دولتنا المدنية في العراق… هل من ملامح عامة؟

 

غالب حسن الشابندر 

 

يقولون: أن الدولة المدنية هي دولة الفرد، أي الدولة التي تقوم على إقرار وحماية ورعاية حقوق الفرد، الفرد جوهر فلسفة الدولة المدنية ولكن يا ترى وفي ضوء هذا التأسيس ماذا سنقول عن الدولة التي تقوم أساسا على  فكرة المجتمع ، المجتمع قبل الفرد ، هل نسينا الماركسية والإشتراكية بصورتها المتطرفة ؟ لماذا لا نطرح مشروع الدولة المدنية الذي يقوم على فلسفة ( الفرد الإجتماعي ) ؟ أليس ذلك أولى من دولة مدنية قوامها الفردية الطاغية ودولة مدنية قوامها المجتمع الطاغي ؟ ذلك هو منطق القرآن الكريم ، وتلك هي نزعة التشريعات الإسلامية بشكل عام .

يقولون : أن الدولة المدنية تقوم على مبدا التضاد مع  الدين !! أليس ذلك هو منطق الدولة المدنية  في ظل الحكم الإشتراكي المتطرف ، أي منطق الاتحاد السوفياتي في عز تاريخه  ؟ أم دولة الا تحاد السوفييتي لم تكن دولة مدنية إطلاقا ؟ أو تقوم على مبدأ فصل الدين عن الد ولة ، وذلك هو منطق الدولة في أوربا ، فالدين لله والوطن للجميع ، ولكن ما عسانا نعمل مع عالم مترع بالتدين ؟ مع عالم  يتغلغل التدين فيه إلى أعماق  أعماقه ؟ ليس من المعقول أن نرسي مثل هذا الامضاء دون قراءة دقيقة للواقع وممكانت التحقيق ، تلك آفة وقعنا في شراكها المقيت ، فأصابنا الفشل  الذريع ، لماذا لا نقول دولة مدنية ترشّدها القيم الدينية السامية ؟ أ ليس في ذلك حل منطقي لدور الدين في عالمنا الإسلامي في بناء الدولة المدنية ؟ لقد كان محمد باقر الصدر عبقريا عندما أقر دور القيم الغربية في نهضة الاقتصاد الغربي ، وكان عبقريا كذلك عندما أصر على إمكانية الدور الفاعل الذي يمكن أن تلعبه قيم السماء والشرق في  تأسيس إقتصاد قادر على النهوض بمستويات الفرد والناس في هذا الشرق . دولتنا المدنية لا تتضاد مع  الدين ، ولا تحكم الدين الحرفي في تأسيسها ومسارها ، ولكن تستفيد من القيم الدينية في ذلك ، بل ربما تستفيد أيضا من روح التشريع ومقاصده وأهدافه وغاياته  ، أقصد التشريع الإسلامي بالدرجة الاولى .

دولتنا المدنية تفصل بين الدين وا لحكومة ، بين الدين والسلطة  ، وليس بين الدين و الدولة ، فالدولة دينها الرسمي الإسلام ، وتحتفظ بكل الحقوق لبقية الاديان الاخرى ، وتسمح لحرية التدين أن تأخذ مساحتها الكاملة من الواقع ، لرجل الدين حقه في ممارسة السياسة ، ولكن ليس باسم الدين ، وتحت غطاء الدين . أنطلق من الحقائق على الارض ، وليس من ضمير الإنسان العالمي  ، تلك أمنية ، ربما نصل إليها بعد أجيال وأجيال .

يقولون : أن الدولة المدنية فوق الطائفية ، والفكرة جميلة ، والشعار أجمل ، ولكن هل حقا كل الدول التي تعتبر مدنية هي فوق الطائفية الدينية ؟ حتى في تلك الدول  التي تبدو أنها علمانية صارخة ، حتى في الدول التي مات  الدين  ــ كما يقولون ــ في ضمائر شعوبها وناسها وأفرادها ، هل نجد مصداقا صارخا لذلك في أمريكا بين البروتستانت والكاثوليك فضلا عن بريطانيا حيث تشخص قضية الكاثوليك في أرلندا وملابساتها ؟ في فرنسا ؟ 

الشرق ترسانة طوائف ، كذلك قال هنري كيسنجر ، ترسانة قوميات وأقليات ؟ كذلك هو القائل ، فهل  ننسى أو نتغافل هذا الواقع المرير ؟ لنقل : أن دولتنا المدنية هي دولة التوازن بين الطوائف وليس دولة فوق الطوائف ، ليس حبا في منطق الطوائف بل تقديرا وحسابا دقيقا للواقع المرير ، ليست دولة محاصصة طائفية بل دولة توازن تراعي  الى حد  كبير حقوق  الجميع وترسي  وا جبات الجميع ، وبذلك نقضي على الطائفية ، نخلق مجتمعا متوازنا ، لا ندعو إلى دولة تتشخص فيها وزارات مقاسة طائفيا ، تقوم على توزيع طائفي ، بل الى دولة ترعى أبناء كل الطوائف ، وبذلك يتحقق التوازن بين الطوائف ، ليس التوازن هو توزيع وزارات طائفيا ، بل توزيع الثروة بالعدل بين كل أبناء الشعب ، الامة ، وبهذا لا تنفرز طائفة حاكمة وطائفة محكومة ، ومن هنا ننجز منطق التوازن بين الطوائف ، وأنا أركز  على كلمة ( طوائف ) هنا ، لأن الانتماء الى طا ئفة تحول إلى هوية في  عالمنا الإسلامي وا لعربي للاسف الشديد .

يقولون : إن الدولة المدنية هي دولة القانون  وليس دولة العشائر ،  ولا دولة الرجال النافذين ، ولا دولة الحزب الواحد ولا دولة القانون الخالد …  الدولة المدنية لا تتعارض أبدا مع تحويل العشائر إلى قوة  إيجابية فيما إذا  كان المجتمع قائما أساسا على البنية العشائرية ، ترى ماهي النتيجة لو أردنا ألغاء العشيرة في الحياة السياسية اليوم في العراق مثلا ؟      الدولة  المدنية لا تتعارض مع العشيرة فيما تحرك مثقفو العشائر صوب تحقيق المجتمع المدني ، مجتمع السلم وا لعدل والحرية ،  ولا تتضاد مع  الاستفادة من الرجال النافذين في المجتمع ، ذلك فن ذكي لإنشاء الكثير من الحقائق الموضوعية ، خاصة إذا كان هؤلاء الرجال من ذوي التحصيل العلمي والثقافي الجيدين ، لابد أن نستفيد من كل الممكنات المتاحة لبناء الدولة المدنية في العراق ، والزعامات الروحية وا لمالية والعشائرية ممكنات ليست عصية على التجيير لصالح الدولة المدنية في العراق . نعم ، لا كلام في كون دولة الحزب الواحد تتناقض مع مبادئ وفلسفة ومسيرة الدولة المدنية ، ذلك خطر أحمر ،  أو أحد الخطوط الحمر ، كذلك منطق القانون الخالد.

دولتنا المدنية في العراق فتية ، ليست إنقلابية ، خطوة خطوة ، مران ، تقليد ناضج ، ممارسات هادئة ، تحولات تدريجية محسوبة ، الاستفادة من كل ممكن . لقد استطاع النبي الكريم  أن يحول طاقة العرب القتالية تجاه بعضهم إلى طاقة فتح خارج الجزيرة العربية ، لقد استطاع أن يستلهم العناد العربي ذي النزعة الشخصية الذي يدور حول قيم بالية  الى عناد في مواجهة الظلم والجهل والتعصب ، كذلك دولة العراق المدنية ، يمكنها أن تستفيد من هذا التنوع العرقي والمذهبي والقومي ، تحوله الى منطق تجاذب عراقي ، منطق تعاون ، منطق تكامل … تلك هي البداية لمشروع الدولة المدنية كما نتصورها في خيالنا ، وعلى كل حال الخيال شي جميل ، والحركة صوبه أجمل من تصوره …

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.

المصدر:المثقف السياسي-12-5-2007