خطاب الليبرالية

 

علي حسن الفواز

 

قــراءة في مواجهــة إشــكالية الأزمــة

نعرف جميعا ان مرجعيات الخطاب الليبرالي في مجالاته السياسية والثقافية  هي مرجعيات غربية بدءا من نشوئها كمفهوم مع نشوء الطبقة البرجوازية في اوربا وتطورها مع تطورات وتحولات الثورة الصناعية وصعود حركة رأس المال بمستوياته الاحتكارية وانتهاء بالمركز العولمي الذي فرض شروطه الضاغطة على الانظمة الرأسمالية ومكونات الاسواق والاقتصادات العالمية

لقد واجهت الليبرالية صراعات حادة في اطار جدلها الدائر  مع الحركات العمالية الصاعدة والمكونات الاخرى ذات النزعات الدينية والاجتماعية ،فضلا عن مواجهتها اطر مفهومية اخرى ترتبط بفكرة الدولة وبناء النظام الديمقراطية وضمان حقوق الناس في ظل التعدديات ومركزة القوى التي تسيطر على حركة رأس المال، كل هذا وضعها امام اسئلة حادة ترتبط بصلاحية النظام الليبرالي في بناء مجتمعات حديثة ؟ وهل ان الثقافة الليبرالية يمكن ان تحترم الثقافات المتعددة وتعمد على صيانتها دون تذويبها في الثقافات القوية والمهيمنة؟

 تنتمي الثقافة الليبرالية في تأسيساتها و آلياتها الى انماط (تفكيرية)  وايديولوجية ارتبطت  بمنظومة  واسعة من المفاهيم التي  اقترنت ايضا  بالتحولات الكبرى في الغرب بدءا من تشكلات  ما بعد الثورة الفرنسية، وتفكك خطاب الهيمنة الكنائسي ومهيمنات الثقافة البطرياركية في مشروع الدولة الاوربية التقليدية ، وصولا الى ظاهرة  نشوء الاحزاب الجديدة (لديمقراطية) ذات النزعات الليبرالية والتحررية و التي تبنت معطيات ما تمظهرت من بنيات فكرية وثقافية وايديولوجية ، اسهمت الى حد ما في نشوء ظاهرة (المجتمع السياسي)  في مرحلة  ما بعد  الحرب العالمية الاولى ،التي وجدت مظاهرها في انهيار انماط الثقافات المركزية !!  وتفكك البنيات الاقتصادية والسياسية التقليدية  التي ارتبطت ازماتها بازمات الكساد  الاقتصادي الذي اجتاح الغرب الاوروبي واميركا في بداية القرن الماضي، فضلا عن نشوء ملامح العودة الى مفهوم الدولة القومية القوية والذي وجد مظاهره في ايطاليا والمانيا واليابان وروسيا التي سعت الى مركزة مفهوم هذه الدولة عبر السيطرة على قوميات اخرى بحثا عن شكل الدولة القوية

يقترن مفهوم الليبرالية في الاطار التعريفي بوجود ديمقراطية نيابية تكون السلطة السياسية فيها مقيدة بدستور الغاية منها حماية حقوق الافراد في المجتمع وتسمى بـ(الحرية الدستورية) كما تعرفها الموسوعة الحرة ،حيث تجد في الديمقراطية الليبرالية تطبيقات اجراءات تستند الى مفاهيم التسامح والتعددية والتي تسمح بتعايش وجهات النظر المختلفة وان يكون التنافس على تسلّم السلطة السياسية في اطار المجتمع..

 ان نشوء اوليات الخطاب الليبرالي  كانت بالاساس هو السعي لمواجهة نشوء هذه الدولة الطاغية ذات المركز العصابي وانماط ثقافاتها القهرية، فضلا عن ان  اليات الفكر الليبرالي كانت تسعى ايضا للبحث عن فضاءات للتفكير الحر والقيم الانسانية العالية  مثلما  اقترنت  ايضا  بالبحث عن آليات اقتصادية متحررة تسهم في حراك رأس المال وخلق ثورة جديدة في انظمة الاستثمار الحر  مثلما اسهمت في ترسيخ قيم  حية وفاعلة للاقتصاد المتحرر من الضواغط التقليدية  عبر صياغة مفاهيم متجددة وغير مقيدة للسوق والتبادل الاقتصادي ،والاندفاعة القوية لرأس المال الاقتصادي والسياسي والذي وضعها امام شكوك متعددة تنطلق من انها تمثل احد مكونات ماسمي في الادبيات الماركسية بالامبريالية الاقتصادية ، والتي انعكست معطيات  تحولها فيما بعد  على الواقع الثقافي والسياسي في العالم، اذ تكرست مشاريع ونظم وجدت اشكالها في اطر صراعية معقدة لكنها اكثر حراكا ،اذ  مهدت لتحولات اقتصادية وسياسية اكثر  استعدادا للتغاير والانفتاح على مجمل الخطابات الثقافية المختلفة  مثلما  بالمقابل ايضا اسهمت في  تهيئة العوامل الموضوعية للكثير من الحروب والاحتلالات والكوارث التي طالت الشعوب  تحت يافطة اعادة انتاج منظومة العلاقات الدولية وربما كان من اهدافها ايضا  تدمير منظومات ما تبقى من الدولة القومية ،واعادة صياغة معادلات جديدة للاقتصاد الحر ،وتوفير مصادر جديدة للطاقة والمواد الاولية وفتح منافذ جديدة للاسواق العالمية ،فضلا عن اعادة انتاج مفاهيم الهيمنة السياسية العالمية وفق انتاج معادلات جديدة للقوة والدولة والنظام الاقتصادي !! يقابل هذه التحولات نشوء  دروس وفلسفات واتجاهات ثقافية  استلهمت، اشكالات التحولات الخطيرة في العقل الغربي وصدماته المعرفية بدءا من اثار ماتبقى من صدمة نيشه وانعكاسها على مفهوم المواطن/ البطل ، ومفهوم الدولة القومية القوية ذات المزاج الاستعلائي ، وصولا الى الصدمات الحداثية المتمردة والوجودية  في منتصف القرن والصدمات البنيوية وما بعدها  من اتجاهات تبنت انتاج خطاب ما بعد المركز الاشكالي على ايدي  فلاسفة الدرس الجامعي  بارت وفوكو ودولوز وغيرهم وصولا الى التفكيكيين الذي طرحوا اجندة تفكيك المركز المهيمن باتجاه الذهاب الى اقصى الحرية على ايدي دريدا وهابرماز  وغادامير وغيرهم  ،مثلما استلهمت مفهوم الحرية كخطاب واليات في المعطى السياسي واجترحت له منظومة من الاجراءات التي  ارتبطت فيما بعد نشوء ظاهرة الاحزاب الديمقراطية بمواجهة احزاب اليسار التقليدي ذي النزعات الماركسية  التقليدية وطروحاتها حول  مفاهيم المركزية والاقتصاد الاشتراكي وديكتاتورية البروليتاريا وغيرها من توليدات  الثقافات الشمولية ...

ان هذه التحولات العميقة في العقل الغربي وميكانزمات انزياحاته واشتغالاته ، تبدو غريبة وبعيدة عن واقعنا العربي المحتشد بثقافاته التاريخية والرومانسية وعقده الصراعية القديمة !! وربما كانت البلاد العربية ذاتها هي المدار التجريبي لحركة رأس المال الغربي واشكال الاستحواذ السياسي والاستعماري والبحث عن مصادر الطاقة الرخيصة ، فضلا عن استغراقات الثقافة العربية في ما سمي ب(ثقافة النهضة العربية) في القرن الثامن عشر مع محاولات  لحركة التجديد ابان حكم محمد على باشا  الباحث هو الاخر عن الدولة القومية القوية ،،،كل هذا كان يحدث تحت تأثير التماهي  مع المشروع الغربي بمدياته واشكاله االمتحررة والتجديدية والتنويرية  ،ولعل كتاب الابريز لرفاعة الطهطاوي  دليل على حجم هذا التأثر الفاعل بمنجزات العقل الغربي !!! وكذلك كتابات محمد عبده والكواكبي والافغاني وجميل صدقي الزهاوي وعبد الفتاح ابراهيم  وحسين الرحال وغيرهم ممن أدركوا حيوية الثقافة الغربية وطروحاتها في الاصلاح السياسي والاقتصادي والثقافي ...

 ان الدولة العربية في بدايات القرن ونشوء اشكالها المبكرة مابعد انهيار الدول العثمانية ودخولها عصر الاستعمار الغربي ومن ثم عصر الاستقلال  كانت اكثر استعدادا  للتعاطي مع الاشكال الحيوية والطروحات الجديدة للثقافة الليبرالية خاصة في شكل ادارة الدولة السياسي ،اذ نلحظ وجود اشكال واضحة للاحزاب السياسية والانتخابات والصيغ البرلمانية التي تحكم علاقات القوى السياسية ،وبقطع النظر عن طبيعة التكوين الطبقي  الحاكم  والمهيمن الذي  يختلط فيه شكل الدولة البرجوازية/ الطبقية  مع نمط التملك الاقطاعي والنظم ذات الحكم الملكي الذي يقلد ماهو سائد في اوربا الملكية ،،فاننا نتلمس وجود فضاءات تسمح  للحراك الاجتماعي والسياسي مع وجود اشكال متقدمة للحريات ونظم التعليم ،فضلا عن انفتاح واضح على الغرب دون عقد او حساسيات بما فيهم اصحاب البرامج والافكار الدينية ،حيث نلحظ ان اغلب الاعلام  والاسماء في المؤسسة الدينية بكل اطيافها وتلاوينها قد زاروا الغرب  وتأثروا به وبعضهم درس في جامعاته وتأثر بالكثير من افكارها ولم يكن هناك اية نزعة لتكفير هذه التوجهات الساعية لبناء دول تؤمن فيها العدالة الاجتماعية وتكفل حقوق الناس وترعى مصالحهم وتسمح لهم باقامة فرائضهم وشعائرهم ....

ومن هنا نجد ان ازمة الدولة العربية الجديدة وقطيعتها المعرفية والحضارية وحتى انقطاع تأثرها بالاشكال الليبرالية للدولة الغربية قد بدأت مع ظاهرة نشوء الدولة الانقلابية العربية او ما تسمى خطأ (دول ما بعد التحرير)!!! اذ مهدت قيادات هذه الانقلابات ذات النزعات العسكرية الى خلق الاشكال الاولى للمهيمنات والنظم الديكتاتورية ،والتي كرست فيما بعد اشكالا للقمع السياسي والثقافي والحد من الحريات العامة ومنع نشوء الاحزاب وتعطيل الدساتير وتعليق اعمال البرلمانات وتشويه مفاهيم العدل الاجتماعي تحت يافطات الخطاب الثوري ومعاداة الاستعمار والرجعية ، والبحث عن استعادة النموذج السلبي للدولة القومية القوية ،مقابل توظيف الازمات العميقة في مجتمعات هذه الدولة   كالفقر والجهل وقضية فلسطين والصراع التقليدي مع الغرب في  خلق متون صراعية وغير واقعية اسهمت في تكريس شكل الدولة القهرية العربية التي وقفت بالضد من اية نزوع نحو بناء اشكال متقدمة لبنائية الدولة الدستورية واطر علاقاتها  السياسية  والاقتصادية ، وفتح افاق للحريات الاجتماعية والثقافية والحقوقية الضامنة لحرية التعبير والاختيار والتظاهروالتمتع بالحقوق الشخصية والدينية فضلا عن ضمان وحماية نشوء صحافة حرة او اطر قانونية ودستورية تكفل الحريات وتحد من التجاوزات والممارسات القهرية  كالعنف الفكري والجسدي وضمان حقوق المرأة ومشاركتها مهنيا وانسانيا في عملية البناء الاجتماعي وتكريس قيم الوجود الاجتماعي على اساس الشراكة والمواطنة دون أي مؤثرات اثنية او عرقية او طائفية او قومية ..

ازاء هذا نجد ان التعاطي مع القيم الليبرالية كأسس ونظم في الفعل والاجراء السياسي والعلاقتي  ،أو تبنيها في اطار شكل الدولة الكافلة للتعدد والتنوع بين الهويات والمكونات داخل الاوساط الاجتماعية ،يخضع بطبيعة الحال الى طبيعة المواجهات التي تحكم عملية ادارة وتداول الفعل السياسي ، فضلا عن ان المنطقة العربية تعاني ومنذ اكثر من ثلاثة عقود من تصدعات عميقة داخل السستم السياسي ،وتعقد اشكال الادارة السياسية والاقتصادية تحت عوامل التحولات الصراعية الكونية واصطفاف قواها الجديدة ، اذ تملك الدول العربية وخاصة الخليجية اكثر من نصف احتياط النفط العالمي في الوقت الذي تزداد احتياجات الطلب العالمي على الطاقة النفطية ، مقابل وجود هذه الدول في منطقة الازمة الصراعية بين ايران والعراق خلال الثمانينيات ،ومع غزو العراق للكويت وتحريرها خلال التسعينيات وكذلك احتلال العراق عام 2003 بكل تداعياته الصراعية المعقدة والمثيرة ، واخيرا اشتعال الازمة النووية الايرانية مع الغرب واميركا وامكانية ترشح المنطقة لازمة جديدة ، يضاف الى ذلك قربها من منطقة ازمة اخرى وهي الازمة الافغانية والتي كان لها ومنذ الغزو السوفيتي لها السبب الاساسي والاجرائي لنشوء ظاهرة الاسلام السياسي والذي وجد له بيئات داعمة وتمويلات اسهمت في تكريسه كخطاب  سياسي وعقائدي واحيانا كخطاب دولة ،والذي افرز مجموعة معطيات انعكست بشكل واضح على الوجود الاميركي والغربي في المنطقة ،وبالتالي انتاج خطاب اشكالوي اقترن بصناعة ازمة فكرية ضد اية توجهات للاصلاح السياسي واقتصاد السوق ودمقرطة النظم الاجتماعية والسياسية وتهيئة الاجواء لتعدديات حزبية تدخل في صناعة شكل الدولة ...كما ان تأزم الاوضاع في فلسطين ونجاح حركة حماس في الحصول على اغلب مقاعد البرلمان وقيادتها للعملية السياسية في فلسطين وحسب الاستحقاقات الديمقراطية التي تشرعن لها الادارة الاميركية ان اتساع الظاهرة الصراعية في المنطقة العربية وتحول اشكال العنف المسلح الى اشكال تهديد مباشر للسلم الاجتماعي والثقافات المدنية  في هذه الدول ،وتشوه الملامح التخطيطية والبرامجية  لنظريات الاصلاح السياسي التي تحاول ان تتبناها اميركا بالتعاون مع بعض الدول العربية التي تحكمها اصلا ديكتاتوريات تنتمي الى مرجعيات الدولة الانقلابية ،يجعل عملية ادخال المفاهيم وسياقات الفكر الليبرالي الى الاجندة السياسية  في منطقتنا العربية من الامور غير الواقعية والتي قد  تصطدم بوقائع ومعطيات اشكالوية تجعل من المتعذر ضمان تطبيقها ،خاصة اذا عرفنا ان الليبرالية كمفهوم يقترن اولا بوجود شكل متقدم للدولة وللعلاقات السياسية والاقتصادية الضامن لتحوّل سلمي في الاليات الديمقراطية ،،وهذا ما يجعلنا امام اسئلة اكثر ريبة !! هل  اننا نسعى الى فرض الديمقراطية ونظريات الاصلاح السياسي مع وجود كل عوامل القهر والاقصاء؟ ام اننا نسعى الى تحديث وتطوير البنى العميقة للمجتمعات العربية وتحويل اقتصادها الى اقتصاد نفعي ،وبناء قواعد ستراتيجية ومنظومية تعزز قيم التحول الاجتماعي وتضمن قيم الرفاهية والمعيش والحريات للقوى الاجتماعية المتمركزة حول تابوات في المقدس والمكان من الصعب تفكيكها ....

ان نزع فتيل الازمات في المنطقة وتواصل فعل التحديث ،وتفكيك  مهيمنات القمع الاجتماعي والسياسي والتعاطي مع ظواهر الفقر الاجتماعي والمعيشي والتعليمي بنوع من الحلول الفاعلة ،وتجفيف مصادر ثقافات العنف ،مثلما السعي الجاد الى اعادة انتاج المؤسسة الجامعية على اساس اعادة تأهيل الاجيال الجديدة في بناء مستقبل الشعوب وتحويل المنطقة برمتها من منطقة تصدير العنف الى منطقة تستقطب الحراك الثقافي ورؤوس الاموال الاستثمارية في بناء اقتصاديات تكفل دعم كل مجالات التنمية والتنوير ، يمكن ان يكون جزءا  من مقومات ادخال الليبرالية الى شرقنا العربي وليس ضمان نجاحها ، اذ ان مفهوم هذه الليبرالية كشكل وتقاليد في الثقافة الاجتماعية يحتاج الى محركات بنيوية عميقة وفاعلة تواجه كل عوامل وتعقيدات النظم السياسية القائدة !! وتداعيات الحروب المتواصلة التي انتجها الغرب الاستعماري والاحتلالي والحضاري !! مثلما تواجه تشكلات الظواهر العصابية في الجسد الثقافي العربي ،والسعي الى اعادة الثقة بالغرب التنويري وليس بالغرب الاستعماري والاحتلالي الذي مازال يلقي على رأس الجغرافية العربية شظايا حروبه المكشوفة والمضمرة .... ان الحديث عن الليبرالية كخطاب وكاجراء وكمفهوم  يقترن بالحديث عن اشكال متعددة من الليبراليات التي يمكن ان تكون اطارا مفتوحا يضمن شرعنة قيام انظمة اجتماعية وسياسية تؤمن بالتعددية والحرية الدستورية لكنها تقف كثيرا امام التباسات السيطرة ومهيمنات التجارة الحرة والعولمة وقواها الغامضة !!والتي تفضي الى اسئلة تتعلق بطبيعة الكثير من الشعوب للاندماج مع صيرورات النظم الحداثوية مع احتفاظها بهوياتها وثقافاتها !! فهل كل الشعوب صالحة للدخول في هذه المتاهة ؟ ام ان العولمة هي فخ سياسي عالمي للفقراء؟ ام هي انماط من الثقافات والعلاقات المتعالية التي تشترط تحولات بنيوية معقدة تقوم على اقصاء الهوية والتاريخ والتحول الى اشكال ممسوخة او اسواق مفتوحة خاضعة لانظمة التبادل السلعي ،أي اتساع نظام العرض مع ضعف نظام الطلب وبالتالي زيادة قاعة الفقراء وتحويل الدول الصغيرة الى دول تابعة وخاضعة لنظام القوة المهيمنة..

ومن هنا نجد المفهوم الليبرالي في شرقنا العربي لم يتحول بعد الى خطاب دولة !!والى خطاب اقتصاد يفرض شروطه على الاسواق ونظم التبادل الاستراتيجي بسبب هشاشة المنظومة الاقتصادية العربية اولا وضعف اسواقها وطبيعة اقتصادها الواحدي وضعف حركة العمالة الماهرة والتعليم الصناعي والتقني والمعلوماتي !!وقد ظل هذا المفهوم خطابا للنخب الثقافية التي تؤمن بالتحولات الديمقراطية في دول جوهرها الاستبداد والقهر السياسي ،حيث تكون الثقافة الليبرالية في هذا الاطار جزءا من النضال الاجتماعي والسياسي السلمي...

ان اثارة موضوع  ليس هو تزكية للثقافات الغربية او محاولة فرض الامر الواقع كما يبدو ،قدر ما يكون تعظيما للجهود الثقافية التي تؤمن بجدل الافكار والثقافات وحوارها في اطار المصالح المشتركة ،،فنحن نعيش في عالم بات خاضعا لمنظومات اتصالية سريعة ومعقدة ،وان انماط العلاقات الدولية وصلت الى درجة من التعقيد والتشابك للحد الذي تحوّل بعضها الى اشكال للاحتلالات العسكرية والاقتصادية ومحاولات فرض نظم ومفاهيم ومصالح في سياق فرض سياسات جديدة للاصلاح والديمقراطية تحت عناوين السيطرة على ثقافات العنف وعدم تحويل الثروات الهائلة الى مصادر لتخريب الحضارة الغربية.. ولاشك ان الدخول السياسي الثقافي الاقتصادي للمشروع الغربي بنسخته الاميركية الى العالم الشرقي لفرض اشكال الثقافات الليبرالية في ادراة الدولة والاقتصاد والتعليم ،قد اعتمد على توظيفات ثقافية تاريخية ومعاصرة تتجوهر في اساسها على اعادة انتاج مركزة القوة الكونية بدءا من ثقافات هيغل في مفهوم الدولة القوية الى طروحات فوكوياما وهنتنغتون وغيرهما من اساطين الثقافة المسيحانية الجديدة.

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر:جريدة الصباح