هل تنكفئ الموجة الديمقراطية الثالثة؟

 

محمد عبد الجبار الشبوط

 

 

النموذج العراقي والنفط والفشل في تحسين حــياة الناس ثلاثة أسباب للتراجع العالمي

مثير للقلق ذلك الحكم الذي  اطلقه العالم السياسي الاميركي المعروف المختص بشؤون الديمقراطية لاري دايموند في كتابه الجديد الذي سوف يصدر في وقت لاحق من هذه السنة والذي يقول فيه:"دخلنا مرحلة كساد ديمقراطي عالمي".

فهل حقا دخلت في حالة كساد الاندفاعة نحو الديمقراطية التي انطلقت قبل حوالي 30 عاما والتي تحدث عنها صامويل هنتنغتون في كتابة "الموجة الثالثة" الصادر عام 1991، بعد ان اكملت مسيرة الديمقراطية في العالم موجتين الاولى في 1828-1926 والثانية في 1926-1975؟

اذا عدنا الى دايموند، فالجواب عن هذا السؤال هو: نعم! ويؤيده في ذلك، بيتر بينارت، عضو مجلس العلاقات الخارجية الاميركية، في مقالته في عدد 21 مايو من مجلة "تايم" الاميركية، مستشهدا بمسيرة الديمقراطية في نيجيريا التي بدأت عام 1999 حينما انتخب النيجيريون لأول مرة رئيسا لهم بعد حوالي 16 سنة من الحكم العسكري المباشر وحوالي اربعة عقود من الفشل الاقتصادي والسياسي، والتي انتكست هذه السنة بطريقة اثارت قلق المراقبين على مستقبل الديمقراطية في افريقيا وبقية انحاء "العالم الثالث". فعندما ذهب النيجيريون الى صناديق الاقتراع قبل حوالي شهر "خسرت الديمقراطية الجولة"، كما قال بينارت، فيما فاز الحزب الحاكم فيما اعتبره المراقبون اسوأ انتخابات في هذا البلد. ولم يكن هذا التراجع الديمقراطي  في نيجيريا مفاجئا، حسب بينارت، حيث انها تلتقط الموجة الجديدة، أي موجة انحسار الديمقراطية والحرية في العالم، من بنغلاديش الى تايلاند وروسيا.

لماذا يحصل هذا؟

يعطي بينارت ثلاثة اسباب لتفسير هذه الظاهرة الكونية الجديدة.

النموذج العراقي

وكما هو متوقع، فانه اعتبر ما  جرى ويجري في العراق سببا اولا. وليس  هذا مفاجئا. فقد كان نشر الديمقراطية في هذا البلد واحدا من المسوغات الاخلاقية والسياسية لحرب العراق، وكان مما قاله بوش ان القوات الاميركية سوف تترك وراءها في العراق بعد انسحابها منه دستورا وبرلمانا ومؤسسات. لكن الواضح ان الامور سارت باتجاه اخر وتحول المشروع الاميركي في العراق الى كارثة، وبدلا من تمتع العراق بنعمة الديمقراطية اصبح الان يعاني من نقمة الفوضى. ومع تفاقم هذه الكارثة، اصبح الحديث عن نشر الديمقراطية في الشرق الاوسط ابعد منالا، خاصة وان الولايات المتحدة اضحت بحاجة الى معونة بعض دول المنطقة لاخراجها من ورطتها في العراق، بشكل لم تعد معه قادرة على ممارسة الضغوط على هذه الدول لاجراء الاصلاحات السياسية والديمقراطية. ولم يعد بالامكان تسويق النموذج العراقي كمثال عن الديمقراطية. ويكفي ان نتذكر سخرية الرئيس الروسي فلاديمير بوتين من الرئيس بوش حين دعاه الى محاكاة النموذج العراقي ولسان حالة يقول:"الاّ هذه!"

ويقول دينيس روس، مدير التخطيط السياسي في وزارة الخارجية الاميركية في عهد الرئيس بوش الاب، في مقال نشر مؤخرا في صحيفة "واشنطن بوست" ان علينا "الاعتراف، اولا، ان العراق لن يكون بلدا ديمقراطيا موحدا ومثالا يحتذى به في المنطقة، فالعنف والانقسام السني الشيعي نسفا من قبل هذا الهدف."

ومن قبل قال جوست هلترمان، مدير مشروع الشرق الاوسط في "مجموعة الازمات العالمية"، ان اعتبار ما يجري في العراق "ديمقراطية ناشئة انما هو اهانة للديمقراطية"، مفضلا القول،  كما نقلت عنه صحيفة "واشنطن بوست"، بأن "العراق ينزلق نحو فوضى كاملة؛ البلد لا يمر بعملية بناء مؤسسات."

النائب الكردي الصريح والجريء محمود عثمان قال:"هناك الكثير من الحرية، لكنها ليست ديمقراطية." بالنسبة لمحمود عثمان الذي عاش فترة ليست بالقصيرة في بلد ديمقراطي غربي، فان ما يجري في العراق "لا يشبه الديمقراطية بالنسبة لأي كان، باستثناء بعض الاشخاص في الحكومة العراقية والادارة الاميركية. لكنه ليس كذلك بالنسبة لمعظم الناس."

سعر النفط

يستعير بينارت السبب الثاني من الكاتب والصحافي الاميركي الشهير توماس فريدمان  رؤيته لعلاقة النفط بالديمقراطية. كان فريدمان قد تحدث في كتابه الشهير "العالم مسطح" عن "لعنة النفط" حيث قال: "لم يساهم شيء في تأخير ظهور اطار ديمقراطي في اماكن مثل فنزويلا ونيجيريا وايران اكثر من لعنة النفط، وطالما ان بوسع حكام هذه الدول النفطية الحصول على الثروة باستخراج مواردهم الطبيعية - مقابل استخراج المواهب الطبيعية لشعوبهم وطاقاتها - فان بوسعهم البقاء في السلطة الى الابد. فبامكانهم استخدام اموال النفط لاحتكار كل ادوات السلطة -الجيش والشرطة والاستخبارات- دون ان يكون عليهم ادخال شفافية حقيقية او تشارك السلطة. فما عليهم سوى الاحتفاظ بالسيطرة على حنفية النفط." ثم يضيف:"لن ينتهج قادة الشرق الاوسط سبيل الاصلاح الا عندما يجبرهم هبوط اسعار النفط على تغيير الاطر." وبذا يؤسس فريدمان معادلته التي تقول ان حركة سعر النفط الخام، وحركة الديمقراطية، تميلان الى السير باتجاهين متعاكسين. قبل حادثة 11 سبتمبر عام 2001 كانت اسعار النفط تتراوح بين 20 الى 30 دولارا للبرميل الواحد. اما الان فالسعر يترواح بين 50 الى 65 دولارا للبرميل الواحد. وهذا يمنح الاتوقراطيات النفطية، مثل فنزويلا، قدرة مالية اكبر على سحق الحركات الاحتجاجية الديمقراطية في بلدانها، كما يكون من الاسهل على هذه الانظمة ان تؤثر على الاتجاهات العالمية وممارسة الضغوط على الاخرين. ويلاحظ بينارت ان هذه الانظمة كانت في حالة دفاع قبل عقد من الزمان، اما الان  فهي في حالة هجوم.

تحسين حياة الناس

يبقى السبب الثالث والاهم، وهو قدره الديمقراطية  على النهوض بمستوى حياة الناس. فقد اظهرت السنوات الماضية ان الديمقراطية لم تستطع ان تحقق هذا الامر الذي يؤدي الى  عزوف الناس عنها، وربما تفضيلهم الدكتاتورية عليها.ففي  العديد من الدول التي اتجهت صوب الديمقراطية منذ نهاية الحرب الباردة، لم تؤد الانتخابات الحرة الى تقليل الفساد والعنف والفقر.

انه من الصحيح القول بان الناس لا يريدون فقط العيش بحرية، انما بكرامة وفرص واعدة وامان وعدالة بسيطة. ومالم توفر الديمقراطية هذا، فان الناس لن يعتبروها قضيتهم المركزية.

وهذا هو جوهر الفشل في العراق، لم توفر "الديمقراطية" كل هذه المتطلبات. فبعد اربع سنوات من اسقاط نظام صدام الدكتاتوري تحول العراق الى دولة فاشلة اقتصاديا وسياسيا وامنيا. وأوضحت تقارير 4 منظمات دولية نشرت اخيرا وإحصائيات لوزارات عراقية متعددة ان العراق بات الدولة الاكثر فسادا.. والثالث بين 60 دولة فاشلة في العالم. وتؤكد التقارير، التي صدرت جميعها خلال ابريل (نيسان) الماضي، ان العراق تحول خلال السنوات الاربع الماضية منذ دخول القوات المتعددة الجنسيات بقيادة الولايات المتحدة، إلى دولة قاتمة المعالم، ومجتمع غالبيته من الأرامل واليتامى والمطلقات والمعوزين، تسود فيه جرائم الفساد الإداري والاعتداء على الملكية العامة‏، ‏والتهريب، وارتفعت معدلات السرقة والسطو المسلح‏،‏ وعمليات الاختطاف‏،‏ والاغتصاب‏، والإدمان،‏ وفقدان الشعور بالأمن وجنوح الأحداث. فقد أكد تقرير منظمة الشفافية الدولية صدر أخيرا "أن ما حذرت منه في آذار 2005 قد تحقق، أو بات قاب قوسين أو أدنى، وهو إن العراق بات الاكثر فسادا بين دول العالم". واشار الى ان عددا من المسؤولين العراقيين في مستويات مختلفة، يمارسون نهباً منظماً للدولة وثرواتها ومرافقها، يتكامل مع إقدام الاحتلال على تبديد مليارات الدولارات من الأصول العراقية التي تم الاستيلاء عليها بعد سقوط النظام السابق. واشار تقرير منظمة صندوق السلام الأميركية إلى ان "العراق احتل المرتبة الثالثة بين دول العالم الأكثر فشل، وقد احتل هذا الترتيب من بين أسوأ 60 دولة فاشلة من دول العالم ـ بدرجة وضع حرج". وتركز هذه المنظمة على متابعة أوضاع الدول التي يتسبب فشلها في إدارة شؤونها بتعريض الأمن والاستقرار للخطر. والعراق، وفق تقييم منظمة الشفافية العالمية، يتصدر قائمة أسوأ دول العالم في الفساد المالي والإداري بسبب النهب الواسع لثرواته وموارده وسوء الإدارة فيه، حيث وصل انتشار الفساد المالي والإداري في مؤسسات الدولة في ظل الحكومات التي أعقبت الاحتلال لأكثر من 70% حسب تقدير راضي الراضي مسؤول هيئة النزاهة في العراق. وكشف تقرير المنسق الإنساني للمنظمة الدولية في العراق عن زيادة أعداد الأرامل اللواتي يعلن أسرهن إذ لم تتمكن وزارة العمل والشؤون الاجتماعية من إحصاء كامل للأعداد التي بلغت لحد الان 565‏ ألف امرأة أرملة فيما يصبح في كل يوم 400‏ طفل يتيما في بغداد لوحدها نتيجة أعمال العنف. كما ارتفعت معدلات الطلاق 22% من عام 2003 ـ 2006، في حين تراجعت نسبة الزواج لنفس الفترة إلى 50%، بحسب إحصاءات وزارة العدل العراقية. أما على الجانب الاجتماعي الذي شهد انهيار حاد فقد أظهرت دراسة بعنوان "خارطة الحرمان ومستوى المعيشة في العراق" أعدها برنامج الأمم المتحدة الإنمائي بالتعاون مع وزارة التخطيط والانماء العراقية عن واقع مستوى المعيشة للعائلة العراقية في الوقت الحاضر، حيث أشارت الدراسة الى ان مستوى المعيشة منخفض في ميدان التعليم بنسبة 31.8 % وفي مجال الصحة 22.7 % والبنى التحتية الضرورية للعائلة بنسبة 58.2% والسكن 20.1% والوضع الاقتصادي بنسبة 55.1% بينما بلغ انخفاض مستوي المعيشة للأسر نسبة 31.2 % كما أوضحت وزارة العمل والشؤون الاجتماعية العراقية أن مستوى الفقر تجاوز بمقدار 35% عن مستوى الفقر قبل عام 2003، وان حوالي 5.6 مليون عراقي يعيشون تحت مستوى الفقر بينهم 40% يواجهون تدهور حاد في معيشتهم، مما ادى إلى اتساع ظاهرة الباحثين عن الرزق بين جبال القمامة وحقول الألغام وغيرها. وأكدت تقارير لمنظمات إنسانية أخرى ان حالة التدهور الأمني وتنامي نسب البطالة والهجرة القسرية من المناطق الساخنة ومن الأرياف إلى المدن والتضخم المتزايد أوجد ضغوطا متصاعدة على الأسرة مما تسبب في تفكك بعض الآسر وازدياد نسبة الفئات المهمشة‏،‏ من الأيتام‏، والمشردين‏،‏ والمعوقين‏،‏ والمتسولين‏،‏ والأرامل المعيلات لأسرهن‏، اللائي اضطررن الى إيجاد أماكن للسكن لها في بيوت الصفيح والمباني المهجورة. من جهته قال بيان صدر أخيرا عن جمعية الإصلاح لمكافحة المخدرات في العراق إن أعداد الذين يتعاطون المخدرات في ازدياد بسبب الحرب التي تسببت بالفوضى الأمنية والتي جعلت من العراق سوقاً للمخدرات منها ما يصرف في البلد ومنها ما يمر عبر أراضيه. وأشارت الإحصائيات الصادرة عن وزارة الصحة إلى ان أكثر من 24 ألف عراقي قد تعاطوا المخدرات العام الماضي، إلا إنها لم تظهر لحد الآن الإحصائية التي تخص المدمنين منهم. ودق تقرير الهيئة الدولية للصليب الأحمر ناقوس الخطر حول تدهور الأوضاع الإنسانية في العراق، وأفادت دوماني المتحدثة باسم منظمة الصليب الأحمر الدولية في بيان صحافي أعلنته الأسبوع الماضي من مقر المنظمة في عمان "ان المنظمة الدولية قلقة جداً من تدهور الوضع الإنساني في العراق". وقالت ان "العنف الذي يطال المدنيين يومياً يؤثر بشكل مباشر على الأوضاع الإنسانية وعلى الخدمات الأساسية المقدمة للمواطنين". وأشارت إلى أن الخدمات الأساسية في العراق من صحة وماء وكهرباء تعاني من نقص خطير في الموارد البشرية والمستلزمات وان المستشفيات غير قادرة على التعامل مع العدد الكبير من الجرحى إضافة إلى أن الكثير من الأطباء والممرضين تركوا المهنة بسبب الخوف". وشددت دوماني على أن "المشكلة في العراق اليوم ليست مشكلة عسكرية ولا سياسية ولا جيو استراتيجية وإنما هي مشكلة إنسانية في المقام الأول". وفي الوقت الذي يلجأ فيه آلاف من الأطفال إلى مكبات النفايات بحثا عن الغذاء، وبعد فضائح البواخر التي وصلت إلى ميناء أم قصر وهي محملة بمئات الآلاف من أطنان الرز المتعفن، أعلن بيان صادر عن هيئة النزاهة العامة عن فقدان العراق لـ75 الف طن من الحنطة الأميركية المستوردة لحساب البطاقة التموينية. ويرى القاضي راضي حمزة الراضي رئيس هيئة النزاهة العراقية، في تصريحات صحافية ان "الفساد ازداد واتسع بعد سقوط نظام صدام حسين" موضحا ان "ثمانية وزراء من الحكومات المختلفة التي تعاقبت في العراق" بعد الغزو، أحيلوا للقضاء بتهمة الفساد، "ولكن المحاكمات لم تتم لان أكثرهم هرب إلى خارج البلاد وبعضهم يتمتع الآن بحصانة برلمانية لم يتم رفعها عنه بعد"، بينهم وزير الدفاع السابق في حكومة اياد علاوي، حازم الشعلان، "المتهم بإهدار 1.3 مليار دولار من المال العام" مع 72 مسؤولا آخر من تلك الحكومة. وشدد راضي على ان مكافحة الفساد تواجه مصاعب كبيرة، مشيراً إلى "مقتل 51 قاضياً ممن أصدروا احكاما في قضايا فساد أو إرهاب و12 من محققي هيئة النزاهة" خلال عامي 2005 و2006. وقال انه "تمت إحالة 4100 قضية فساد إلى القضاء خلال العامين المذكورين بينها 24 قضية تشمل وزراء ووكلاء وزارات ومديرين عامين.

العبرة الاثينية

ومن شأن هذا الوضع المتردي ان يؤثر على مدى تعلق الناس بالديمقراطية واحتفالهم بها، مقابل همهم العالي بشأن الامن والخدمات ومستوى المعيشة.

ويقدم لنا التاريخ تجربة في غاية الاهمية من حيث دلالاتها على هذا الامر. وهي تجربة اثينا، التي يعتبرها البعض مهد الديمقراطية، وكيف تخلى اهلها بعد ذلك  عن الديمقراطية بعد ان ساءت احوالهم المعيشية ورضوا بالخضوع الى حكم دكتاتوري استبدادي.

ففي عام 431 ق.م بدأت اسبارطة واثينا الحرب بينهما، التي عرفت بحرب البيلوبونيز، والتي استمرت 27  عاما، وادت الى التعاسة والبؤس والكآبة والجوع والدمار والخراب والطاعون والغليان السياسي على مدى جيل كامل.

ونتيجة لهذه الاوضاع البائسة وبسبب اليأس من اصلاحها، سلم الاثينيون زمام امورهم الى جماعة من الدهماء الذين راحوا يقودونهم من نكبة الى اخرى.  وما ان انتهت الحرب في عام 404 ق.م  حتى استغلت جماعة الفوضى السياسية واستولت على الحكم، وشكلت مجلس الثلاثين لحكم اثينا، بزعامة كريتياس الذي نفى 5 الاف ديمقراطي واعدم 1500 اخرين، وعلق الحريات ولا سيما حرية التعبير.

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر: جريدة الصباح-23-5-2007