الاختـلاف و المغايرة جوهر الديمقراطية

 

سيف الدين كاطع

 

يكاد يتصدر مفهوم الديمقراطية جميع العناوين في حياتنا اذ يتم تداوله على نطاق واسع وترفع الشعارات باسمه  ويستمر الجدل والنقاش بشأنه واحياناً الاحتراب في ظله، لكن ثمة من يقول ان هذا المفهوم بات يكتنفه الغموض في عموم ثقافتنا وخاصة بعد سلسلة الاحداث الدراماتيكية التي نعيشها يومياً، تلك الاعمال المقيتة التي تشكل معوقاً واضحاً ضد تنمية المجتمع واتجاهاته الرئيسة التي يمكنها ان تكون مرشحة لتبني النظام  الديمقراطي .. ويظل التساؤل يدور في هذا المنحى، هل هناك فرصة حقيقية للتحول الديمقراطي في بلدنا وهل توجد ثقافة تسير تصاعدياً بهذا الاتجاه وما شكل هذا الاتجاه وهل يوجد حقاً من يدعو الى ذلك؟

ان فكرة الديمقراطية اصبحت شعاراً يكثر بشأنه الجدل والحوار بين الباحثين والمفكرين ويحتدم بشأنه الصراع بين ممارسي العمل السياسي، بل ان الوقائع الماثلة أمام اعيننا تغني الذهن عن البحث او التفتيش عن السبب!وضمن إطار هذه الفكرة، لابد من الاشارة الى ما يمكن وصفه بواقع الحال، ذلك الواقع الذي تنتج عنه مظاهر تتسم بالمسايرة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والتي تبدو في الكثير من الاحايين سلبية وغير متفاعلة الى الحد الذي يظهر ان اعداداً كثيرة من ابناء المجتمع مجبرون على التعامل معها سواء ما يتعلق بفكرة الديمقراطية وفهم آلياتها وبرامجها ام محاولة الابتعاد عنها بالممارسة والاسلوب، قد يذهب أحد منا في الاشارة الى ما يتعلق بالجذر التاريخي للظاهرة، اذ يمكن ان يرى المرء بأن لا وجود لموروث تاريخي  ذي محددات نفسية وثقافية وفكرية واجتماعية يمكنها ان تكون ارضية خصبة لاحتضان هذا الخطاب الذي يشكل احتمالاً وارداً في تحديد نوعية الحكم السياسي والاقتصادي في المستقبل..ولا نغالي كثيراً، اذا ما قلنا ان المرحلة الراهنة هي مرحلة رفع شعارات والاقتتال حولها بدلاً من التفكير بعقلانية من وضع حد للفتن واسباب نشوب القتالات الأهلية ومن ثم توظيف المنهج الديمقراطي في ادارة اوجه الاختلاف سلمياً، الذي يعد تعبيراً عن النضج الحضاري والاستحقاق التاريخي لناتج الفكر الانساني ولاسيما نحن في بدايات الالفية الثالثة...ولعل من نافلة القول ان الاختلاف بشأن مفهوم الديمقراطية يعود الى اشكاليات فكرية تحول دون قبول تيارات فكرية وسياسية للديمقراطية من خلال فهمها لها، وأهم هذه الاشكاليات يتمثل في احتمالات التناقض بين الديمقراطية والاسلام وكذلك احتمالات الترابط العقائدي بين الديمقراطية وعقائد الغرب واتجاهاته. وما هو جدير بالتأكيد ان الاختلاف بشأن هذا المفهوم لا ينحصر في وجهة نظر الدولة عن المجتمع او وجهة نظر الحكومة عن معارضيها، انما يمتد الاختلاف عن جدوى أقامة النظام الديمقراطي وممارساته وكذلك العمل من أجل تحقيق هذا النظام او عدم جدوى تحقيقه بالنسبة لبعض التيارات والاحزاب والحركات السياسية والفكرية التي تعمل في العمل السياسي والاجتماعي الآن..ان الاختلاف والاشكالية بشأن مفهوم الديمقراطية ومديات تطبيقها يبرز اكثر عند التيارات الدينية وكذلك التيارات الاخرى القومية واليسارية وهذا ما يتضح عند كل طرف في تسويق معنى تحفظه ازاء هذه المسألة التي باتت تواجه الكثير من الرؤى والمواقع والبنى والعلاقات والاعراف والقيم وغيرها من زوايا البنية الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والنفسية....

أن الشعور والاعتقاد الملزم بقوانين العصر وموازينه السياسية والفكرية، يفرض الآن تنمية خطاب سياسي ديمقراطي يعترف فيه كل طرف بوجود الطرف الآخر ويقبله شريكاً كاملاً في الوطن ويحترم حقه في التعبير ويراعي مصالحه ويضمن له الحق في المشاركة السياسية الفعالة والمجدية في أطار الحياة الدستورية. وبهذه المعاني الحية والانسانية يمكننا ان نقف في مربع القراءة الاولية الواعية لمفهوم الديمقراطية المعاصرة والتأكيد على روحها في نشرالأسس والمبادئ  وتنمية المؤسسات التي تضمن الحفاظ عليها، لأن الديمقراطية لا تنجح من دون بناء هذه المؤسسات التي تكون الضامن الحقيقي لتأمين خصائص المشهد الديمقراطي الحر في مجتمعاتنا على نحو عام... وجدير بجميع الساعين الى تأصيل مفهوم الديمقراطية ونشرها، من عقول فكرية وسياسية وكتاب ومثقفين واحزاب  وحركات وتيارات ومجتمع مدني وهيئات اجتماعية عصرية، الدعوة الى تبني فكرة الدفاع عن الديمقراطية وبلورة المساعي الجادة وتوسيع رقعتها وتبويب ثقافتها وتسويقها بحيث تشمل العلاقات المنزلية  بين الاباء والابناء وكذلك العلاقات العلمية والاجتماعية في المدرسة والجامعة  وبين العاملين في مؤسسات الدولة والقطاع الخاص وجميع اشكال العمل الاجتماعي والسياسي في اطار القبول المجتمعي لمبدأ المساواة السياسية والحقوقية بين المواطنين والتوصل الى اتفاق عام بشأن الصياغات الدستورية الدائمة التي تمثل حقوق وأرادات شتى  الجماعات العرقية والدينية والمذهبية والفكرية والسياسية وتضمن شروط انخراطها في الممارسة الديمقراطية ذات النفع العام للجماهير وعلى جميع المستويات...

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر: جريدة الصباح