جائزة "الديمقراطي العربي"... من يبادر؟

 

خالد الحروب

 

هناك حاجة ماسة لإطلاق جائزة سنوية بعنوان "جائزة الديمقراطي العربي" تمنح سنوياً لشخصية عربية قدمت مساهمة فعالة وكبيرة لجهود الدمقرطة في العالم العربي. وإن وجدت مؤسسة رصينة سواء في داخل البلدان العربية أم خارجها تتبنى هذه الفكرة فيجب أن تمنح للرئيس الموريتاني العسكري اعلي ولد محمد فال, الذي أوفى بما وعد به وسلم الحكم إلى المدنيين وفق انتخابات حرة ونزيهة لم يحدث نظيرها في العالم العربي حتى الآن. أقدم هذا الاقتراح لمشروع دراسات الديمقراطية في البلدان العربية الذي ينظم سنوياً في جامعة أكسفورد ويشرف عليه الصديقان الدكتور رغيد الصلح والدكتور علي الكواري.. هناك جوائز في العديد من المجالات في أكثر من بلد عربي تُمنح بهدف تشجيع هذا الجانب أو ذاك في الحياة العربية. وهي في مجملها جوائز مهمة ومفيدة, وإن كان بعضها يحتاج إلى شفافية في معايير الاختيار. لكن إلى الآن لا توجد جائزة على مستوى عربي تنظم بهدف تشجيع الديمقراطية والتسيُّس الديمقراطي. مسلسل الدمقرطة الموريتاني ربما يكون مناسبة لبحث تأسيس مثل هذه الجائزة وإطلاقها إلى حيز الوجود.

يصل الرئيس الموريتاني العسكري اعلي ولد محمد فال إلى القصر الرئاسي في سيارة التشريفات الرئاسية لتسليم مهام منصبه للرئيس المدني المنتخب سيدي ولد الشيخ عبدالله. بعد انتهاء حفل ومراسم التسليم يغادر اعلي ولد محمد فال القصر مستخدماً سيارته الخاصة, ويعود إلى بيته الأصلي قبل أن يستولي على الحكم عبر انقلاب عسكري أبيض. في الحفل المذكور لم يتواجد أي زعيم عربي, ولم يتواجد الأمين العام للجامعة العربية. لا أحد يعرف ما الذي شغلهم عن حضور أهم حدث سياسي ديمقراطي في حاضر العرب الراهن. ربما خجلوا من الحضور! وتواجد عدد من الزعماء الأفارقة فقط.

سيظل مشهد التسليم والاستلام السلس والسلمي للحكم في نواكشوط هذا العام منعطفاً يرصده التاريخ, وإن كان قد أهمله الحاضر ولم يوله الاهتمام المطلوب خشية من عدوى التأثير ووطأة الصورة الخلابة.

على كل حال مشروع الدمقرطة الموريتاني ليس كاملاً ولا خالياً من النواقص. ومستقبله المنظور وبعيد المدى لا زال مرهوناً لشروط عديدة ستساهم في إنجاح التجربة أو إفشالها. والاندفاع في التشجع لها لا يتضمن تأييداً من دون نقد. فالنقد والشفافية والمحاسبة هما روح الدمقرطة, وما يضمن تطورها وترسخها. لكنه في الآن ذاته مشروع ريادي وطليعي وفريد في التجربة العربية لدولة ما بعد الاستقلال. أن تُجرى انتخابات رئاسية بين عدد من المرشحين من دون أن يكون الفوز المضمون من نصيب أحدهم مسبقاً هو أمر غير عادي بمعايير التجارب العربية الحديثة. وأن يفوز رئيس بنسبة 53% من الأصوات مقابل فوز منافسه الرئيسي بـ47% من تلك الأصوات فذلك وسام على صدر كل الموريتانيين, شعباً وسياسيين. وقبل مشهد الانتخابات الرئاسية كانت الانتخابات البرلمانية تنتزع إعجاب واستحسان كل من راقبها وشهد بنزاهتها ونظافتها. رئاسة البرلمان تؤول إلى واحد من أهم سياسيي المعارضة, وأقوى الأصوات التي كانت تدين حكم ولد الطايع بالنسبة لموضوع العدالة والإنصاف خاصة بحق الأرقاء المحررين. حدث ويحدث ذلك في مجتمع قبلي وفقير, فيما مجتمعات عربية عديدة تزعم الحداثة والرفاه ما تزال مكبلة في تسيس استبدادي عميق المدى.

لكن علينا ألا ننسى أن وراء إنجاح التجربة الموريتانية وقف رجل صدق ما وعد الموريتانيين به اسمه اعلي ولد محمد فال. وهو يستحق أن يُشار إليه بالتقدير والاحترام. طبعاً ستظل مسألة أن يأتي جنرال من الجيش ويقود انقلاباً عسكرياً ثم يعد الشعب بالديمقراطية مسألة مفتوحة للنقاش والسجال الساخن. ففكرة الانقلاب العسكري ضد أي حكم مدني مرفوضة من ناحية المبدأ وهي ضد أي تسيس صحي. لكن حكم معاوية ولد الطايع لم يكن حكماً مدنياً بأي حال من الأحوال. كان حكماً عسكرياً بامتياز, والانقلاب عليه كان انقلاباً داخل البيت الواحد. كان كغيره من الديكتاتوريات العربية التي يحلو لجنرالات الحكم العسكري والبوليسي فيها أن يرتدوا بزات مدنية ويزعموا أنهم يقودون حكماً مدنياً. لو خيرت الشعوب العربية بين أن تتواصل الاستبدادات العسكرية التي تعاني الأمرَّين تحت جبروتها, وأن يأتيها انقلاب عسكري ينتهي بعد سنة ونصف بديمقراطية بحسب "النموذج الموريتاني" فإنها ستختار الحل الثاني من دون نقاش.

في طول وعرض العالم العربي هناك نقص فاضح في شريحة "الحكام والسياسيين المستقلين والمستقيلين طواعية". نعرف جميعاً أن الحاكم العربي لا يتزحزح عن الكرسي إلا بالموت أو الانقلاب ... وحديثاً عبر التدخل الأجنبي كما في حالة حاكم العراق السابق! لكن بعيداً عن الكوميديا السوداء لهذا المشهد فإن النقص في تلك الشريحة قاد ويقود إلى غياب طبقة من الحكماء والخبراء الذين يثق الناس برأيهم وخبرتهم ويقدرون رأيهم وتاريخهم. هناك دور محوري وحيوي لوجود طبقة مكونة من سياسيين اعتزلوا السياسة اختياراً, أو تقاعدوا من العمل السياسي بعد أن كانوا قد خاضوه على أسس شريفة, أو حكام أو رؤساء وزراء تركوا كراسي الحكم من دون عنف وبقوا على قيد الحياة. فهؤلاء يعطون للسياسة والتسيس روحاً رصينة ويعززون الثقة بالنظام والقانون والسياسة. يوفر وجودهم قدراً من العمق السياسي والطمأنينة المطلوبة في خلفية مشهد التنافس والصراع السياسي السلمي والديمقراطي على الحكم. وفي أكثر من مرحلة وعند أكثر من انعطافة وأزمة يكونون الملجأ الذي قد يأتيه المتخاصمون طلباً للرأي والمشورة, وربما الفصل في المنازعات, محلياً وإقليمياً. إنه الدور الذي يلعبه وجود نيلسون مانديلا في الخلفية السياسية في جنوب أفريقيا. وهو الدور الرصين, وإن كان على مستوى أقل, الذي لعبه في سنوات متعددة وإن خلف الكواليس, المشير سوار الذهب. وهو كان قد قام في السودان بما قام به اعلي ولد محمد فال في موريتانيا, رغم اختلاف التجربتين, ذاك أن التجربة السودانية في الثمانينيات كانت نتائجها, وتحديداً قدوم الصادق المهدي وفوز "حزب الأمة" بالانتخابات, معروفة أو متوقعة سلفاً.

من المؤمل أن تتشكل طبقة حكماء في موريتانيا توفر للتجربة الديمقراطية عمقاً تتكئ عليه. ليس أفضل من تشكل هذه الطبقة حول الرئيس المستقيل, يكون دورها ليس فرض وصاية على الديمقراطية, بل تعزيزها بالخبرات والآراء المنزهة عن المآرب السياسية. الوليد الديمقراطي الموريتاني يحتاج إلى رعاية مكثفة في سنواته الأولى. لحد الآن تشير ممارسات الرئيس الجديد والبرلمان الجديد إلى رصانة وجدية تُقدر وتحترم. الرئيس حريص على برامج سياسية وتنموية متوافق عليها وضمن حكومة ائتلاف وطني, ويريد أن يتجاوز مناكفات العملية الانتخابية التنافسية. وعندما يعهد إلى أحد منافسيه على الرئاسة بتشكيل الحكومة, وعندما تتشكل الحكومة من تكنوقراط ووجوه جديدة, فذلك كله مؤشرات إيجابية.

الدعم العربي, الغائب, رسميا وشعبياً للتجربة الديمقراطية الموريتانية فاضح. لكن ما زال ثمة قدرة على ستر الفضيحة, وأحد جوانب تلك الإمكانية هي تقدير الجندي المعلوم الذي كان وراء إنجاح هذه التجربة. ففي تكريمه دعم للتجربة ودفع للموريتانيين للتشبث بديمقراطيتهم الجميلة ليواصلوا إحراجنا جميعاً، ذلك الإحراج الإيجابي المطلوب.

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر: الإتحاد الإماراتية-21-5-2007