وقدمت (كبديل لهكذا واقع) فكرا أو برامج طبقت في الخارج وحققت أهدافها المرجوة هناك.

و نتيجة لطبيعة الأنظمة الشمولية التي لا تسمح بالرأي الآخر-المخالف ولا تعترف بالمعارضة الحقيقية،  فقد اضطرت حركات التحرر المعاصرة إلى نقل مراكزها القيادية إلى خارج بلدانها كي تتمكن من إدارة عملية التغيير مرحليا من الخارج ولإعطائها فرصة اكبر في التحرك و تجاوز ماكينة القمع الحكومية المنظمة .

اونسبة إلى هوية  المكان الجغرافي لمركز القيادة في الخارج، فقد  اتهمت الأنظمة المتسلطة في الداخل تلك الحركات الوطنية بأنها تابعة أو عميلة للبلد المستضيف متجاهلة قصدا(الأنظمة المتسلطة ذاتها) أن أسباب تواجد تلك الحركات في الخارج هو طبيعة النظم الشمولية التي لا تعترف بحق الآخر في الوجود والتعبير والمشاركة في السلطة  إلا عن طريق العنف والقمع  الذي تعتبره مرادفا لشرعية الحكومة.التبعية، كمفردة سياسية تشمل العديد من المفاهيم والتعريفات التي لا يمكن تناولها هنا جميعا لذا سأسلط الضوء هنا على مفهوم تبعية الأجنبي، أي تبني  أفراد أو مجموعات ما لمنظومة فكرية معينة أو لمجموعة برامج محددة  تعود لأفراد أو مجموعات أخرى من خارج البلد ومحاولة الأخذ بها أو تطبيقها محليا. تختلف أسباب تلك التبعية وفقا لماهيتها أو سياقها الزمني والعلاقة التي تربط التابع بالمتبوع لا تأخذ خطا بيانيا ثابتا وهي متغيرة دائما وتعكس ظروفها الزما-كانية وما كان تابعا بالأمس قد يكون شريكا اليوم وما قد يراه البعض تبعية يراه الآخرون انتماء،تبني أو شراكة أو قد يفسر في مكان ما على انه حالة طبيعية من حالات التطور الإنساني لتبنى الأفضل  والأصح المقتبس من الخارج  وأقلمته مع خصائص البلد الجديد لتحقيق أهداف( مشابهة لمثيلاتها الناجحة في الخارج) في البيئة الجديدة.سأسلط الضوء هنا على عملية الاختيار الحر لفرد أو مجموعات في تبني منظومة فكرية ما أو تطبيق برنامج عمل ثبت نجاحه علميا وعمليا وحقق أهدافه المرجوة في موطنه الأصلي.  عملية الاختيار الحر، هنا، تختلف كليا عن التبعية المفروضة وهي عملية الإلحاق القسري عبر وسائل عسكرية (أو وسائل أخرى) تفرضها قوة كبرى مهيمنة على قوة صغرى راضخة وتتميز تلك العملية بالهيمنة المطلقة على مقدرات الأخر والسعي إلى تكريس حالة الانحطاط والتخلف وفقدان الهوية الوطنية والعمل دائما من أجل مصالح القوة الكبرى المهيمنة. على النقيض من ذلك, هنالك علاقة  الشراكة المتكافلة بين إطراف معينة من اجل الوصول إلى أهداف محددة تخص الشركاء وهكذا أهداف لا يمكن تحقيقها إلا إذا أتفق الشركاء على أهمية العمل المشترك الذي ينتجه تخطيط مشترك ورؤية واضحة لأهداف يعود نفعها على الشركاء ذاتهم.بكلمات أخرى، "التبعية" التي اعنيها هنا هي عملية تبني اختيارية لأفكار أو برامج معينة طبقت على ارض غير محلية وأثبتت إمكانيتها في تحقيق أهدافها المرجوة هناك ومحاولة الأخذ بجزء أو كل ما فيها لتطبيقها على ارض الواقع المعني من أجل السعي للوصول إلى نتائج مشابهة لما تحقق في مواطنها الأصلية. ونتيجة للتطور العلمي الحاصل في  الغرب فقد ظهرت ردود فعل متباينة من مختلف دول العالم ومنها بالتأكيد الدول النامية والتي رفضت(أو قسم منها) أن تواكب ذلك التطور وقدمت مشروعها السياسي والفكري الرافض(كليا أو جزئيا) للتطور العام العالمي على انه ضرورة مصيرية حتمية للمحافظة على الذات وتكريس الهوية الوطنية. ووفقا لتلك الرؤية فقد اعتبرت تلك الأنظمة إن محاولة إبداء النقد العلمي الموضوعي للواقع المعاش ومحاولة الأخذ بتجارب الدول المتقدمة وتطبيقها جزئيا أو كليا في بلدانها يعتبر نوعا من الانسلاخ عن الهوية الوطنية والذي سيقود إلى ضياع الملامح المحلية(الهوية الوطنية) والانصياع الأعمى للطرح الأجنبي الجديد الداعي إلى دراسة علمية معاصرة لأنظمة قديمة انتهت صلاحيتها وما زالت مطبقة قسرا على ارض الواقع.إن التطور العلمي المتزايد الذي يشهده العالم في جميع المجالات وفي مقدمتها مجال الاتصالات جعل سكان الأرض يعيشون في قرية صغيرة ويأخذون من الإبداع الإنساني ما يجعل حياتهم أفضل وأسهل.  بغض النظر عن انتماءات سكان الأرض العرقية والدينية والسياسية ومدى تقبلهم للنظام العالمي الجديد هم، اليوم، فعلا، أعضاء في البناء العالمي الجديد، لذلك فان ما يمارس في الغرب سينعكس على مايحدث في الشرق والعكس صحيح.  وبناء على مدى استيعاب أو تفهم هذه الحقيقة التي لا مهرب منها، تبلورت أفكار ومحاور وقوى جديدة في العالم استفادت من تجارب ونظريات الآخرين (وان كانوا غير محليين) وطبقتها بتصرف على ارض الواقع المحلي لتحقيق أهدافها الذاتية.  حين قدمت شركة مايكروسوفت إبداعاتها في عالم الحواسيب في نهاية الثمانينيات، صار الناس في الشرق والغرب يستخدمون الكومبيوتر والإنترنيت بدون أي سؤال عن هوية مخترع الكومبيوتر أو نظام الويندوز ويمكن تطبيق هذا المنطق على أجهزة الهواتف النقالة ونظريات علم الجبر التي أبدع فيها العرب وإبداعات ومخترعات أخرى من الصين والهند وأوروبا وأجزاء أخرى من العالم.  لم يبدأ مؤسسو الولايات المتحدة من الصفر بل كتبوا دستورهم بعد أن استوعبوا مفاهيم الديمقراطية اليونانية الكلاسيكية ومؤلفات فلاسفة الرومان وغيرهم من ناضلوا من أجل حرية الأفراد ضمن دولة توفر لهم الفرص المتساوية.

من أهم النظريات القديمة-الحديثة التي رافقت التطور الصناعي وعصر النهضة هي آلية الديمقراطية التي أثبتت نجاحها في المجتمعات التي تبنتها وذلك لاستنادها على أسس علمية ديناميكية متجددة قابلة للنقد والتغير ومرونتها وتقبلها لجميع الإفراد والمحاور في عملية صناعة القرار وفي إدارة المصالح المشتركة.  لذلك فالنظام الديمقراطي الحديث يعد من أكثر الأنظمة نضوجا وموضوعية في التعامل مع أهداف ومشاكل الجماهير وحتى يتم إيجاد نظام أكثر تطورا من النظام الديمقراطي المعاصر فستبقى آلية الديمقراطية الأكثر كفاءة ونجاحا وملائمة من الناحية التطبيقية لكل الأفراد والشعوب التي تطمح العيش بحرية بعيدا"عن آليات  النظم الشمولية .  بعبارة أخرى، الديمقراطية ليست أيدلوجية حزبية نحاول الترويج لها ضد أيدلوجية أخرى بل هي وسيلة، من ضمن الوسائل المتوفرة للجميع لاستخدامها  في عملية التمثيل الشعبي في صناعة القرار الذي يخص الشعب  وفي إدارة العلاقة بين الحكومة (بكافة مؤسساتها المتنوعة) والمواطنين.

نتيجة لما تقدم، هنالك جملة من التساؤلات أود طرحها للنقاش:

* ما الضير في تبني أفكار وبرامج جديدة عادت بالخير والرقي على مجتمعات أخرى (وان كانت أجنبية) تميزت بتعدد أطيافها العرقية والدينية والسياسية!

* ما الضير في طلب المساعدة من الآخرين في أمور يجيدونها(أو لهم خبرة فيها) ونحن في حاجة لها في الوقت الراهن وسوف نبذل جهدا ووقتا وتضحيات فيما لو قمنا بتطبيقها بمفردنا في أراضينا!

* ما الضير في تقييم أو تحديث نظام تقليدي مفروض أثبتت الوقائع المادية والمنطقية عدم صلاحيته لتحقيق طموحات الجماهير

* ما الضير في  الاعتراف الصريح بحقائق مادية ومعنوية نراها ونعرفها وأصبحت حقيقة واقعة في عالمنا الحالي

* ما الضير في رفض السلبي المفروض وإبداله بالجديد المطلوب والمثبت علميا وعالميا فاعليته في بناء مجتمعات حرة تمضي إلى المستقبل بخطى مدروسة ومتسارعة.

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر: جريدة الصباح-26-5-2007