الدولة العراقية بين المؤسساتية والشخصانية

 

د. علي دريول محمد

 

 

يقصد بمفهوم”بناء الدولة“ هي تلك العملية التكاملية التي تتمخض عنها تحولات جذرية في بنية وثقافة المجتمع قيد الدراسة واعادة هيكلية نظامه السياسي وفقا لنموذج الدول العصرية، دولة المؤسسات المستقرة والفاعلة دولة الرفاهية الاقتصادية التي ينعم بها وبخيراتها كل افراد المجتمع على نحو من التساوي، دولة تصان بها كرامة الانسان وحرياته الاساسية، ويعد النموذج العراقي من بين النماذج التي يتعين على الباحثين والمختصين دراسته من حيث بعده التاريخي وتوجهاته المستقبلية بمعنى دراسة حالة التحول الكبيرة التي يفترض ان تطال المجتمع العراقي الذي حكم او او ادير من قبل نظام شمولي ومركزي، الى مجتمع جديد هناك تطلع لان يدار من قبل نظام ديمقراطي تعددي ذي آليات المعروفة، الاشكالية التي تطرحها هذه الدراسة هي: هل ان التحول في النظام السياسي من النظام الشمولي الى الشكل الديمقراطي سوف يلغي او ينسخ ما اعتادت عليه الطبقة السياسية العراقية التي انتجتها الحقبة الماضية لاسيما فيما يتعلق بشخصنة السلطة وعباد الفرد القائد او الزعيم من خلال الآليات والقنوات التي افرزتها عملية الاخذ بالتجربة الديمقراطية في ادارة الدولة والنظام السياسي والتي تلعب المؤسسات فيها دورا رئيسا وتكون بمثابة العمود الفقري الذي يستند عليه النظام الديمقراطي.

دراسة”شخصنة الدولة“ تعد من الدراسات الحديثة نسبيا، على الرغم من كونها ظاهرة شهدتها المجتمعات عموما ولفترات ضاربة في القدم فهي تشير الى”مجموع المظاهر التي تعزز ظاهريا او فعليا سلطة شخص على نحو تندمج فيه السلطة بشخص من يمارسها بحيث يصعب بعد ذلك التمييز بين ما هو مجرد مركز قانوني ووضعي وبين ما هو طبائع شخصية للزعيم او القائد “.

من جانب اخر تعد عملية بناء المؤسسات او ما يعرف بـ”المأسسة “ المقدمة المنطقية لبناء الدولة العصرية- دولة المؤسسات واحترام حقوق الانسان وحرياته الاساسية- فهي احد اهم آليات ذلك النظام السياسي في اداء وظائفه المتنوعة وهي في الوقت ذاته احدى مقتضيات نمو وتطور نظام سياسي يكون قادرا بدرجة عالية على الاستجابة لمطالب بيئته. هذا فضلا عن ان بناء المؤسسات خصوصا في دولة العراق تبدو ضرورية في حالة التعبئة الاجتماعية ذلك لان النظام السياسي الجديد ليس بوسعه استيعاب التغيير السياسي للفئات الجديدة من السكان اذا لم يمتلك القدرة على بناء المؤسسات التي تتمكن من استيعاب الادوار السياسية لتلك الفئات من خلال اطار قانوني ومؤسسي، في حين ان جميع اشكال التحديث الاقتصادي والاجتماعي يتطلب هو الاخر اطارا مؤسسيا يعكس حالة انتقال المجتمع نحو التحديث او هو يتضمن من بين امور اخرى اعادة توزيع للمهمات الاجتماعية وظهور السلطة العقلانية المستندة على وثيقة دستورية محترمة ان لم نقل مقدسة، واعتماد التباين بين البنى السياسية على اساس توزيع المشاركة السياسية، فالمؤسسات تباشر وظائف مهمة للمجتمع ومن ثم للنظام السياسي قوامها التنسيق بين الفاعلين الاجتماعيين وتحديد الاهداف الاجتماعية المشتركة. وتأسيسا على ما تقدم فان بناء المؤسسات مرتبط الى حد بعيد بتوجهات النظام السياسي”البناء الايديولوجي للنظام السياسي “ من جهة وكذلك بخصائص الثقافة السياسية للمجتمع الذي ينبثق عنه ذلك النظام السياسي بحيث تكون النتائج ايجابية بمعنى بناء مؤسسات تنتج التحديث والتنمية السياسية فقد عندما تكون تلك الثقافة السياسية ذات اصول ديمقراطية، على ان قدرة اي نظام سياسي في انجاز اهدافه ووظائفه- كما يرى صاموئيل هنتكتون انما تتوقف على بناء هذه المؤسسات التي تساهم في حل مشكلات التنسيق بين وظائف تلك المؤسسات وعلى النحو التالي:

1.اهمية اخضاع بناء عمل المؤسسات للتخطيط لتجنب ما يطلق عليه”انعدام التوازن المؤسسي “ سواء التوازن المكافئ او التوازن الوظيفي.

2.ضرورة ان يتسم النظام السياسي المبني على المؤسسات بقدرة عالية على التكيف بمعنى القدرة على مواجهة التحول وصيانة البناء والتحدد حسب الفترات التاريخية المختلفة.

3.ضرورة ان يتسم بناء النظام المؤسسي بالتكامل اي عدم خضوع وظائفه السياسية لمؤسسة واحدة.

4.تستند اقامة نظام المؤسسات على قدر من الاستقلالية الذاتية للبنى السياسية، استقلالية الدولة، بالقياس للقوى الاجتماعية والاقتصادية كذلك استقلالية الاحزاب السياسية عن اصولها الطبقية والاجتماعية، اذ تتحول الى قوة للدفاع عن مختلف الطبقات والفئات لذا يتعين بناء نظام سياسي مبني على اساس الاستقلالية والحياد وان يضمن الجهاز الاداري عناصر كفوءة تعمل لخدمة المصلحة العامة.

السؤال بعد كل هذا ماهي حدود المقاربة في عملية بناء الدولة العراقية بين هذين المضمونين”الشخصانية والمؤسساتية “.؟

الواضح من خلال تجربة السنوات الماضية منذ نيسان 2003 التي تخللتها عملية وضع اللبنات الرئيسة للدولة المنشودة لاداء المؤسسات التي بدأت عمليا بوضع مسودة دستور ثم الاستفتاء عليه واخيرا تشكيل حكومي يفترض ان يكون مستندا على نتائج الانتخابات التي جرت بموجبه، نقول ان: هذه العملية المترابطة يفترض ان تنبثق عن بنية فلسفية”ثقافة سياسية“ ديمقراطية والتي تعد القاعدة الصلبة التي يتأسس عليها اي نظام ديمقراطي لكي تكون النتائج مقبولة على اقل تقدير، لكن الملاحظ اننا شهدنا ظواهر سياسية غريبة عن تطبيقات العملية الديمقراطية التي تؤسس لدولة القانون والمؤسسات، عمليات ومشاهد بدأت بالحملات الانتخابية مرورا بالسلوك التصويتي للمواطنين ولم تنته باعلان نتائج الانتخابات وبالتالي فان عميلة بناء الدولة العراقية المستندة على النموذج الديمقراطي وان كانت قد انطوت على بعض المظاهر الايجابية الا انها سجلت سقطات خطيرة من قبيل استمرار دور ومكانة ما عرف بـ”شخصنة السلطة “ فالاحزاب السياسية والكتل السياسية المؤتلفة داخل البرلمان تمحورت حول شخصية بعينها اضحت تختزل الحزب والكتلة بشخصها وسلوكها، في حين شهدت عملية اقامة المؤسسات التي تؤدي واجبات من صميم عمل النظام السياسي جملة من التشوهات نتيجة لانها جاءت مقطوعة الجذور، بمعنى انها لم تنبثق عن ثقافة ديمقراطية بل جاءت نتاجاً للمرحلة السابقة التي لم تعرف عمل المؤسسات انما نشأت وتربت على دور الاشخاص في انجاز الاعمال والمهام والواجبات الموكلة اليها وفي كل المجالات.

*مدير وحدة البحوث والدراسات السياسية.

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر: جريدة الصباح-22-5-2007