خطر الانحدار بعيداً عن الديمقراطية

 

د. علي محمد فخرو

 

عندما نتكلم عن الانحدار فإننا نتكلم عن النكوص والتراجع في المكونات والفعالية الديمقراطية. ولما كنا نصف الديمقراطية، فكراً وتنظيماً وممارسة، بأنها سيرورة، لها بداية وليست لها نهاية، لها حدود دنيا وليس لها سقف أعلى، فإن التراجع والتقدم، كما هو الحال في كل سيرورة لم يعلن أصحابها عن اكتمالها بعد، هما أمر طبيعي، بل هما جزء من عملية التجريب والانضاج. الديمقراطية إذن في مسيرتها نحو الوصول إلى الشمول والنضج والمثالية والاستقرار ستمر في فترات مراجعة أو تراجع، لكن فائدة ذلك أو ضرره سيعتمد على الإجابة عن أسئلة محورية تتعلق بالأسباب والظروف، وبالجهة التي تقرر وتنفذ وبشرعية تلك المراجعة وأهدافها ومدتها ومن يستفيد منها في نهاية الأمر.

وحتى في أعرق الديمقراطيات الغربية حددت بل وقمعت الممارسة الديمقراطية في فترات الحروب، كما حدث إبان الحربين العالميتين وفي فترات التوترات الداخلية، كما نرى اليوم في الولايات المتحدة كنتيجة لاعتداءات 11 سبتمبر/أيلول 2001 وما رافقها من مخاوف أمنية، وصراعات ثقافية ودينية وإعلامية، بل وحتى في الفكر السياسي الغربي، حيث الديمقراطية تكون قاعدة منطلقاته، أفسح مجال الدكتاتورية كظاهرة استثنائية مؤقتة منذ العصر الروماني عندما كان يجلس الشيوخ يخول الامبراطور صلاحيات استثنائية مؤقتة في فترات الحروب أو الاضطرابات الداخلية.

والواقع أن العالم يزخر الآن بمحددات خارجية وداخلية متنوعة للديمقراطية، لعل أخطرها يتمثل في ثلاثة محددات كبرى. هناك أولاً الشكوك المحيطة بشرعية الحدود السياسية في داخل الدول التي تنتهي بمطالب انفصالية أو حكم ذاتي أو خلق كيانات جديدة أو إعادة توزيع للنفوذ السياسي وللغنائم. إن ما يجري في إقليم كويبك الكندي وفي الشيشان وتركيا والعراق والسودان والصومال وباكستان واندونيسيا ومناطق عديدة في إفريقيا ينبئ بتحولات كبرى ستتحدى حتى بعض الأركان التي تقوم عليها الديمقراطية من مثل وجود شعب عبر التاريخ أسس لقيام دولة ديمقراطية. هناك ثانياً موضوع التوازن بين قرارات الأغلبية ومصالح الأقلية، فالديمقراطية قامت على أساس عدالة اتخاذ القرار بالأغلبية، لكن عالمنا يطرح تساؤلات حول هذا المفهوم التاريخي بعد أن كثرت الاحتجاجات وتمردات الأقليات واعتراضاتها على كثير من القرارات التي تمسها من دون أن تؤخذ مصالحها الحيوية في الاعتبار.

هناك ثالثاً أكبر وأشد المحددات المتمثل في ظاهرة العولمة البالغة التعقيد والتشابك، فهذه الظاهرة التي تجتاح العالم تتطور وتتصاعد بصورة مذهلة، ولها انعكاساتها السلبية على الديمقراطية الوطنية.

إذا كانت الديمقراطية تواجه على مستوى الكثير من دول العالم محددات خارجية أو داخلية تطرح أسئلة صعبة على النظرية السياسية للديمقراطية، فإن الديمقراطية في الممارسة تواجه هي الأخرى ما تعتبره هيلينا كات تحديات ثلاثة كبرى تتمثل في الصراعات والكفاحات الداخلية، وفي الرأسمالية العالمية التي هي في الواقع المحرك الأساسي لظاهرة العولمة، وأخيراً في الغياب الفاعل للمجتمعات المدنية. إن كانت تطرح لب موضوع الممارسة الديمقراطية في شكل سؤال وهو: من يجب أن يتخذ القرار؟ فاتخاذ القرار أصبح مسألة متشابكة ومتناقضة في عالمنا، إذ كيف التوفيق بين من ينادون بأن تتخذ القرارات الكبرى من قبل المؤسسات الدولية والعولمية، ومن يلحون على أن ينزل اتخاذ القرار من مستوى الحكومات الوطنية إلى مستوى المجتمعات المحلية الصغيرة؟ كيف تحل إشكالية تعقد الحياة في عالمنا التي تتطلب بيروقراطيين متخصصين وضليعين لينظروا فيها والتي يصعب على الناس العاديين حتى أن يفهموها، فكيف الطلب منهم اتخاذ قرارات بشأنها من خلال الأساليب الديمقراطية التي نعرفها؟ كيف التوفيق بين التعامل الديمقراطي مع الشعب ككل وموجة الإلحاح على التعامل مع الجماعات من مثل النساء أو الشباب أو الأقليات العرقية والدينية والثقافية؟ بل إن الديمقراطية التمثيلية تضاف إليها أنواع أخرى من الديمقراطيات لتصحيح بعض نقاط ضعفها التاريخية، ولعل أبرزها الحديث الذي كثر حول إضافة الديمقراطية الوصفية “Descriptive Democracy” التي تطرح أهمية تواجد ممثلين في البرلمانات وأشباهها يمثلون جماعات معينة ينتمون إليها، فالنساء يحتجن أن يمثلهن نساء والسود يمثلهم سود من جنسهم والأقليات العرقية يمثلها افراد ينتمون إليها عرقياً أو لغة أو ثقافة، على أساس أن هؤلاء الممثلين يعرفون الحاجات الحقيقية للجماعات التي ينتمون إليها.

كانت تلك المقدمة ضرورية لإبراز الضباب الذي يتجمع ليلف أرض الديمقراطية التي كنا نعتقد أن الشمس الساطعة لن تغيب عنها أبداً.

لكن المراجعة والتقييم ومحاولة تقديم اقتراحات لسد ثغرات الممارسة الديمقراطية من قبل البشر شيء والتراجع عن بعض من أهم أسسها هو شيء آخر. ان بعضاً من الخطوات الأمريكية تجاه تضييق الحريات المدنية بعد أحداث 11 سبتمبر والقوانين التي تفرخت تحت جناح مكافحة الإرهاب في كثير من بلدان أوروبا الديمقراطية تمس أسس الديمقراطية، وبالتالي تعتبر نوعاً من التراجع الحقيقي، لكن كل ذلك لا يمكن إلا أن يكون مؤقتاً ولن يصمد أمام المجتمعات المدنية الحية في تلك البلدان.

غير أن الأمر يختلف عندنا في بلاد العرب والمسلمين، فالديمقراطية هي في بداياتها، ولم يشتد عودها بعد، والمجتمعات المدنية هي ضعيفة ابتلعتها سلطة الدولة الاستبدادية عبر القرون، وبالتالي فإن أي انحدار بعيداً عن الخطوات الديمقراطية المتواضعة التي تحققت حتى الآن، والتي تحققت بفضل نضالات وتضحيات كثيرة وموجعة، ستكون له أخطار جسيمة يمكن إيجازها بالمخاطر الأربعة التالية:

أولاً: يتصف تاريخ مجتمعاتنا ودولنا، عبر القرون الطويلة، بأنه تاريخ الاستبداد، ولقد فرخ استبداد سلطات الحكم المركزية في كل المستويات والصعد والحقول، حتى غدت طبائع الاستبداد والسيطرة والتحكم ممارسات يومية من قبل الفرد ومؤسسات المجتمع وأنظمة الحكم فتوارثنا تاريخاً مثقلاً بالفكر والممارسة الاستبدادية والذي يحتاج إلى تصحيح وتنقية وخروج من تحت عباءته، وهكذا ففي عصرنا العربي الحالي يلحظ الإنسان كيف تتحكم البطريركية الأبوية المسيطرة على العائلة وكيف تهيمن البيروقراطية الدكتاتورية على المدرسة والنادي والحزب والجمعية والوزارة وكل أنواع التجمعات المحلية والفرعية.

لقد كان أمل المصلحين عبر القرنين الماضيين أن يكون علاج أمراض الاستبداد التاريخي تلك جرعات من الديمقراطية تتطور وتزداد مع الأزمنة والأحداث ولكن بدلاً من ذلك جاء الاستعمار، ثم العساكر وأجهزتهم القمعية المصاحبة، ثم التآمر الصهيوني وإفرازات وجوده وأخطاره، ثم دولة البترول الريعية القادرة على الشراء والإسكات، ثم جنون الأصولية المسيحية الأمريكية فساهموا، كل بطريقته الخاصة، في إخفاق كل محاولة تقدم نحو الديمقراطية أو في تزويرها لتصبح شكلية بلا مضمون.

ومن هنا، فإن تاريخ الديمقراطية في أرض العرب، عبر القرنين الماضيين، يشبه في مسيرته مأساة البطل الإغريقي سيزيف، الذي ما إن يوصل صخرته قريباً من قمة الجبل، من نهاية طريق الخلاص، حتى تتدحرج الصخرة إلى القاع ليعاود البطل محاولته، وكذا ظل العرب مع صخرة الديمقراطية، يتقدمون ويصعدون ليعاودوا التدحرج نحو الوراء، نحو القاع، وعندما يقارن المشاهد الموضوعي زخم الأمل الديمقراطي في أغلب بلاد العرب منذ خمس سنوات بالتراجعات الكثيرة التي يشهدها اليوم يعرف جيداً أن لعنة سيزيف لاتزال معنا، وهي تصل إلى قمة بؤسها في المشهد العراقي الدامي المتقيح، والذي ينذر بأن تمتد رائحته إلى كل أصقاع العرب والمسلمين، وحتى عندما ينجح شعب كالشعب الفلسطيني، في ممارسة جزء من الديمقراطية وتجرى انتخابات نزيهة، يتدخل الإله الأمريكي زيوس ومساعدوه من الآلهة الأوروبيين الصغار لخنقها وإفشالها ومحاصرتها بالتجويع وبالشروط ودحرجة العملية الوليدة نحو تيه جديد. إن سيزيف الفلسطيني والعراقي والسوداني والصومالي واللبناني وغيرهم يجب أن يعاقب إلى الأبد، حتى يعلن توبته ويذعن. كان لا بد من هذا الوصف الأدبي لفواجع التراجعات الديمقراطية عندنا، فالأسلوب العلمي البارد الهادئ لن يستطيع إبراز حجم وخطورة التراجعات الديمقراطية، كفكر وممارسة، في أغلب بلداننا، ولا تستطيع بعض الشموع، هنا أو هناك، كالشمعة الموريتانية، أن تبدد ظلامنا الكثيف.

ثانياً: إن عدم النجاح في تغيير مسار تاريخ الاستبداد في فكر وحياة العرب بتراجع تقدمهم في مشروعهم الديمقراطي سيجعل تقدمهم في مشروعهم النهضوي العربي الشامل بمكوناته الستة أمراً شبه مستحيل. إن الحديث عن التنمية، وعلى الأخص الاقتصادية، في مجتمعات يتفشى فيها بصورة وبائية الفساد المالي والنهب المفزع لكل الثروات من قبل أقليات السلطة والاقتصاد الريعي المحكوم بالولاءات والزبونية للسلطة، من دون وجود مؤسسات وسلطات ديمقراطية تحاسب السراق وتدافع عن المال العام هو نوع من الهذر غير الواقعي.

والحديث عن وحدة عربية، تبقى دوماً في مهب الريح وتحت رحمة هذا المغامر أو ذاك، ولا تستفتى بشأنها الشعوب وبالتالي لا تحميها تلك الشعوب، هو الآخر حديث غير مجدٍ، وهل يمكن التحدث عن التجديد الحضاري في غياب الحرية والتسامح وقبول الآخر؟ في المدة الأخيرة، وفي ظل متطلبات العولمة، وحرية اقتصاد السوق من خصخصة وهيمنة، ضعفت الدولة ومعها واجب الرعاية الاجتماعية وبالتالي متطلبات العدالة الاجتماعية التي ينادي بها المشروع النهضوي العربي، وحتى الدول الريعية النفطية بدأت تنفض يدها من التزاماتها السابقة في حقول الصحة والتعليم والعمل والسكن، ومع أن ما يتم في بلاد العرب يتناغم مع ما تفعله الرأسمالية العولمية المتوحشة في كل بقاع الدنيا، بما فيها البلدان الصناعية المتقدمة، إلا أن ضعف المجتمع المدني عندنا، وعلى الأخص الأحزاب والنقابات وجمعيات حقوق الإنسان، يجعل التوازن في أمور من مثل توزيع الثروة والتزام الدولة بتقديم الخدمات الاجتماعية الأساسية والاهتمام بالمهمشين توازناً جائراً يميل لمصلحة الأغنياء على حساب الفقراء.

وهكذا، فإن كل مكونات المشروع النهضوي العربي ستصبح مهددة بصورة جدية في غياب الديمقراطية، أي في غياب وجود المواطنين في الحياة العامة، وإذا انسد أهم وأنجع طريق يقود إلى تنفيذ المشروع العربي النهضوي، طريق الديمقراطية، فأي مستقبل يبقى لأجيال هذه الأمة؟ إن كل انحدار عن الديمقراطية سيعني إضافة عقبة جديدة في طريق مكونات النهوض الستة المتمثلة في الاستقلال الوطني والوحدة والتنمية والعدالة الاجتماعية والتجديد الحضاري والديمقراطية نفسها.

ثالثاً: إن إحدى أهم مشكلات الوطن العربي هي انقساماته الحادة على أسس قبلية وعرقية ودينية ومذهبية وأيديولوجية. وفي الحياة السياسية والثقافية كان ولايزال الصراع محتدماً بين القوميين واليساريين والليبراليين والإسلاميين. لقد انهكت تلك الانقسامات والصراعات المجتمع العربي عبر تاريخه القديم والحديث، ولقد استطاعت الدولة القوية المستبدة جعل تلك الانقسامات والصراعات تحت السيطرة والضبط وضمن الحدود التي لا تزعزع استقرار المجتمعات ووحدتها. لكن تلك الدولة القوية المستبدة كانت تمنع النار من الاشتعال فقط، أما الرماد القابل للاشتعال فقد بقي، وها هو يشتعل كصراعات سياسية وثقافية في طول الوطن العربي وعرضه. ومن البديهي أن الحل يكمن في أن تتعايش تلك القوى بدلاً من محاولة استئصال بعضها بعضاً، ولا يمكن لعملية التعايش أن تتم إلا في ظل المواطنة وتبادل السلطة والأخذ في الاعتبار مصالح الأقليات عند اتخاذ القرارات الكبرى والشفافية في الحياة الاقتصادية والسياسية وتنوع مكونات الثقافة وغيرها من أسس الديمقراطية. وبغياب الديمقراطية أو تراجع القليل الموجود منها فإن المجتمعات العربية مقبلة على أيام تفتيت وتجزئة وتمزق سياسي وثقافي بدلاً من التوحد والتضامن، ولا يحتاج الإنسان أن يذكر بأن هذا المصير العربي هو أحد أهداف المشروع الأمريكي- الصهيوني في المنطقة.

رابعاً: إن عجز الأنظمة العربية الرسمية أمام رجوع الاستعمار وتصاعد قوة النفوذ الصهيوني والتدخلات الدولية في كل صغيرة وكبيرة من حياة العرب أصبح معضلة بالغة التعقيد والخطورة، ومع هذه المعضلة انهار النظام الإقليمي القومي والنظام الإقليمي الإسلامي، وضعفت الجامعة العربية إلى حدود الوهن، ومما لا شك فيه أن في قلب كل ذلك المشهد تكمن الصراعات الشخصية أو المشخصنة بين قادة الأنظمة العربية التي بدورها قادت إلى صراعات بين الدول العربية نفسها. إن احتلال العراق ودخول القضية الفلسطينية في متاهات التراجع المستمر والاحتقانات في لبنان والصومال والسودان والضغوط الهائلة على سوريا، والزيادة الكبيرة في الاتفاقيات العسكرية مع الدول الأجنبية والتسهيلات المجحفة لعساكر الأغراب تشير إلى أن أغلبية أنظمة الحكم العربية قد شاخت وضعفت إلى حدود الوهن وأصبحت بحاجة ماسة إلى مساندة مجتمعاتها المدنية لتقف على رجلها وتستعيد توازنها وهذا لن يكون ممكناً إلا إذا تعافت تلك المجتمعات المدنية نفسها، وأصبح فيها وجود لمؤسسات فاعلة مستقلة، الأمر الذي يعيدنا إلى مربع الديمقراطية.

لنتذكر أن من أهم خصائص الدولة العربية الوطنية الحالية هي أنه سواء أكان التضافر والادعاء بأن أيديولوجية السلطة هي قومية أم إسلامية أم ليبرالية أم اشتراكية فإن النتيجة واحدة: نظام سياسي ومالي فاسد واقتصاد ريعي هش ومجتمع متخلف مقموع. إن نجاح أية أيديولوجية سيعتمد في النهاية على مدى توفر البيئة الديمقراطية.

من هنا فإن تغيير مسار تاريخ الاستبداد عند العرب فكراً وممارسة، والتقدم في تحقيق مكونات مشروعهم النهضوي، وتجنب الصراعات العبثية في السياسة والثقافة بين مكونات الأمة، والوقوف أمام المشروع الاستعماري الصهيوني- الأمريكي سيعتمد على مدى تقدم العرب في طريق الديمقراطية.

محاضرة ألقيت في ندوة الديمقراطية في قطر قبل أسبوعين

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر:الخليج الإماراتية- 17-5-2007