التربية الديمقراطية ركيزة المجتمع الديمقراطي القادم

 

سعد مطر عبود الزبيدي

 

 

فلسفة التربية هي قبل كل شيء فلسفة الانسان، وبهذا الشرط وحده تستطيع ان تؤدي التربية رسالتها. وهي العمل على تنظيم الكائن الانساني ووحدته وتأليفه تاليفاً جديداً ومستمراً، وحمايته قبل كل شيء من القوى المختلفة التي تتنازعه في اتجاهات متباينة، ووقايتة من مخاطر تشتت فكره وانحلال ارادته، وبقول موجز طبعه بطابع الوعي بأن تمنحه الاستقلال الذي تتوقف عليه سيطرته على ذاته، وبالتالي على الأشياء،

طبيعية كانت ام اجتماعية، ان كلمة التربية Education مشتقة من كلمتين هما: (E=out of وduco=I Lead) اي انها مشتقة من الفعل اللاتيني (استخراج)، بناء على هذا التعريف نقول: إن التربية الفعلية، والاخلاقية، والبدنية والديمقراطية ليست إلا ايقاظاً للوعي الباطني، والفضائل وسائر القوى الكامنة في النفس، وإخراج ما هو موجود بكل قوة الى حيز الوجود الفعلي. والتربية في اللغة العربية مأخوذة من رب ولده، والصبي يربه (رباه) اي احسن القيام عليه حتى ادرك، وفي الحديث (لك نعمة تربيها) أي تحفظها وتراعيها كما يربي الرجل ولده، وفي حديث ابن ذي يزن (أسد تربّب في الغيضات اشبالاً) اي تربى، وهو أبلغ منه، وترب الذي فيه، وترببه وأرتبه، ورباه على تحويل التضعيف، وترباه على تحويل التضعيف ايضاً أحسن القيام عليه، ووليه حتى يفارق الطفولة كان ابنه او لم يكن، والتربيه حسب التعبير الافلاطوني (إعطاء الجسم والروح كل ما يمكن من الجمال، وكل ما يمكن من الكمال) ولعل اوثق تعريف ما ادلى به (جون ديوي)، من انها عملية تكيف ما بين الفرد والبيئة، يقول (التربية هي صوغ وتكوين لفعالية الافراد، ثم صبها في قوالب معينة اي تحويلها الى عمل اجتماعي مقبول من الجماعة).

والديمقراطية طبقاً للاشتقاق اللغوي (سلطة الشعب) انها النظام الذي يجعل السلطة بيد مجموع افراد الأمة، دون اعتبار فوارق الجاه، أوالغنى، او غير ذلك.

الديمقراطية، على هذا، نظام عام يفسح المجال لكل الامكانيات امام كل شخص، انها النظام الذي يخولنا (بصفتنا أشخاصاً). الوسائل الناجعة لكي نحيا (في وعينا وفي سلوكنا) القيم العليا المشتركة، فليست الديمقراطية، اذن، غاية في ذاتها، بل هي ممر للتعالي: (الانتقال من فرد منغلق على ذاته، الى شخص يتفتح باستمرار نحو جميع امتداداته المادية والمعنوية والفكرية.

الديمقراطية بالمنظور النفسي رغبة واكثر من رغبة،  إنها الأمنية العميقة التي بدون ارضائها لا يحس المرء بالثقة والأمن، فالإطمئنان اساس السعادة، لأنه ينبع من الضمانة على حصانة حريات الشخص وحقوقه، مع المساواة في الواجبات بين جميع الاشخاص، ان كل المفاهيم النبيلة، من عدالة، وصداقة، وأخوة، وحرية لا تلتصق بالواقع اذا هي لم تنطلق من الاطمئنان، فالديمقراطية رغبة ملحة اصيلة، وامل صميمي عملي، فبترابط الديمقراطية بالاطمئنان تتجذر الديمقراطية في وجداني فتصبح، إذن، واقعاً أحياه، كتجربة شخصية، لا مجرد مفاهيم تفرض علي من الخارج، ويحميها دستور موروث. فالديمقراطية نظام قابل للمناقشة والإصلاح، والحكومة الديمقراطية حكومة تمثيلية غير محتكرة للسلطة التي هي ملك للجميع، وتخضع للنقد الفردي والجماعي، ووجود (الاطمئنان) يفترض ان القوانين التي تبنى عليها اسس الحكم تضمن حرية الاجتماع، وحرية النقد لمراقبة المسؤولين، دونما خوف من اي ضغط خارجي او تعسف هكذا يشعر كل واحد انه يسهم في ذلك بكيفية غير مباشرة لكنها عملية في تسيير شؤون الدولة، والديمقراطية بالمنظور الاجتماعي في تفاعل مسترسل بين الشخص والآخرين، فاذا انبعثت الانظمة الدستورية من وجداننا، وعملت على تقنين تواصلات الاشخاص، دون امتياز، كانت ديمقراطية صحيحة، تتيح للفرد الحريات الضرورية لتكوينه الذاتي، على اختلاف الابعاد، وفي كل المجالات، اذن. التربية الديمقراطية (هي التنشئة الاجتماعية التي يصبح فيها الفرد واعياً ومستجيباً للمتغيرات الحضارية التي تتطلب منه تعديلاً لسلوكه بما يتوافق مع حرية الآخرين واكتساباً لأنماط جديدة من السلوك، تجعله فرداً فاعلاً ومنتجاً في المجتمع يمارس دوره كإنسان متحضر لا يخضع للتعصب القبلي او التطرف الطائفي، بل كأنسان حر واع).

والسؤال الذي يطرح نفسه هو: كيف نرسخ مفاهيم الديمقراطية في السلوك الأنساني. ضمن المؤسسة التربوية؟

يقول المربي (ت.س أليوت): (تستطيع المدارس ان تنقل الى تلاميذها جزءاً من الثقافة فحسب، ولا يكون هذا النقل مثمراً الا اذا كانت العوامل الخارجية في انسجام تام معها، ولا نقصد بتلك العوامل الخارجية مجرد الأسرة والبيئة بل عوامل اخرى كالعمل، واللعب، والصحافة، والمشاهد العامة، والاستعراضات، ووسائل التسلية والرياضة).

الحقيقة ان المشكلة الحقيقية التي تجابه ترسيخ المفاهيم الديمقراطية في المؤسسة التربوية. هي الاداء البيروقراطي للادارة التعليمية ابتداءاً من (المركز) وانتهاءاً با(الفروع) هذا من ناحية ومن ناحية اخرى. انعدام الكفاءة والخبرة في قيادة المؤسسة التربوية (الاختصاص)، فضلاً عن إختزال المهنية بالتسيس. وهذا ما يحول دون التحول الديمقراطي في المؤسسة التربوية. هذا ما يتعلق بالادارة التعليمية، اما بالنسبة للعقل التدريسي المتمثل (بالمعلم) فيفتقر الى مقومات الرؤية والاداء في تنفيذ المنهج وتحقيق الاهداف التربوية بسبب غياب المؤسسة الحقيقية التي تتوفر فيها وسائل اعداده. فضلاً عن غياب المنهج الديناميكي الذي يؤهله لاداء دوره التربوي، ناهيك عن إنغلاق فضاءات الابداع والتطور في اروقة المؤسسة التربوية وانحسار حركة التغيير في الشكل لا في الجوهر وهذا ما يجعل الممارسة الديمقراطية في المؤسسة التربوية تكاد تكون مشلولة او شبه مشلولة.

يرى بياجيه ان الهدف الاول للتربية والتعليم هو تخريج رجال قادرين على انتاج اشياء جديدة وليس اعادة ما انتجته الأجيال السابقة، أي تخريج رجال مبادرين، مبتكرين، ومستكشفين. اما الهدف الثاني للتربية في رأي بياجيه فهو تربية العقول الناقدة التي تستطيع ان تبحث في الاشياء وتحاكمها محاكمات عقلية ولا تقبل كل ما يقدم اليها دون بحث وتمحيص.

اذن لكي نستطيع ان نحقق اهداف التربية الديمقراطية يجب ان يكون الماسك بزمام السلطة في المؤسسة التربوية ديمقراطياً، يقبل النقد، ويصغي للآخرين في مؤسسته ولا يمارس عليهم سادية سلطته، ويكون انموذجاً، يقتدى به في الفرعيات في السلوك الديمقراطي، والامر الآخر اصلاح الكوادر التعليمية من خلال ما يلي:-

1- رفع مستواهم المعيشي ومعالجة الازمات التي تحول دون ارتقاء مستوى اداءهم التعليمي.

2- احترام الكفاءات من التدريسيين. وتحفيزهم على الابداع، وضمان حقوقهم.

3- اعادة النظر بفلسفة الاعداد شكلاً ومضموناً. رؤية وممارسة. وان يكون القائمون عليه من ذوي الخبرة والاختصاص.

4- الاستفادة من التجارب العالمية في ميدان التربية الديمقراطية.

5- اصلاح المناهج بما يتلاءم وروح العصر.

6- اعادة اعمار المدارس وتوفير التقنيات التي تساعد على ممارسة الانشطة اللاصفية لا الإقتصار على النظريات او الافكار المجردة.

7- تدريس مادة حقوق الانسان في المدارس.

8- قطع دابر التطرف الطائفي والعصبية القبلية في المؤسسة التربوية على جميع الاصعدة.

9- ترسيخ مبدأ (المواطنة) والتركيز على الهوية الأم لا على الهويات الفرعية.

10- عدم تسييس التعليم، ووضع الشخص المناسب في المكان المناسب.

11- فتح دورات مستمرة للتدريسيين لاستيعاب مفاهيم الديمقراطية.

12- ان يكون لمنظمات المجتمع المدني دور بارز في اصلاح التعليم.

13- ان يكون للمثقف دور بارز في بناء المناهج واصلاحها.

14- المشاركة الفعلية للمؤسسة الثقافية في الاصلاح التربوي عن طريق ايجاد صلات او فتح قنوات بين الاتحاد العام لادباء العراق ونقابة المعلمين، او اية مؤسسة اخرى تعنى بالثقافة.

15- ان يكون لوسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمكتوبة دور فاعل في تغطية العملية التربوية، وتشخيص الجوانب السلبية فيها، وتقويم مسارها.

16- توفير فرص التعلم لكل افراد المجتمع (مبدأ تكافؤ الفرص) والغاء القيود امام التعليم المستمر.

17- ان يكون لممثلي الشعب في الجمعية الوطنية الدور  البارز في الاصلاح التربوي بالمتابعة والتقويم.

يمكن القول ان (الديمقراطية والتعليم) قضية تضرب جذورها في عمق الفلسفات التربوية والسياسات التعليمية في الدول المتقدمة، وتنطلق فروعها لتتناول جميع القضايا والعناصر والآفاق التي تتعلق بالتعليم بشكل عام. والتعليم الاساس بشكل خاص. وتبدو التربية الديمقراطية قضية تربوية تعليمية في ظاهرها. لكنها قضية ثقافية اجتماعية سياسية في جوهرها، فمظاهر الديمقراطية في النظام التعليمي في غالبيتها العظمى امتداد طبيعي للديمقراطية في المجتمع وانعكاس لثقافته. وبشكل عام هناك ثلاثة ابعاد رئيسة  لمفهوم التربية الديمقراطية وهي:

1- ديمقراطية التعلم: بمعنى ان يتم بناء النظام التعليمي وتنظيم مدخلاته وعملياته وممارساته، بما يحقق تكافؤ الفرص للمتعلم. ويؤدي الى تنمية شخصيته لأقصى ما تؤهله اليه قدراته واستعداداته وميوله، من دون ان يقف وضعه الاجتماعي والاقتصادي حائلاً امام الالتحاق بالتعليم والارتقاء في السلم التعليمي.

2- الديمقراطية في التعليم:- بمعنى ادارة النظام التعليمي وتنظيمه وهيكلته في المستويات الادارية والتنظيمية المختلفة، المدرسية منها والاشرافية والمحلية والمركزية باسلوب ديمقراطي يضمن المشاركة المؤسسية والتفاعل والتعاون مع جميع الفئات ذات العلاقة بالعملية التربوية داخل النظام التعليمي وخارجه.

3- تعليم الديمقراطية:- بمعنى تزويد المتعلم بالمفاهيم والمعلومات والمهارات والقيم والاتجاهات الخاصة بالديمقراطية، عن طريق معرفة التشريعات والمؤسسات والهياكل والممارسات الديمقراطية والنماذج العالمية ذا ت العلاقة، بهدف حصوله على تربية تساعده في المستقبل على ممارسة الحياة الديمقراطية والاسهام في بناء المجتمع الديمقراطي. ان اهم صنف من التعلم للحياة الديمقراطية هو ما يتصف بالتفكير العلمي المحقق Reflective Thinking، لا بالاكتساب الآلي للعادات، لانها بهذا النوع من التفكير يتوقف تقدمها. وفي هذا التفكير يجب ان يتخرج كل مواطن ويتقن اصوله، ويمارسه في كل ميادين الحياة، ويسهم به في تنقية مبادئ الحياة الفضلى، وقيمها ومثلها العليا، وضمان اطراد النماء لها. فان تمكن العلم ان يثبت انه ليس بالامكان تربية العامة على هذا التفكير، فقد النظام الديمقراطي للحياة امله في البقاء، وحينئذ يقبض على الحكم ويستأثر به نفر قليل من القادة، ويريحون عامة الناس من التفكير.

يقول د. حنا غالب، ان المقصود بالتفكير العلمي المحقق هنا تلك العملية التي فيها تبلغ الحلول للمشكلات الفردية والجماعية بواسطة التحقيق الصحيح المستمر، والنظر الدقيق في الحقائق والوقائع، النظر الذي توجهه القياسات الحدسية (Hypotheses) وتثبت صحته او فساده التجارب العالمية، ويتصف التفكير العلمي بسعة الصدر والحلم، والتأني في اصدار الاحكام حتى تتوفر الادلة، وبناءالاجراء على النتائج المبلوغة في عملية التحقيق والتدقيق، لا على التخيل او المزاج، او الامتثال الاعمى لأوامر اصحاب النفوذ.

يجب ان يبنى التعلم على التبصر والادراك والتفكير الصحيح المشتمل على المراقبة الدقيقة للجزيئات الحسية والاعتبارات المعنوية، وتحليلها وتفسيرها وتنسيقها، ففي حوافظ كثير من ذوي المعارف معلومات ميتة لا يجتنون منها في حل مشكلاتهم المستعصية فائدة لأنهم لم يكتسبوها بالأساليب الصحيحة لتحولها، ويكون التعلم مما يتحول اذا نظمت ظروفه على نحو يسهل معه على المتعلم ان يميز في ما يتعلم العلاقات المشتركة والمفاهيم والمبادئ والاساليب العامة ويستخرج منها الاستنتاجات والتعميمات، اي اذا خُرٍّج المتعلم في مهارات تجريد خبراته وتعميمها. وذلك يعني انه في تعلماته العلمية، والرياضية، ودراساته الانسانية الاجتماعية يُعنى دائماً باستخراج وتنظيم ما يكون له في معالجة المسائل والمشكلات العديدة المتنوعة الجديدة اوسع استعمال ممكن.

يقول رونيه أوبير، التربية- وهي وصاية- هدفها قيادة الانسان الى نقطة لا يحتاج بعدها الى وصاية- انها تكتمل عندما تكتفي بذاتها اي حين يأخذ شكله النهائي كل من تكوينه النفسي الراشد وطبعه الفردي، ان البنية للنفسية تستقر عندما يتكيف المرء تكيفاً كاملاً مع  البيئة التي عليه ان يعيش فيها، وحين يتحرر في الوقت نفسه من هذه البيئة تحرراً يمكنه من توليد ذاته امام البيئة، والتربية تنجح عندما يبلغ الكائن نضجه في السن الملائمة، وتتصف هذه السن الملائمة اولاً بالتوازن في علائقه الداخلية، وتتصف ثانياً بقدرة تصوره على الامتداد حتى مجموع علائقه الخاجية، وتتصف ثانياً بالتكيف الدقيق بين نظام العلائق الداخلية ونظام العلائق الخارجية، نعني القابلية لأن يريد بكل وجوده وكيانه والقابلية لأن يفهم كل وجوده وكيانه والقابلية لأن يشعرر بالصلة الكاملة بين ذاته وبين الوجود، اي -بتعبير آخر- القابلية لأن يكوّن لنفسه عن الوجود نظرة كلية جامعة تبررها وتؤيدها التجربة، وعندما يصل الى هذه النقطة يؤكد الرجل الناضج نفسه اتجاه الوجود. وتكون نظرته الى الوجود كاملة تشمل جميع مستويات الواقع والممكن، لأنها رؤية موحدة من داخل تسيطر عليه كله، وهذا يفترض ألا يبقى اي شيء فيه غامضاً او منقسماً او متباعداً او متناقضاً، والا يحمل في داخله عدة كائنات اجتماعية او عدة كائنات نفسية، ولهذا كان من الهام جداً ان تعنى التربية بتجنب تلك (الانواع من الكبت) التي تخلق الانقسام الداخلي والصراع الداخلي، فجوهر الحياة النفسية وينبوع انطلاقها هما دوماً نزعة الكائن الى ان يعطي ذاته شكلاً، وحاجته الغامضة الى الوحدة واضطراره الى ان يكون من هو.

لقد كان العمل التربوي الذي جرى على الكائن خلال طور النمو يستهدف جعله قادراً على تفسير الوجود، تحت ضغط الاحداث وبتأثير التماس المتكاثر مع الكائنات الاخرى، وان يحافظ على توازنه وعلى استقامته. ويبقى السؤال، ما نوع الانسان الذي يحتاجه المجتمع؟ هذا ما تسعى التربية الديمقراطيةللإجابة عليه!

المصادر :

1- رونيه اوبير، التربية العامة، دار العلم للملايين، بيروت، 1979.

2- صالح عبد العزيز، تطور النظرية التربوية، دار المعارف بمصر، 1964.

3- د. محمد عزيز الحيابي، من الحريات الى التحرر، دار المعارف بمصر، 1972.

4- باقر شريف القرشي، النظام التربوي في الاسلام، دار التعارف، سوريا، 1988.

5- د. ابراهيم الحارثي، تعليم التفكير، مكتبة الملك فهد، الرياض، 1999.

6- د. منذر المصري، وآخرون، التعليم الاساسي في الوطن العربي، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2001.

7- د. حنا غالب، التربية المتجددة واركانها، دار الكتاب اللبناني، بيروت، د.ت.  

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر: الإسلام و الديمقراطية-العدد16